المسألة الروسية... وسياسات انتقامية تزعزع النظام العالمي

المسألة الروسية... وسياسات انتقامية تزعزع النظام العالمي

منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، كانت 'المسألة الألمانية' هي السؤال الأكبر والأصعب في الجغرافيا السياسية. كان السؤال الألماني، وفي غاية البساطة، هو ما إذا كان توحيد المتحدثين بالألمانية تحت حكم واحد سيشكل دولة قوية وخطيرة في قلب أوروبا. وفي النهاية، تمّت الإجابة عن هذا السؤال، كما تنبأ أوتو فون بسمارك، بالحديد والدم. فقد جلبت الحربين الواسعتين الكارثيتين الدمار والعنف إلى كل أوروبا، وتركت ألمانيا أخيراً مهزومة ومنقسمة.

وبمرور الوقت وإعادة توحيد ألمانيا عام 1990، كان الانخفاض الديموغرافي، والتغير الثقافي قدّ نزع مخالب برلين بشكل كافٍ، وبذلك تلاشى خطر ألمانيا الموحدة. لا تزال ألمانيا مهيمنة على الاتحاد الأوروبي بحكم حجمها وقوتها الاقتصادية، ولكنّ هذا لم يعد يشكل تهديداً. لا يمكن قول الشيء ذاته حيال روسيا، والتي أصبحت أكثر عدوانية، على الرغم من تراجع قوّتها الاقتصادية. السؤال الأكبر والأصعب في الجغرافيا السياسية في القرن الواحد والعشرين من شأنه أن يكون: ماذا نفعل حيال موسكو؟.

مثل المسألة الألمانية، تمثّل المسألة الروسية اليوم الموضوع المركزي في البلاد. لقد كان موقع ألمانيا مركزياً على الصعيد الأوروبي؛ ففي أوج سيطرتها، امتد الرايخ الألماني من كوبلنز إلى كنيغسبرغ، ومن ضفاف نهر الراين حتى شواطئ بحر البلطيق. اليوم تشكّل روسيا مركزاً على الصعيد العالمي. حيث كانت الإمبراطورية الأوروبية الوحيدة التي توسعت في آسيا برّاً لا بحراً. قبل ما يقارب 25 عاماً، ونفس هذا الشهر قضى الاتحاد السوفيتي نحبه بسلام. ومع ذلك، لا يزال الاتحاد الروسي يمتد من كالينينغراد- والتي عرفت بـ 'كنيغسبرغ' منذ ضمها إلى روسيا عام 1945، إلى فلاديفوستوك، على مسافة 4500 ميل و10 مناطق زمنية.

في القرن التاسع عشر، شكّل التوتر بين المدن الروسية، التي تتطلّع لكي تصبح على غرار المدن الغربيّة الكبرى، وبين المناطق الأسيوية الشاسعة والنائية، مادةً غنية وملهمة للكتّاب والمسرحيين. لقد ناقش كلّ من إيفان تورجنيف وفيودور دوستويفسكي أي اتجاه يجب أن تسلكه روسيا حينها، ولكنّ أحداً لم ينكر وجود معضلة الشرق - الغرب؛ حيث لم تكن هذه ظاهرة جغرافية محضة. لقد ظلّت مؤسسة العبودية قائمةً حتى ستينات القرن التاسع عشر، وظلّت ممارسة العبوديّة مستمرّة بعد ذلك بوقت طويل، ومن ثمّ فقد كان على الرجل الروسي النبيل أنّ يأخذ نزهة بين عزباته الإقطاعيّة، تاركاً أوروبا وراء ظهره.

لكن معضلة الشرق - الغرب في الروسية، قد أصبحت اليوم المشكلة المركزية في السياسات الدولية، لا في الأدب فحسب. فعلى الجانب الأوّل، تجاور روسيا الصين، التي تفوقت لمدّة طويلة على الاقتصاد الروسي كما تفوّقت على روسيا من الناحية الديموغرافية، وتطمح بشكل متزايد إلى إحراز تفوق عسكري في آسيا. أما على الجهة الأخرى من روسيا؛ تقع أوروبا والتي أصبحت، على الرغم من ازدهارها، منطويةً سياسياً، ومعتمدة بشكل مفرط على الولايات المتحدة في الدفاع عن نفسها.

في كتابه الأخير 'النظام العالمي'، يقدّم هنري كيسنجر أربعة تصورات متطورة ومتنافسة في النظام الدولي: التصوّر الأميركي، والأوروبي، والصيني، والإسلامي. يبقى موقع روسيا من هذا المخطط غير واضح. يقول كيسنجر، 'منذ بطرس الأكبر وحتى فلاديمير بوتين، تغيّرت الظروف كثيراً، ولكنّ الإيقاع ظلّ على حاله بشكل ملحوظ'. ويتابع أنّ روسيا 'هي سلطة أوراسيوية فريدة من نوعها، تمتد عبر القارتين ولكنها لا تسكن في أيّ منهما'.  لقد تعلّمت روسيا دروس الجغرافيا السياسية الخاصّة بها 'من مدرسة السهوب الصعبة، حيث تنافست حشود من البدو والرحالة على الموارد في مناطق مفتوحة وبين عدد محدود جداً من الحدود الثابتة'.

قوة عظمى لا تكترث بالنظام العالمي...

يمكن القول إن روسيا هي القوة الأقل اكتراثاً بالنظام العالمي؛ ولا شكّ بالطبع أنّ الرئيس فلاديمير بوتن سينكر ذلك، وسيجادل بأنّ القاعدة الأساسية في النظام هي احترام القوى العظمى، بشكل متبادل، لدوائر نفوذها وللخلافات السياسية الداخلية لكلّ منها. في المقابل، من الواضح أن روسيا هي القوة الأكثر استعداداً لاستغلال الأدوات الجديدة في الحرب الإلكترونية، والتي تنبأ بها كسينجر عام 2014 وحذر منها:

'لقد عمل انتشار الاتصالات الشبكية في كلّ من القطاعات الاجتماعية والمالية والصناعية والعسكرية... على إثارة نقاط الضعف بشكل ثوري جديد. متجاوزاً معظم المبادئ والقوانين (وكذلك المعرفة التقنية للعديد الجهات التنظيمية)، خالقاً، في بعض الأحيان، 'الحالة الطبيعية' التي تنبّأ بها بعض الفلاسفة، وراسماً طريق الخروج منها، والذي بدوره، كما يقول توماس هوبز، قد وفّر القوة الدافعة لخلق النظام السياسي... تقوم حالة من التماثل ونوع فطري من انعدام النظام في صلب العلاقات بين قوى السايبر دبلوماسياً واستراتيجياً... إنّ عدم التعبير عن قواعد السلوك الدولي، سوف ينشئ أزمة في الديناميكيات الداخلية للنظام'.

لقد ظهرت هذه الأزمة بالفعل. فبينما أكتب الآن، فإنّ السؤال الساخن في السياسة الأميركية هو إلى أيّ مدى نجحت الحكومة الروسيّة في جهودها للتأثير على نتائج الانتخابات الأميركية في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي. إذ لم يعد سؤال ماذا إذا كانت روسيا قد حاولت القيام بذلك أو لا سؤالاً محلّ خلاف. لقد نجح القراصنة الروس في الوصول إلى إيميلات اللجنة الوطنيّة للحزب الديمقراطي.  وقد تصرّف 'ويكيليكس' كقناة ناقلة لهذه التسريبات. ومن المرجّح أنّ الكشف عن الإيميلات المسرّبة قد عزز الآراء السلبيّة للناخبين تجاه هيلاري كلينتون. وأعطى دونالد ترامب هامش انتصار ضيّق في الولايات المتأرجحة، وهو ما يمكن للمرء أن يعتبره أمراً حاسماً وفارقاً؛ في انتخاباتٍ يصبح فيها 'كلّ ما يهمّ' الناخب أمراً حاسماً في توجيه صوته الانتخابيّ. الآن يقول الرئيس باراك أوباما إنه 'حين تحاول أيّ حكومة أجنبيّة أن تؤثّر على نزاهة انتخاباتنا...  فإنّ علينا أن نردّ بفعل شيء' و'سنفعل'.

يبقى السؤال مفتوحاً ما إذا كانت حملة ترامب مدركة لكونها تتلقّى مساعدةً من موسكو، وإلى أيّ درجة كانت تدرك ذلك. وإن كانت تدرك، فهل ثمّة مقايضة سريّة بين ترامب وموسكو؟ لقد كتب فرانكلين فوير، في شهر تموز/ يوليو قبل الانتخابات، محاججاً بأنّ بوتين يمتلك 'خطّة لتدمير الغرب، وأنّ تلك الخطّة تشبه إلى حدّ بعيد دونالد ترامب'. على صفحات الواشنطن بوست، وصفت آني أبلبوام ترامب بـ'المرشّح المنشوري  Manchurian candidate'. ولكنّ الأدلّة المُقدّمة لهذه المزاعم هي أدلّة ظرفيّة في أفضل الأحوال. من الصعب القول إنّ ترامب، عندما عيّن بول مانافورت كمدير لحملته الانتخابيّة، كان يجهل عمل مانافورت لفيكتور يانوكوفيتش، الرئيس الأوكراني الفاسد ما بين 2010-2014، والمقرّب من الكريملين. كما إنّ كارتر بيج، أحد مستشاري ترامب في حملته الانتخابيّة، والذي يُشتبه بصلاته الوثيقة مع موسكو، كان مدافعاً إعلامياً عن ضمّ روسيا لشبه جزيرة القرم.

يستحضر أنصار نظريّة المؤامرة وصف ترامب لـ'الناتو' بأنّه 'مُكلف' و'عفا عليه الزمن'، بالإضافة إلى رغبة ترامب عقد 'صفقة كبيرة' مع بوتين إن تمّ انتخابه، كما يستحضرون رفض ترامب المتكرر بقبول أنّ روسيا كانت وراء الحملة الإلكترونيّة ضدّ خضمه؛ الحملة التي حرّض عليها هو نفسه، وإن كان مازحاً، في تموز/ يوليو السابق.

على أنّ هذا الجدل الساخن لم يقدّم ضوءاً هادئًا للنقاش. فأوّلاً، ليس ثمة جديد في محاولة روسيا التأثير في الانتخابات الغربيّة: فمثل هذه 'العمليات النفسيّة' كانت تُمارس عبر الوكالات الاستخباراتيّة من قبل الطرفين في أثناء الحرب الباردة. ومن المؤكّد أنّ التكنولوجيا الحديثة قد جعلت فعل ذلك أسهل وأكثر فاعليّة، ولكنّ مثل هذه العمليات تبقى (على خلاف الحرب البيولوجيّة مثلاً) داخل حظيرة القانون الدولي. ثانياً، ففي مثل هذه الانتخابات التي اتسمت بفقدان الضوابط والحماسيّة المفرطة، فمن المحتمل أن يكون ترامب قد استغلّ هذه التسريبات، دون أن يعارض الاستفادة من نقطة يمكن أن تعمل لصالحة. ماذا لو أنّ حكومة أجنبيّة أخرى قد زوّدت المواقع الليبراليّة بإيميلات مسرّبة من الحزب الجمهوري، هل كانت كلينتون وحملتها ليرفضان الاطلاع عليها والاستفادة منها؟ ثالثاً، لا شيء مما قاله ترامب في أثناء حملته الانتخابيّة يُؤكّد على ارتباطه بتحالف مستقبلي مع بوتين، فقد أوضح ترامب في مقابلة على الفوكس نيوز مع بيل أوريلي في أبريل قائلاً: 'إنني أعتقد أنّ من الممكن أن أصل إلى علاقة جيّدة مع بوتين' ثمّ أضاف 'لا أعرف حقّاً . . . ليست لديّ فكرة بيل. ربما يحصل ذلك، وربما لا'.

إنّ السؤال الجدّي الذي علينا طرحه هو: لماذا كانت الحكومة الروسيّة متعطّشة بهذا القدر للتأثير على الانتخابات لمصلحة ترامب؟ والإجابة عن هذا السؤال ليست بالوضوح الذي يتخيّله البعض. ذلك أنّ روسيا تحتاج بشكل ملحّ – إن لم نقل: بشكل يائس – إلى رئيس أكثر ودّاً مما ستكون عليه كلينتون. إنّ تدخّل موسكو في السياسة الأميركية لا يعكس قوّتها، ولا يعكس تقدّمها الاستراتيجيّ، بل يعكس ضعفها واعتمادها على تكتيكات الحرب البارد كتكتيكات 'العمليات النفسيّة'.

عصرٌ جديد، ولكنّ أيّ عصر؟

لم يكن للأمور أن تكون على هذه الشاكلة. قبل خمس وعشرين عاماً، لم يكن انهيار الاتحاد السوفييتي علامةً على نهاية الحرب الباردة وحسب، وإنما بدايةً لما كان يُفترض أن يكون عصراً ذهبيّاً من العلاقات الودودة بين روسيا والغرب. ففيما يبدو، اعتنقت روسيا الرأسماليّة والديمقراطيّة بحماس. أصبحت المدن الروسيّة غربيّة بدرجة مذهلة. لقد أُخليت الرفوف ولوحات الإعلانات السياسيّة لتُفسح المجال للدعايات التجاريّة الكثيرة والمبهرة.

وعلى خلاف التخوّفات من البعض، كان ثمّة نظام عالمي جديد بعد 1991. وأصبح العالم مكاناً أكثر سلاماً عما كان عليه مع تدفّق المال والسلاح الذي حوّل العديد من مناطق النزاع إلى مناطق حروب بالوكالة. في ذلك الوقت أسرع الاقتصاديون الأميركيون لنصح السياسيين الروس. وهرعت الشركات الأميركية متعددة الجنسيات للاستثمار في روسيا.

لو حاولنا العودة بخيالنا ربع قرن إلى الوراء، إلى عام 1991، وحاولنا أن نفكّر في ثلاثة احتمالات ممكنة للمستقبل. أوّلاً، لنتخيّل أنّ الانقلاب الذي قام به المتشددون في أغسطس قد أُنجز بكفاءة، وأنّ الاتحاد السوفيتي قد استمرّ. ثانياً، لنتخيّل أنّ تفكك الاتحاد السوفيتي حصل بعنف أكبر، بحيث تعاظمت التوتّرات الإثنيّة والإقليميّة بشكل كبير، وصولاً نوع من ' سوبر يوغسلافيا' التي حذّر منها كيسنجر. وأخيراً، لنتخيّل، أسعد نهاية ممكنة لهذا التاريخ، حيث يزدهر الاقتصاد الروسي على أسس الرأسماليّة والعولمة، وينمو عن المعدلات الآسيويّة.

كان يمكن أن تبقى روسيا في حالة جمود. كان يمكن أن تتفكك. وكان يمكن أن تزدهر. لا أحد كان يعرف في عام 1991 أيّ من هذه السيناريوهات سيحدث. في الحقيقة، فإنّ ما حدث لم يكن أيّاً من هذه السيناريوهات. لقد حافظت روسيا على المؤسسات الديمقراطيّة التي تمّ تأسيسها في 1991، ولكنّ حكم القانون لم يتحقق بشكل عميق، وتحت حكم فلاديمير بوتين، تمّ تأسيس نوع من الحكم القوميّ السلطويّ، والمفرط في قمعه لمعارضيه وناقديه. خلافاً لقوى الطرد المركزيّ، فإنّ الاتحاد الروسي قد حافظ على تماسكه، والحالة القوقازيّة مثال واضح. على أنّ النمو الاقتصاديّ لم يتحقق بالدرجة المأمولة. فما بين عامي 1992 و2016، ارتفع الناتج المحلّي الإجمالي GDP للفرد بنسبة 1.5% فقط. في حين وصلت النسبة في الهند إلى 5.1% وفي الصين إلى 8.9%.

اليوم، يُمثّل الاقتصاد الروسي 3% فقط من الناتج العالمي، وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي على أساس تعادل القوى الشرائيّة. فإنّ حصّة الولايات المتحدة تصل إلى 16%. وتصل حصّة الصين إلى 18%. ولو قمنا بالحساب بناءً على سعر الدولار الحالي، فإنّ الناتج المحلّي الإجمالي الروسي يمثّل أقل من 7% من نظيره الأميركي. في حين فإنّ حجم الاقتصاد البريطاني يمثّل ضعف حجم نظيره الروسي.

علاوة على ذلك، فإنّ اعتماد الاقتصاد الروسي على تصدير الوقود الأحفوري – بالإضافة إلى عدد من المنتجات الأوّلية – أمرٌ صادم. فالصادرات النفطيّة تمثّل ما يقرب من ثلثيّ الصادرات الروسيّة (63%)، وفقاً لمرصد التعقيد الاقتصادي The Observatory of Economic Complexity. وقد تفاقم الضعف الاقتصادي النسبي في روسيا مع انخفاض أسعار النفط والغاز وأسعار السلع الأخرى منذ 2014. بالإضافة إلى فرض العقوبات الأميركية والأوروبيّة على روسيا بعد غزوها لأوكرانيا وضمّها لشبه جزيرة القرم في العام ذاته.

هل يقع اللوم على بوتين؟

من هو الملوم عن التدهور الحادّ في العلاقات الثنائيّة بين روسيا والولايات المتحدة؟ ومتى، على وجه الدقّة، بدأ هذا التدهور؟ قبل أربع سنوات، سخر باراك أوباما من وصف ميت رومني لروسيا على أنّها 'العدو الجيوسياسي الأوّل' للولايات المتحدة. وحتى هذا اليوم، لا تزال رؤية أوباما عن روسيا أنّها ضعيفة، ولا تمتلك القوّة الكافية. وكما صرّح لمجلّة الأتلانتيك في مارس فإنّ بوتين' مهتمّ دوماً بأن يظهر بمظهر الندّ لنا، وبمظهر الذي يعمل ويتعاون معنا، لأنّه ليس أحمقاً بالطبع. فهو يدرك بأنّ موقع روسيا قد تراجع على الصعيد الدولي والعالمي. وما فعلته روسيا مؤخّراً من غزو القرم ودعم بشار الأسد لا يجعل منه لاعباً دولياً'. وقد تمادى أكثر في المؤتمر الي يُعقد في نهاية السنة بوصف روسيا بـ'بلد صغير... بلد ضعيف' لا ينتج 'أيّ شيء يحتاجه أيّ أحد'.

ولكنّ هذه النبرة مختلفة تماماً عن تلك التي تبنّتها إدارة أوباما في مارس 2009، عندما وصلت التفاهمات بين هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجيّة آنذاك، ونظيرها الروسي سيرجي لافروف، إلى ما عُبّر عنه بـ ضغط زر 'إعادة الضبط والتشغيل' للعلاقات بين البلدين (وبطريقة مناسبة، كما تبيّن لاحقاً، فقد أخطأ المترجم الروسي في تهجئة الكلمة فقرأها وزير الخارجيّة: ضغط الزرّ 'بصورة مفرطة'). ولكنّ عمليّة إعادة الضبط والتشغيل لم تفشل تماماً. فبعد سنة، وصلت الولايات المتحدة وروسيا إلى اتفاق لتقليل مخزونهما من الأسلحة النوويّة (الصفقة التي أُطلق عليها 'البداية الجديدة').

أحد الإجابات الممكنة لسؤال: ما الذي جعل الأمور تسير إلى الاتجاه الخطأ؟ هو بوتين نفسه. وبما أنني أساهم هنا في 'لوم بوتين'، فإنني لا أنوي تبرئة الرئيس الروسي. فأنا أذكر بوضوح النبرة التي تحدّث بها في مؤتمر ميونخ الأمني في 2007، وقد وصفت ذلك حينها بأنّه قدّم ' تمثيلاً مدهشاً لشخصيّة مايكل كورليوني من فيلم العرّاب The Godfather؛ بطريقة تجسّد تهديداً مبطّناً'.

على الرغم من ذلك، من المهم أن نتذكّر ما قاله بوتين في تلك المناسبة بدقّة. في تعليق، كان يبدو موجّهاً مباشرة للأوروبيين في تلك القاعة، حذّر بوتين بأنّ العالم 'ذا القطب الواحد' – يعني هيمنة الولايات المتحدة على العالم – سيكشف لكم كم هو 'خبيث ومضرّ ليس فقط على أولئك الموجودين داخل النظام وإنما أيضاً على مبدأ السيادة نفسه'. إنّ 'الاستعمال المفرط للقوّة' عند أميركا، قال بوتين، 'سيُغرق العالم في دوّامة من الصراعات الدائمة'. في ذلك الوقت كان من الواضح أنّ حروب أفغانستان والعراق ليست استثماراً جيّداً للجيش الأميركي. لقد لقيت كلمات بوتين في ذلك اليوم آذاناً منتبهة، خاصة لدى الألمان.

بعد ما يقرب من عشر سنوات، فإنّ مما يُنصح به الآن هو التفكير والتأمّل حتى في أشدّ انتقادات بوتين عبوساً لمحاولة فهم دورنا في تدهور العلاقات بين واشنطن وموسكو. إنّ الرؤية الروسيّة التي تقول بأنّ الخطأ يكمن جزئياً في تجاوزات الغرب، تستحقّ تعاملاً جدّياً الآن أكثر من السابق.

هل يقع اللوم على الغرب؟

حين أعود للنظر إلى ما كنت أفكّر فيه وأكتبه في أثناء رئاسة جورج دبليو. بوش، أدرك أنني قد قللت من أهميّة المدى الذي ساهم فيه توسّع الناتو والاتحاد الأوروبي في استعداء روسيا.

على الرغم من أنني أرى بأنّ بعض القرارات كانت مبررة. فنظراً لما شهدوه في منتصف القرن العشرين، كان البولندييون والتشيكيون يستحقون الحماية التي توفّرها عضويتهم في الناتو (منذ عام 1999، عندما انضمت بولندا والتشيك مع هنغاريا) كما إنّهم يستحقّون الفرص الاقتصاديّة التي تحققت بانضمامهم إلى الاتحاد الأوروبي (منذ 2004). ولكنّ القرار الأميركي في مارس 2007 لبناء درع مضادّ للصوارخ الباليستيّة في بولندا بالإضافة إلى محطّة رادار في جمهوريّة التشيك، تبدو، بإدراكي المتأخّر الآن، محلّ مساءلة، كما هي الحال مع القرار اللاحق بنشر عشر قواعد صاروخيّة اعتراضيّة وبطاريات صوارخ MIM-104 في بولندا. على الرغم من أنّ المستهدف، نظرياً، كان مواجهة الصواريخ الإيرانيّة، فإنّ هذه المنشآت قد بدت للروس وكأنّها تستهدفهم مباشرة. ومن ثمّ فإن نشر صواريخ إسكندر قصيرة المدى في كالينينغراد كان انتقاماً مُتوقّعاً.

حصل فعل انتقامي مماثل في 2008، عندما قامت كوسوفو، بتشجيع من بعض دول الاتحاد الأوروبي، بإعلان استقلالها عن صربيا. ردّاً على ذلك، قامت روسيا بالاعتراف بالمتمردين في أوسيتيا الجنوبيّة وأبخازيا، وقامت بغزو أجزاء واسعة من جورجيا. من وجهة نظر روسيا، فإنّ ما فعلته لا يختلف عما فعله الغرب في كوسوفو.

إنّ أكبر خطأ في الحسابات والتقديرت، كان استعداد إدارة بوش للنظر في انضمام أوكرانيا إلى الناتو، ومن ثمّ دعم إدارة أوباما لجهود الاتحاد الأوروبي لعرض اتفاقيّة شراكة مع أوكرانيا. إنني أتذكّر المزاج الطائش الذي سبق اجتماع المؤتمر المؤيّد لانضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي في يالطا في سبتمتبر 2013، عندما حضّ الممثلّون الغربيون أوكرانيا على اتباع طريق بولندا. دون أن يأخذوا بعين الاعتبار وجهة نظر روسيا المختلفة ولا الانقسام الواضح بين شرق أوكرانيا وغربها. وقد تمّ ذلك على الرغم من تحذير مساعد بوتين سيرجي غلازييف، الذي شارك في المؤتمر، والذي أشار إلى أنّ الشراكة مع الاتحاد الأوروبي ستقود إلى 'اضطرابات سياسيّة واجتماعيّة'، وإلى انخفاض حاد في ظروف المعيشة، وإلى 'الفوضى'.

لا أعني بهذا تبرير التصرّفات الروسيّة في 2014، والتي تعدّ انتهاكاً صريحاً للقانون والاتفاقات الدوليّة. وإنما أعني توجيه الانتقاد إلى الإدارات المتعاقبة التي لم تولِ سوى القليل من الانتباه للحساسيات الروسيّة وردود فعلها المحتملة.

'في الحقيقة، فإنني لم أعد بحاجة لجورج كينان الآن'، هكذا أخبر الرئيس أوباما ديقيد ريمنيك من صحيفة النيويوركر في بدايات 2014. ولكنّ العكس كان هو الصحيح. فأوباما وخلفاؤه بحاجة ماسّة لمستشارين يفهمون روسيا كما يفهمها كينان. فكما أشار كيسنجر ذات مرّة، فإنّ تاريخ الأمم يطبع شعوبها بطابعه. في السنوات الماضية، كان صنّاع القرار الأميركيين ميّالين لتجاهل ذلك وتناسيه، بل وكانوا يعربون عن سخطهم عندما تتصرّف دولة ما بطريقة، كان من الممكن التنبّؤ بها بقليل من المعرفة التاريخيّة. ويمكن القول بأنّه لا توجد دولة مطبوعة بتاريخها ومتأثّرة به مثل روسيا. لقد كان من السخف التوقّع بأن تكون روسيا هادئة ومتزنة وهي ترى الأرض المركزيّة لروسيا في العصور الوسطى تنتقل إلى فضاء التأثير الغربي؛ أوكرانيا، سلّة غذاء الإمبراطوريّة القيصريّة، الحارس الأبيض عند ميخائيل بولغاكوف، ومسرح جريمة ستالين في المجاعة التي صنعها، والهدف الرئيسي لأدولف هتلر في عمليّة بارباروسا.

قد يظنّ المرء بأنّ أحداث عام 2014 قد علّمت صنّاع القرار الأميركيين الدرس. ولكنّ إدارة أوباما قد استمرّت في قراءتها الخاطئة لروسيا. يمكن القول بأنّه كان من الخطأ ترك فرنسا وألمانيا تتوليان التعامل مع الأزمة الأوكرانيّة. كما إنّ إدارة أوباما أخطأت خطأ كارثياً بمنح بوتين تذكرة دخول إلى الصراع الروسي، بجعله يتولّى مسألة النزع (الجزئي) لأسلحة بشار الأسد الكيميائيّة. إنّ واحداً من أواخر إنجازات كيسنجر الكبرى في نهايات السبعينات كان إجبار السوفييت على مغادرة الشرق الأوسط. لقد قامت إدارة أوباما بالتخلّي عن ذلك، وكانت النتائج كارثيّة. إننا نرى الجيش الروسيّ في حلب كما كان سابقاً: سيّد تكتيكات الانتصار في منتصف القرن العشرين عبر قصف المدن دون تمييز بين المدنيين والعسكريين.

ما هو ثمن السلام؟

على أنني ما زلت مقتنعاً بأنّ الاستجابة الصحيحة لهذه الأخطاء في الإدارة الأميركية هو التأرجح من التقليل من شأن روسيا إلى المبالغة في تقدير ذلك. على الرغم من أنّ مثل هذه المقاربة يمكن أن تصبح لاحقاً صورة أخرى من إساءة الفهم.

ليس من الصعب استنتاج ما سيرغب به بوتين في أيّ 'صفقة عظيمة' بينه وبين ترامب. البند الأوّل سيكون رفع العقوبات. البند الثاني سيكون إنهاء الصراع في سوريا وفق الشروط الروسيّة؛ وهو ما سيتضمّن الحفاظ على الأسد في موقع السلطة، على الأقل لـ'مدّة انتقاليّة'. البند الثالث سيكون القبول بالأمر الواقع والاعتراف بضمّ روسيا لشبه جزيرة القرم، بالإضافة إلى بعض التعديلات الدستوريّة التي تستهدف شلّ الحكومة في كييف عبر إدراج المنطقة الشرقيّة من أوكرانيا (دونباس) تحت وصاية الفيتو الروسي.

والسؤال الذي يصعب فهمه، لماذا قد ترغب الولايات المتحدة في إعطاء أيّ شيء من هذا لروسيا؟ ماذا ستقدّم روسيا للولايات المتحدة في مقابل هذه التنازلات؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي على فريق الأمن القومي لترامب أن يسأل نفسه إياه، قبل أن يتلقّى الاتصالات والمجاملات من الكريملين.

ليس ثمّة شكّ بأنّ من الضروريّ إنهاء الحرب في سوريا، كما إنّ من الضروريّ حلّ النزاع المجمّد في شرق أوكرانيا. ولكنّ شروط السلام يمكن، ويجب أن تكون مختلفة عن الشروط التي يفكّر بها بوتين. وأي صفقة من قبيل الوصول إلى حلّ سلمي في سوريا في مقابل التضحية بأوكرانيا ستكون غلطة قاتلة.

لقد كان أوباما محقّاً بالقول بأنّ روسيا قوّة أضعف بكثير من الولايات المتحدة. وقد كان خطؤه في الاعتماد على أفضليّة أميركا وقوّتها. فبفعله ذلك، سمح لنظيره الروسي أن يلعب بيدين ضعيفين، ولكن بمهارات تكتيكيّة عالية وقاسية. يفخر ترامب بنفسه على أنّه 'عاقد الصفقات'. ولكنّه قادر على أن يكون أكثر من ذلك. وهنا سأقول ما الذي ينبغي أن يقوله ترامب لبوتين:

أوّلاً: لا يمكنك أن تتوقّع أن نقوم برفع العقوبات ما لم تقم بسحب جميع قوّاتك العسكريّة ووكلائها من أوكرانيا الشرقيّة.

ثانياً: إنّ مستقبل أوكرانيا مرهون بقرار الأوكرانيين، وليس بقرار القوى الخارجية.

 ثالثاً: إننا على استعداد للتفكير في عمل استفتاء شعبي آخر في شبه جزيرة القرم نظراً للشكوك التي تحوم حول طبيعة تنازل روسيا لأوكرانيا عنها في عهد نيكيتا خروتشوف، على أنّ مثل هذا الاستفتاء لا بدّ أن يكون تحت رقابة مراقبين دوليين لضمان مصداقيّته.

رابعاً: كما إننا مستعدون لنقاش اتفاقيّة جديدة تؤكّد على وضع أوكرانيا في حالة من الحياد، وعدم الانحياز، على غرار حالة فنلندا في أثناء الحرب الباردة. وستتخلّى أوكرانيا مستقبلاً عن عضويتها إمّا في الناتو أو الاتحاد الأوروبي، بالإضافة لعضويتها في أيّ كيان تقوده روسيا كالاتحاد الجمركي الأوراسي. ويجب أن تتضمّن معاهدة من هذا النوع ضمانات لسيادة أوكرانيا وأمنها، مشابهة للمعاهدة الدوليّة التي أقرّت الحالة في بلجيكا في 1839. وسيتمّ دعم هذه الاتفاقيّة بطريقة مختلفة عن فشل أوباما في دعم مذكّرة بودابست المقرّة في عام 1994؛ وباستعمال القوّة إن لزم الأمر.

خامساً، في مقابل هذه التنازلات، تتوقّع الولايات المتحدة من روسيا أن تشارك بشكل متعاون في مؤتمر خاص بالأعضاء الدائمين في مجلس الأمن في الأمم المتحدة لإقرار نظام جديد ومسالم في شمال أفريقيا والشرق الأوسط. ويجب أن لا يقتصر محور تركيز هذا المؤتمر على سوريا، بل يجب أن يمتدّ ليشمل الدول الأخرى في المنطقة، والتي تعاني من الحروب الأهليّة أو الإرهاب، بخاصة العراق وليبيا. كما ينبغي مواجهة المسائل التي بقيت في حالة كمون لما يزيد عن قرن، منذ اتفاقيّة سايكس بيكو التي رسمت حدود الشرق الأوسط الحديث، كالبحث في إمكانيّة إقامة دولة مستقلّة للأكراد.

بهذا الاقتراح الجريء، سوف تستعيد إدارة ترامب الإمساك بزمام المبادرة، ليس فقط في العلاقات الأميركية الروسية، بل في العلاقات الدولية بعامّة. وبشكل حاسم، سوف تدفع بطموحات بوتين نحو علاقة ثنائية، كما كانت بين القوى العظمى قديماً؛ علاقة لم تعد روسيا، بكل مخزونها من النفط والسلاح، قادرة على تحقيقها. وهو الأمر الذي سيسهل استغلال مشكلة الاستقرار في الشرق الأوسط من قبل القوّتين الأوربيتين، اللتين تمتلكان أطماعاً تاريخية في المنطقة، بالإضافة إلى القوة الآسيوية – الصين - التي يزداد اعتمادها على الطاقة في الشرق الأوسط.

أما المسألة الروسية نفسها، فيمكن أن يتمّ حلّها في وقت لاحق. لكنّ ومن خلال إعادة صياغة النظام الدوليّ على أسس التعاون بدلاً من الانتهاء إلى طريق مسدود في مجلس الأمن، وبهذا ستكون الولايات المتحدة الأميركية على الأقل قد طرحت المسألة بطريقة جديدة. هل ستتعلم روسيا كيف تتعاون مع القوى العظمى الأخرى؟ أم أنها ستظل خصماً للنظام الدولي؟ ربما يكون هذا الأخير هو خيارها النهائيّ. في النهاية، فإنّ النظام الاقتصادي، الذي يفضل 100$ بدلاً من 50$ سعراً لبرميل النفط، سيستفيد، أكثر ما يستفيد، من الصراع المتصاعد في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ بل ربما سيفضّل اشتعال الصراع حول حقول النفط في الخليج الفارسي.

بالرغم من ذلك، وفي حال كان ذلك هو الهدف من الاستراتيجية الروسية، فمن الصعب أن نرى إلى أي مدى يمكن أن تتعاون كلّ من بكين وموسكو في مجلس الأمن.  فبكين تحتاج إلى استقرار في إنتاج النفط وانخفاض في أسعاره بالقدر ذاته الذي تحتاج فيه روسيا إلى نقيض ذلك تماماً. وبسبب التوتر الحالي مع الولايات المتحدة، قامت روسيا بالإذعان بينما ساعد مشروع ' حزام واحد، طريق واحد' على بسط نفوذ الاقتصاد الصيني في آسيا الوسطى، التي كانت فيما مضى نطاقاً روسيا؛ ثمة تضارب محتمل في المصالح هناك أيضاً.  في النهاية، ليس على الولايات المتحدة حلّ المسألة الروسية؛ فهذا التحدّي منوط بروسيا. لكنّ مع إعادة إرساء قاعدة كيسنجر - أنّ على الولايات المتحدة أن تكون أقرب إلى روسيا والصين أكثر من قربهما من بعضهما البعض- يمكن لإدارة ترامب أن تتخذ خطوة أوليّة مهمّة نحو تنظيف الفوضى الجيوسياسية التي خلّفها باراك أوباما.

* نيال فيرغسون

تطبيق عرب 48 الجديد متوفر الآن



تابعنا:

Instagram