ترامب يبحث عن صفقة كبرى مع بوتين

ترامب يبحث عن صفقة كبرى مع بوتين

ترجمة خاصة: عرب 48

 

لقد نظر جورج دبليو بوش في عينيّ فلاديمير بوتين، وظنّ أنّه قد رأى جوهر روحه. ولكنّه كان مخطئا. حاول باراك أوباما أنّ 'يُعيد ضبط' العلاقات مع روسيا، ولكنّ ، مع نهاية فترته الرئاسيّة كانت روسيا قد ضمّت شبه جزيرة القرم، وأشعلت الصراع في أوكرانيا، كما قامت بملء الفراغ الذي تركه أوباما في سورية. ويبدو أنّ دونالد ترامب يسعى للذهاب أبعد من ذلك بتشكيل تحالف إستراتيجي جديد مع روسيا. هل يُمكن أن ينجح؟ أم أنّه سيكون ثالث رئيس أميركي يتمكّن بوتين من التحايل عليه وخداعه؟

لا تزال تفاصيل التحالف الذي يتوخّاه ترامب غامضة وقابلة للتغيّر؛ وربما يعود ذلك جزئيا إلى عدم وجود توافق تام في الدائرة الداخليّة حوله. فعلى الرغم من أنّ سفير ترامب في الأمم المتحدة قد قدّم 'إدانة واضحة وقويّة' لـ'أفعال روسيا العدوانيّة' في أوكرانيا، إلا أنّ تقارب الرئيس مع بوتين لا يزال ساري المفعول. عندما قال أحد مذيعي 'فوكس نيوز' للسيّد ترامب هذا الأسبوع بأنّ السيّد بوتين 'قاتل'، أجاب ترامب: 'هناك الكثير من القتلة، هل تظنّ أنّ بلدنا بريء جدا؟'.

لا شكّ أنّه من غير المتوقّع على الإطلاق أن يُشير رئيس أميركي إلى أنّ بلده إجراميّة مثل روسيا، كما إنّ ذلك يُعتبر خاطئاً، وبمثابة هديّة للدعاية السياسيّة لموسكو. كما إنّ تفكير ترامب بأنّ لدى بوتين ما يُقدّمه لأميركا، هو تفكير ناجم عن إساءة تقدير للمصالح والقوّة الروسيّة، وإساءة تقدير لما يُمكن أن تُقدّمه أميركا بالمقابل.

فنّ الصفقات حين يُلائم القيصر اللص

وفقاً للأقاويل التي تتردد حول ترامب، فإنّ السيناريو المقترح مع روسيا يبدو كالتالي: ستشكّل أميركا وروسيا فريقاً لتدمير 'إرهاب الإسلام الراديكالي'؛ وتدمير تنظيم 'الدولة الإسلاميّة' (داعش) على وجه الخصوص. في الوقت ذاته، قد توافق روسيا على التخلّي عن تعاونها مع إيران، العدوّ القديم للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، والذي يُشكّل تهديدا لحلفائها، كالسعوديّة والبحرين. في أوروبا، ستتوقّف روسيا عن إثارة الصراع في أوكرانيا، وعن مضايقة أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) المجاورين لها، وربما تقبل روسيا الدخول في محادثات حول ضبط الترسانة النووية لها. على المدى الطويل، قد يساعد التحالف الوثيق مع روسيا في كبح التوسّع الصيني. لقد صرّح ستيف بانون، أبرز مستشاري السيّد ترامب، العام الماضي أنّه 'لا يملك شكوكاً' بأنّ الولايات المتحدة 'مُقبلة على حرب في بحر الصين الجنوبي في السنوات الخمس أو العشر القادمة'. إن كان ذلك صحيحاً، فإنّ أميركا بحاجة إلى حلفاء، ولا شكّ أنّ روسيا، القوة النوويّة التي لا تبعد سوى 4200 كلم عن الحدود الصينيّة، حليفٌ مفيد، أليس كذلك؟

لقد ساعدت القرصنة الروسيّة السيّد ترامب في النجاح في السباق الانتخابي، ولكنّ هذا لا يعني أنّنا يُمكن أن نثق ببوتين. فمصالح الكريملين والمصالح الأميركيّة متباعدة بشكل كبير.

في سورية، على سبيل المثال، يُثير بوتين ضجّة كبيرة في حربه ضدّ إرهابيي داعش، ولكنّه لم يقم بجهود حقيقيّة في هذا المضمار. ومن ثمّ، فقد يكون الثمن المتوقّع من عمله المشترك مع الولايات المتحدة هو تأمين حضور عسكري روسي دائم في الشرق الأوسط عبر دعم بشار الأسد، والذي تمّ الكشف، هذا الأسبوع بأنّه قد أعدم آلاف السوريين، بعد محاكمات لم تستغرق سوى دقيقتين. لا شيء من ذلك سيكون مفيداً لسورية، أو لاستقرار المنطقة. فحتى لو كان ترامب وبوتين يمتلكان هدفا مشتركا ( وهما لا يمتلكانه)، وحتى لو لم يكن الأميركيّون يمانعون بالتواطؤ مع الأعمال الروسيّة الوحشيّة ( وعليهم أن يُمانعوا)، فإنّ القوات الأميركيّة والروسيّة لا يُمكن أن تُقاتل بسهولة جنبا إلى جنب. فنظام كلا الدولتين لا يتوافق مع الأخرى. فلكي يعمل الطرفان سويّة، لا بدّ من أن يتشاركا المعلومات العسكريّة السريّة التي أنفق البنتاغون ثروة ضخمة لحمايتها. بالإضافة إلى أنّ القوّة الجويّة الروسيّة لا تمثّل إضافة كبيرة لقوّات التحالف الجويّة ضدّ داعش. كما إنّ من المستبعد أن يقبل بوتين بإرسال جنود مشاته إلى سورية.

كما إنّ من المستبعد جدّاً أن تتخلى روسيا عن إيران. فالقوات الإيرانيّة تُمثّل إضافة وتكملة مهمّة للقوّة الجويّة الروسيّة. كما إنّ إيران سوق واعد للصادرات الروسيّة. والأهم من ذلك، هو أنّ البلدين متجاوران، وقد أظهرا إشارات متكررة على قدرتهما على العمل سويّة لإدارة الشرق الأوسط، لا على رغبتهما بحرب بعضهما البعض.

إنّ فكرة أن تكون روسيا حليفة جيّدة ضدّ الصين تبدو فكرة أقلّ واقعيّة. فروسيا أضعف بكثير من الصين، باقتصاد متداعٍ، وبجيش أصغر بكثير من الجيش الصيني. لا يملك بوتين لا القوّة ولا الرغبة بخوض مواجهة مع بكين. وبالمقابل، فإنّ بوتين يُثمّن التجارة مع الصين، ويخشى من قدرتها العسكريّة، كما إنّه يحمل الكثير من القواسم المشتركة مع قادتها، على الأقل في ميله لاستفزاز جيرانه ورفضه للقيم الغربيّة في الديمقراطيّة وحقيق الإنسان. حتى لو كان من الحكمة أن تُصعّد الولايات المتحدة مواجهتها مع الصين، وهذا غير صحيح- فإنّ بوتين لن يكون مفيدا في هذه المواجهة.

أما الخطر القاتل في إساءة تقدير ترامب للموقف، فهي في أوروبا. هنا، يُمكن تصنيف رغبات بوتين في ثلاثة فئات: الفئة الأولى تضمّ الأشياء التي لا يجب أن يمنحها إلا في حال تحسّن سلوكه، كرفع العقوبات الغربيّة عن روسيا؛ وفئة الأشياء التي لا يجب أن يُمنحها تحت أيّ ظرف من الظروف، كالاعتراف بسيطرة روسيا على بعض الأراضي الأوكرانيّة؛ وفئة الأشياء التي ستقوّض أسس النظام العالمي، كتواطؤ أميركا على إضعاف حلف الناتو.

سيكون بوتين أكثر من سعيد إذا ما منحه ترامب الضوء الأخضر للتحرّك في 'الحدود القريبة' من روسيا، كأن يقوم ترامب، على سبيل المثال، بإلغاء قواعد الصواريخ الدفاعيّة في أوروبا، أو عرقلة توسّع حزب الناتو بضمّ 'مونتينيغرو/ الجبل الأسود' إلى عضويّته هذا العام، كما يُفترض. لا يبدو أنّ ترامب يُدرك مدى ضخامة هذه التنازلات. لقد قدّم ترامب إشارات متضاربة حول موقفه من حلف الناتو، فقد وصفه الشهر الماضي بأنّه 'عفا عليه الزمن'، إلا أنّه تعهّد الأسبوع الفائت بدعمه. ويبدو أنّ بعض مستشاري ترامب لا يُبالون فيما إذا تفكك الاتحاد الأوروبي، ويبدو أنّهم مثل بوتين، يؤيّدون قادة مثل ماريان لوبان، التي ترغب، أكثر ما ترغب، بتفكك الاتحاد. فالسيّد بانون، على الرغم من أنّه يقرّ بأنّ حكومة روسيا هم حفنة من اللصوص، إلا أنّه ينظر إلى بوتين على أنّه جزء من ثورة عالميّة من القوميين والتقليديين ضدّ النخبة الليبراليّة؛ ومن ثمّ فإنّ ينظر إليه باعتباره حليفا طبيعيّا لترامب.

الصراع مع السيلوفيك [ مصطلح روسي يوصف به القادة الذين ينحدرون من المؤسسة العسكريّة والأمنيّة]

إنّ السعي للوصول إلى صفقة كبرى مع بوتين هو وهم. لا يهمّ هنا إن كان ترامب مُفاوضا بارعا أم لا؛ لا توجد صفقة جيّدة هنا. في الواقع، فإنّ الخطر الذي يتمّ التعاضي عنه هو أن يكتشف ترامب بأنّه مخدوع، وأن ينتهي به الحال في صراع خطر ومضّرّ بالاستقرار مع بوتين.

أما الحلّ الأفضل من الوصول إلى صفقة كبرى أو الانتهاء بالصراع، هو العمل على أمور صغيرة لتحسين العلاقة مع روسيا. وقد يشمل ذلك العمل على التحكّم بالسلاح وتجنّب اصطدام القوات الروسيّة والأميركيّة معا بشكل عرضي. يجب أن يسعى الجمهوريون في الكونغرس، ومستشارو ترامب الأكثر حكمة، كوزير الدفاع والخارجيّة، للضغط على ترامب لإقناعه بذلك. لأنّ البديل عن ذلك سيكون كارثيا.

ملف خاص | 50 عامًا على حرب حزيران



تابعنا:

Instagram