القطعة الناقصة في قصّة فلين

القطعة الناقصة في قصّة فلين
(أ.ب.)

ترجمة خاصة: عرب 48

ربما يعتقد الرئيس ترامب بأنّ رحيل مستشاره  للأمن القومي مايكل فلين، سيُنهي الجدل حول تورّط إدارته مع روسيا، ولكنّ الكشوفات التي تُدينه لا تزال في طور التكشّف. فهذا الفشل يؤكّد على ضعف قدرة ونزاهة فريق البيت الأبيض العاجز عن حماية الأمّة.

لم يكن من المتوقّع أن تتم إقالة السيّد فلين، عقب ما كشفته 'واشنطن بوست'، يوم الاثنين، أنّ وزارة العدل قد أطلعت البيت الأبيض في كانون الثاني/يناير الماضي، على أنّ السيّد فلين قد ضلل مسؤولين كبار في البيت الأبيض حول مكالمة هاتفيّة أجراها مع السفير الروسي. فقد أخبرت وزارة العدل البيت الأبيض أنّ السيّد فلين، على خلاف مزاعمه، ناقش موضوع العقوبات الأميركيّة المفروضة على روسيا مع السفير. لقد جعل التضارب في الأقوال، بين ما صرّح به فلين في العلن، وبين ما تعرفه الاستخبارات الروسيّة ومسؤولون استخباراتيون أميركيون، جعل فلين عُرضة للابتزاز من قبل الروس. ولكن، من الواضح أنّ البيت الأبيض لم يشعر بالحاجة إلى التصرّف بخصوص هذا الخطر، طالما أنّه لا يزال سريّاً وغير معروف

واعترف البيت الأبيض، أمس الثلاثاء، بأنّ ترامب تلقّى معلومات بخصوص تحايل فلين، قبل أسبوعين، على الرغم من أنّ الرئيس صرّح الصحافيين، يوم الجمعة، بأنّه لا يعلم بوجود أي تقارير بهذا الخصوص. إنّ فلين، الشخص المتهوّر والأيديولوجي، غير مؤهّل لهذا المنصب في المقام الأوّل. وحقيقةُ أنّ ترامب قد تشبّث بمثل هذا الشخص في موضع حساس، هو في أفضل الأحوال فشل ذريع وإساءة في الحكم والتقدير. فحتى يوم الاثنين، كان فلين عضواً في الدوائر الأمنيّة، ويمتلك صلاحيات للوصول إلى الرئيس.

في نصّ استقالته، قال السيّد فلين إنّه قدّم لكبار المسؤولين 'معلومات ناقصة'، حول المكالمة الهاتفيّة. وقابل عملاء مكتب التحقيقات الفيدراليّة F.B.I السيّد فلين، عقب أيّام من تولّي ترامب للرئاسة، بهذا الخصوص، كما أوردت 'التايمز' يوم الثلاثاء. وهذا يعني أنّ فلين معرّض لمواجهة تهمة الخيانة إن كان قد كذب على مكتب التحقيقات الفيدراليّة أيضاً. وقد ذكرت التايمز في تقريرها أنّ بعض المسؤولين الأميركيين الحاليين والسابقين ذكروا أنّ أعضاء آخرين في حملة ترامب قد تواصلوا، بشكل متكرر، مع مسؤولين رفيعين في الاستخبارات الروسيّة في العام الماضي.

لقد كان السيّد فلين وسيرجي كيسلياك، السفير الروسي، على اتصال خلال الحملة الانتخابيّة لترامب وبعد أن فرض الرئيس أوباما عقوبات اقتصاديّة على روسيا في 29 كانون الأول/ديسمبر بسبب اختراقها لشبكة الحزب الديمقراطي، لصالح دونالد ترامب على الأرجح، وفقاً لتقارير استخباراتيّة ومصادر رفيعة أكّدت أنّ مكتب التحقيقات الفيدراليّة رصد حالات تواصل بين كيسلياك والسيّد فلين.

وصرّحت سالي ييتس، القائمة بأعمال وزير العدل، باعتراض مكالمة 'عالية الأهميّة'، و'غير مشروعة على الأرجح'، بموجب قانون لوغان، الذي يحظر على المواطنين غير الرسميين التدخّل في الخلافات الدبلوماسيّة مع الدول الأخرى. وعندما تمّ تسريب الحديث بين فلين وكيسلياك في 12 كانون الثاني/يناير، نفى مسؤولون في فريق ترامب أنّ يكون قد تمّ مناقشة موضوع العقوبات. وقد قدّم المتحدّث باسم البيت الأبيض، شون سبايسر، إجابة مشابهة في 13 كانون الثاني/يناير، وكذلك صرّح نائب الرئيس مايك بنس في 15 يناير. وبعد تنصيب ترامب رسميّاً، أكّد شون سبايسر مرّة أخرى في 23 يناير أنّ السيّد فلين أكّد له أنّه لم تتم مناقشة مسألة العقوبات. بعد ذلك بفترة وجيزة، أطلعت السييدة ييتس، بموافقة من جيمس كومي، مدير مكتب التحقيقات الفيدراليّة، مستشار البيت الأبيض، دونالد مكجان، على حقيقة ما حدث.

هناك الكثير من الأسئلة المعلّقة. هل صرّح أحد مسؤولي البيت الأبيض للسيّد فلين بالتواصل؟ ولماذا لم يقم ترامب بإدانته لمناقشة مسألة العقوبات مع الروس، قبل أن يتمّ تعيينه في منصبه؟

كلّ هذا يضع عبئاً كبيراً على الكونغرس للعمل. على الرغم من أنّ أعضاء كباراً من الحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ قد تعهّدوا بالتعمّق في التحقيق بخصوص تورّط روسيا في الانتخابات، فإنّ استجابة الحزب لما حدث كانت هزيلة ولا ترقى لمستوى المسؤوليّة. 'أعتقد أنّ الحالة تحلّ نفسها بنفسها'، هكذا صرّح جيسون شافيز، عضو لجنة مراقبة مجلس الشيوخ، يوم الثلاثاء، عقب ما حصل مع فلين. وكذلك كان الحال لدى ديفين نونيز، عضو لجنة الاستخبارات في الكونغرس، الذي صرّح بأنه 'يبدو أنّ لدينا الكثير من اللاشيء هنا!'. ثمّ جاء السيناتور راند بول، الذي وضع الحزب كأولويّة قبل الأمن القومي بتصريحه حول تحقيق الجمهوريين في المسألة ' إنّ هذا غير منطقيّ'.

دعونا نتذكّر أن الجمهوريّين سخروا من هيلاري كلينتون، لقرابة العامين، بسبب استخدامها لبريدها الالكتروني الخاص في مراسلاتها، وهو قرار سيّء بالطبع، على الرغم من أنّه لا يُهدد أمن الأمّة. وأجروا ثمانية تحقيقات عقيمة حول دور كلينتون في هجوم بنغازي 2012.

ولكنّ بعض الجمهوريين يحاولون اليوم أن يساعدوا السيّد ترامب على إخفاء الحقيقة برفضهم التحقيق في الاختراق الروسي وفي المحاولات الأخرى للتأثير في انتخابات 2016، كما يرفضون التحقيق في صلات ترامب بروسيا وتقاربه المقلق مع الرئيس فلاديمير بوتين.

لا توجد مهمّة طارئة الآن أكثر من أن يعين ترامب مستشاراً جديداً للأمن القومي، يكون على قدر أعلى من المسؤوليّة وفوق الشبهات. ومع أوضاع العالم المضطرب، فإنّ إدارة ترامب، التي لم يمض عليها سوى 3 أسابيع بدأت بتدمير نفسها ذاتيّاً بأزماتها، راسمةً نمطاً من الإدارة الكاذبة وغير الكفؤة، وربما ما هو أسوأ.