السلطة والسياسة والالتزام الديني في تركيا

 السلطة والسياسة والالتزام الديني في تركيا

ترجمة خاصة: عرب 48

أفضل ما يمكن أن يفعله أي شخص في واشنطن ليفهم العلاقة بين الدين والسياسة في تركيا، هو أن يبدأ بزيارةٍ لمعرض ساكلر لسميثسونيان Smithsonian’s Sackler، الذي يستضيف معرض 'فنون القرآن: كنوز من المتحف التركي للفنون الإسلامية'.

 يقدم المعرض عدداً من المصاحف القرآنية المزخرفة بتفنن، والتي جمعتها الإمبراطورية العثمانية خلال ستة قرون من حكمها للعالم الإسلامي. يعود الأول لسليمان القانوني الذي أخذه من قبر أحد حكام المغول، وهو مصحف مرصع بميداليات ذهبية وسط تنويعات ملونة من من فنون الخط. بينما تتضمن الأخرى أشكال نباتات متداخلة مرسومة على خلفية لازوردية.

ولكن خلف جمال هذه المصاحف المعروضة، يقبع في تاريخها الملهِم. ففي حين تُوصف تركيا الحديثة دائماً بكونها تمثل حالة الصراع بين العلمانيين والإسلاميين، يُظهر هذا المعرض، بغير قصد، الطرق المركبة التي تعايشت بها هاتان الأيديولوجيتان. فقد كان الدين وما زال أمراً مهماً في تركيا – كما البلاد الأخرى – حتى بالنسبة لأقصى حكوماتها علمانيةً، وما زالت السلطة مهمة حتى بالنسبة لأكثرها تديناً.

يوفر موقع سميثسونيان الإلكتروني عدداً من الخرائط التفاعلية التي تُظهر 'الرحلات الطويلة' التي أتت بالمصاحف من مختلف المدن إلى أن تمّ عرضها لأول مرة في المتحف التركي للفنون الإسلامية لتستقر هناك. يقول أمناء المتحف إنّ 'السلاطين والأميرات والوزراء العثمانيين قد حصلوا على بعض من مصاحف القرآن الكريم... من خلال شرائها أو من خلال الهدايا أو غنائم الحرب،' ثم يوضِّحون 'أنهم منحوا هذه الأعمال العظيمة للمؤسسات العامة والدينية ليعبروا عن الالتزام الديني وتأكيد السلطة وحفظ الهيبة الدينيّة'.

يُقدّم تاريخ هذه الكتب المقدّسة الموجودة حالياً في واشنطن، روايةً منصفة لكل المهتمين بمسألة العلاقة بين الالتزام الديني والسلطة في تركيا المعاصرة،. فخلال القرنين العشرين والواحد والعشرين، كما في العصور العثمانية، استمرت عملية تملُّك ونقل وعرض المصاحف القرآنية المشهورة بالتعبير عن الكثير من الأشياء، ابتداءً بالولاء للدولة والحداثة وانتهاءً بالاعتزاز القومي.

السلطان عبد الحميد الثاني

في أواخر القرن التاسع عشر، شاهد سلاطين الدولة العثمانية إمبراطوريتهم وهي تتآكل من قِبَل الثوار القوميين، كما شهدوا استيلاء الأوروبيين على أراضيهم. ولإيقاف هذه الخسائر، سعى السلطان عبد الحميد الثاني لتقوية الإمبراطورية من خلال دمج التنظيم المركزي الحديث بالتزام الديني الإسلامي. وفي الوقت نفسه الذي قامت فيه الحكومة ببناء خطوط سكك الحديد الجديدة وخطوط التلغراف التي تصل أطراف الإمبراطورية ببعضها البعض، أبرز السلطان عبد الحميد دوره كخليفة لكسب ولاء المسلمين؛ لقد كان بناء دولة قوية وتعزيز الشرعية الدينية يسير يداً بيد. فعلى سبيل المثال، بدأ السلطان عبد الحميد في بدايات القرن العشرين بتأسيس سكة حديد تصل بين إسطنبول ومكة. كان العثمانيّون يقولون إن هذا المشروع ما هو إلا وسيلة لتسهيل نقل الحجاج للحرم الشريف، ولكن – وبحسب ما كشفه لورنس العرب – كان الهدف أيضاً من سكة الحديد هو مساعدة الإمبراطورية على فرض قوتها العسكرية في المناطق النائية والمناطق المتمردة كذلك.

إذن من أين أتت تلك المصاحف؟ في عام 1908، سيطرت المجموعة العثمانية المتمردة 'تركيا الفتاة' على الإمبراطورية، وجعلت منصب السلطان مجرد واجهة، واستمرت على سياساته في بناء الدولة، ولكن مع التأكيد على القومية التركية والتحديث العلماني. قامت هذه الحكومة الجديدة بعد عدة سنوات من استيلاءها على السلطة بجمع أثمن المصاحف القرآنية في الإمبراطورية – ولا تزال تحت ملكية المساجد والقبور والمؤسسات الدينية المختلفة التي تبرع لها السلاطين بهذه المصاحف – وعرضها في متحف جديد في عاصمة الإمبراطورية.

 كان تجميع هذه المصاحف – والتي كتبت تفاصيلها في سميثسونيان – تعبيراً عن بنية الدولة العلمانية وعن الالتزام الديني العامة على حدٍّ سواء. وبأبسط تعبير، كانت الدولة تسعى للسيطرة على الرموز الدينية الهامة وسحبها من يد المؤسسات الدينية. كما تعتبر عملية تجميع الأشياء المهمة على اختلاف أنواعها في المتاحف الوطنية طريقة تمارسها أي حكومة تريد أن تصبح حديثة ومتحضرة وأوروبية. ولكن في نفس الوقت، تم تمثيل هذه الجهود كاحتفاء بالهوية الإسلامية للإمبراطورية، فعند تأسيس متحف المؤسسات الإسلامية الذي افتتح حديثاً، شهد احتفال تدشينه حضور شيخ الإسلام أورغوبلو خيري أفندي، مسؤول المؤسسة الدينية العثمانية آنذاك.

بعد هزيمة الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى، قام مصطفى كمال أتاتورك بإعادة بناء ما تبقى من الحكومة والمقاطعات باسم الجمهورية التركية. لقد أصبحت أيديولوجية أتاتورك بخصوص الدولة أكثر تركيزاً على الهوية القومية التركية وأقل تركيزاً على الدين، ولكن توجه الحكومة في عرض الفنون الدينية قد استمرّ بطرق مختلفة.

مصطفى كمال أتاتورك

فقد أصبح معرض اسطنبول للمؤسسات الدينية متحفاً للأعمال التركية والإسلامية، حيث اشتمل العنوان الجديد للمعرض على التأكيد على الهوية التركية، ولكن الإسلام ما يزال كجزء من هذه الهويّة. ومع سعي أتاتورك لجعل تركيا أكثر علمانية، أصبحت المصاحف العثمانية المزخرفة – كما يظهر في الخطاب الرسمي -  تعبيراً عن العبقرية الفنية التركية بدلاً من الالتزام الديني الإسلامي. وبالرغم من ذلك، لم تمنع هذه اللغة النظامَ الجديد وبعض أعضاءه المتدينين من المحافظة على الولاء للدور الأساسي للدين في تشكيل الهوية الجديدة للدولة. إذا نظرنا للوقت الحاضر، سنجد أن دور المصاحف العثمانية لا يزال ذا حضور مرن أكثر مما يبدو عليه الأمر. ففي شهر كانون الثاني من عام 2002، وصلت إحدى هذه المصاحف إلى واشنطن ضمن حيثيات مميزة، حيث أهدى رئيس الوزراء التركي بولنت أجاويد – المثقف اليساري والعلماني الملتزم – رئيس الولايات المتحدة جورج بوش مصحفاً صغيراً يعود للقرن السادس عشر. ولقد كانت الهدية التي جاءت بعد أحداث 11/9 إشارة واضحة من رئيس علماني لدولة مسلمة يسعى لنزع تهمة الإرهاب عن الإسلام. فبالنسبة لأجاويد، والذي ذكَّر الأميركان في سياق مختلف، أن الأتراك مسلمون 'سواءً أعجب ذلك الجميع أو لا'، والقرآن هو دليل للمعرفة وتقديس الإيمان.

من غير المفاجئ إذاً أن يقام معرض سميثسونيان اليوم بحكم وجود رئيس الحكومة الإسلامي رجب طيب أردوغان، المعرض الذي يعبر عن الإيمان من خلال التأكيد على المضمون الإسلامي القرآني المخطوط بأسلوب فني رائع. والأمر المثير هنا، هو أن المعرض فيما يبدو قد مكّن خصوم أردوغان العلمانيين من فرصة حضور الاحتفال. بالإضافة للرعاية الرسمية التي قدمتها وزارة السياحة للمعرض، هناك راعٍ آخر له وهي مجموعة دوغان، والتي تعتبر ضمن المؤسسات التركية الاستثمارية العلمانية التقليدية. ويمتلك أيدون دوغان العديد من الصحف التي وجَّهت نقداً شديداً لأردوغان في فترة معينة. وعبر سلسلة من الأحداث القانونية المدفوعة سياسياً، والتي تتباين من الاتهام بالتهرّب الضريبي بقيمة تُقدَّر بـ2.5 مليار دولار وحتى اعتقال موظف ذو رتبة عالية، أخضعت الحكومة صحيفة دوغان. فأن يقوم رجل أعمال علماني بتقديم الدعم المالي لمعرض ديني احتفالي فهذا يكشف عن مستويات النجاح التي حققها أردوغان في دمج السلطة بالالتزام الديني واستدخال خصومه السابقين في نظامه الجديد.

كانت المصاحف القرآنية – بحسب ما يتضح بعد زيارة سميثسونيان – تحضر بشكل مستمر كهدية دبلوماسية لتدعيم التحالفات السياسية والعسكرية. والمصاحف المعروضة حالياً عملت عبر السنين على بناء الروابط بين العثمانيين والصفويين والعباسيين والإسماعيليين والمغول والمماليك. وفي سياق التحديات المختلفة التي تواجه علاقات التحالف بين الولايات المتحدة وتركيا اليوم، فإنها يمكن أن تساهم في تدعيمها حالياً. إذا كان يمكن لتاريخ هذه المصاحف أن يشير إلى علاقة مركَّبة بين الإسلام والعلمانية أكثر مما هو متصوَّر في واشنطن، فربما يمكن – بطريقة ما – أن تساعد في تأدية دور ما اليوم.

ملف خاص | 50 عامًا على حرب حزيران



تابعنا:

Instagram