في كهوف الإنسان القديم... رواية القصص بالتنقيط

في كهوف الإنسان القديم... رواية القصص بالتنقيط
(pixabay)

ترجمة خاصة: عرب 48

في عام 1884، قام جورج ستيورات برسم مجموعة من النقاط على قطعة قماش بطريقة مُلفِتة، جعلت الناس يعتقدون أنهم ينظرون إلى صورة تتضمن رواد حديقة يستلقون على أطراف نهر السين في فرنسا . يُعرَفُ أسلوب الرسم هذا بالتنقيط، ويبدو أنه كان أمراً جديداً في ذاك الوقت. ولكن قبل 38,000 عام، كان سكَّان الكهوف الواقعة في جنوب غرب فرنسا يرسمون بأسلوب قريبٍ من هذا، وذلك بحسب اكتشافات نشرتها مجلة Quaternary International الشهر الماضي.

"تعبِّر مهاراتهم عن قدرات عالية في توصيف التفاصيل الدقيقة المحيطة بهم وإعادة إنتاجها بأسلوب غني بالمعاني". هكذا يصفهم فنان الشوارع البرتغالي ويلز، والذي عُرِفَ بعمله الذي نحت فيه مجموعة من الدوائر والنقاط على حائط؛ ولم يشارك هو في هذه الدراسة.

اكتُشِفت هذه التشكيلات النقطية التي تعود لعصور فجر الإنسانية مؤخراً، عندما أعاد مجموعة من العلماء زيارة كهف "Abri Cellier" والذي يقع في وادي فيزير. حيث وجدوا هناك 16 لوحاً من الأحجار الكلسية ملقاة جانباً بفعل أعمالٍ تنقيبية سابقة، وتظهر عليها صور حيوانات – من ضمنها حيوان الماموث – تشكَّلت من خلال مجموعة من النقاط المحفورة بالإضافة للخطوط المنحنية الموجودة على بعضها. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار الصور السابقة المُكتشفة في كهوف قريبة في فرنسا وإسبانيا، فإن هذه الألواح تشير إلى تشكيل مبكِّر من الرسم بالتنقيط، وفي مرحلة مبكِّرةٍ جداً من الخط الزمني التاريخي للفنون.

"تخيل فقط أول مرة أقنع فيها إنسان ما إنساناً آخر أن هذه الخط أو مجموعة الخطوط تمثِّلة صورة حيوان"، هكذا يعبِّر راندل وايت، الباحث الأنثروبولوجي في جامعة نيويورك والذي كان مسؤولاً عن عمليات التنقيب. ويضيف قائلاً "نحن نعيش اليوم ضمن ثقافة بصرية مفرطة، وندرك ونحلل في حياتنا مليون نوع من الأوهام التي نراها بمثابة الحقيقة." من المستحيل القول أن لحظة اختراع الفن كانت مجرَّد لحظة سحرية، ولكن مع هذه الألواح، بات يعتقد هو وفريقه أنهم أصبحوا أكثر قرباً من اكتشاف تلك اللحظة.

لنعد خطوة للوراء، لـ38000 عاماً لما يعرف الآن بغابات جنوب غربي فرنسا، حيث عاش الأورينياسيون Aurignacians، أوائل سكان أوروبا المعروفين، في مجتمع من الصيادين، في السهول الخضراء، حيث كانوا يلاحقون حيوان الرنة (أحد أنواع الأيل) في أغلب الأوقات، تعيش من حولهم الأحصنة وثيران الأوروخس (من الثيران القديمة) وحيوان الماموث ووحيد القرن أيضاً.

في فصول الشتاء الأكثر برودة من ما هي عليه فرنسا اليوم، عاشت مجموعة من الأورينياسيين تحت مأوى صخري، بعمق 20 قدم (حوالي 6 متر) وطول 67 قدم (حوالي 20 متر). وتعمل جلود الحيوانات المعلقة على الحفاظ على حرارة النار، أحدهم اصطاد حيوان الرنة، في حين قام آخر بعمل خرزات للزينة من العاج وأسنان الحيوانات. وكانت أجسادهم مطلية في الغالب بلون المُغرَّة الصفراء ومغطاة بجلود الحيوانات المطلية أيضاً. شخص آخر قام بتزيين السقف والحيطان والألواح برسومات الحيوانات والأعضاء الأنثوية.

يقول د. وايت: " في ظروف كظروف هذا المكان كنا سنتردد في الجلوس في زاوية لنشعل النار ونقشعر من البرد، في حين كان الأوريناسييون ينقشون ويصنعون ويلونون الحلي".

وبعد 10000 سنة، انهار السقف بطريقة لم تؤثر إطلاقاً على الأشياء الموجودة، بل حفظها بشكل جيد. وفي عام 1927 اكتشف بعض علماء الآثار هذا المكان ووضعوا بعضاً مما نقبوا عنه في المتاحف، ولكنهم تركوا خلفهم الألواح الـ16 التي يبدو أنها قُلِبَت –لأسباب مجهولة - بعد انتهاء مهتمهم. وبعد حوالي قرن من الزمان، عاد د. وايت مع فريق دولي يتألف من 21 عالم، برفقة مجموعة من الطلاب المتطوعين، ليكتشفوا تلك الألواح. وعندما اكتُشِف الجانب السفلي من الألواح ارتعد د. وايت.

لم يكن هناك رسم، ولكن يبدو أن أحدهم قام بالإمساك بحجرة صوان برأس مدبب وبحجم كف اليد ثم بدأ بعمل ثقوب على السطح، بحيث شكَّلت الثقوب صورة شكل حيوان، وفي ألواح أخرى كانت الثقوب متَّصِلة.

وفي ورقة نُشِرت في يناير/ كانون الثاني، كشف د. وايت وزملاؤه نقوشاً تشبه صورة ثور الأوروخس في كهف فرنسي آخر  في Avri Blanchard. وبإضافة هذه النتيجة إلى الأشكال المنقَّطة التي شوهدت مرسومة في المرة الأولى ثم مثقوبة على جدران كهف Chauvet، أصبحت مجموعة الباحثين على قناعة بأن الأوريناسيين كانوا يمتلكون أسلوبهم الفني الخاص، وكان نمطاً أشبه بالنقاط المتصِّلة.

يقول د. وايت أن موضوع الرسم كان شيئاً أكثر تجريداً ومعنى من مجرَّد صورة لوجبة العشاء، فقد كانت وجبة العشاء الأساسية لهم هي حيوان الرنَّة، ولكن لم تُرى أي رسمة تشير إلى حيوان الرنة. كانت الحيوانات التي يرسمون أشكالها على أجسادهم مرسومةً أيضاً على الحائط، لذلك يشير د. وايت إلى "أنهم كانوا يرسمون ما يحبون التفكير فيه، وليس ما يحبّون أكله".

لا يعتقد د. وايت أن الفنون الموجودة في هذه الكهوف هي جذور الفن الغربي، لأن الأوروبيين المحدثين لا يعودون في أصول سلالاتهم إلى سكان هذه الكهوف. فقد اقتصرت فنون هذا الكهف على صانعيها الذين لم يورِّثوا أساليبهم التنقيطية للفنانين الأوروبيين بعد عشرات آلاف السنين.

لذلك يقول د. وايت إن "جميع هذه الأشياء قد تم اختراعها، ولكنها لم تستمر. حيث يبدو أنها اختفت فحسب أو تحولت إلى شيء آخر." يبدو في الغالب أن الأوريناسيين قد طوَّروا أساليبهم بشكل مستقل، وأن الأسلوب التنقيطي الذي طبَّقه ستيوارت قد ظهر لاحقاً.

يقول ويلز في رسالة إلكترونية: "أحد أهم الأشياء التي تعلَّمتُها خلال عملي هي كيف يمتلك التاريخ طريقته الخاصة في تكرار نفسه، بالرغم من تغير الظروف الاجتماعية والمادية، وهذه الاكتشافات تدعِّم هذه الرؤية".

تطبيق عرب 48 الجديد متوفر الآن



تابعنا:

Instagram