أجندة بوتين النفعية تجاه إسرائيل

أجندة بوتين النفعية تجاه إسرائيل

ترجمة خاصة: عرب 48

في السادس من نيسان/ أبريل، أعلنت وزارة الخارجية الروسية أن موسكو قد اعترفت رسميا بالقدس الغربية كعاصمة لإسرائيل. أكدت روسيا في هذا التصريح على التزامها بمبادئ الأمم المتحدة الداعية للتوافق الإسرائيلي الفلسطيني، وقالت إنها ترى في القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية القادمة. يقول البيان إنه 'في نفس الوقت، ينبغي أن نقر ضمن هذه الظروف أننا نرى القدس الغربية بأكملها عاصمة لإسرائيل'. وبالرغم من استمرار إسرائيل في اعتبار كامل القدس كعاصمة لها، إلا أنه لم تبق أي دولة على وجود سفارة لها في المدينة. فقد نقلت جمهورية السلفادور وكوستاريكا سفارتيهما إلى تل أبيب منذ عقد من الزمان (وهما آخر دولتين تقومان بذلك). وبالرغم من هذا التصريح، إلا أنه لم يُنقل عن روسيا عزمها على نقل موقع سفارتها.

لكن بيان موسكو، والذي قال عنه المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية إن إسرائيل تقوم 'بدراسته'، يشير إلى تغير بارز. فروسيا الآن هي الدولة الوحيدة في العالم التي اعترفت بأن جزءا من القدس هو عاصمة لإسرائيل، وذلك بالرغم من وجود نقاشات خلال الشهور الماضية بين إدارة رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب حول نقل السفارة الأميركية إلى القدس.

هناك عدة أسباب يمكن أن تفسر هذه الخطوة من روسيا. فقبل كل شيء، يأتي توقيت هذا التصريح ليشتت أنظار الاستنكار الدولي عن الدعم الروسي المستمر لنظام بشار الأسد في سورية. فقد أتى البيان بعد يومين من أسوأ هجمة كيماوية نفذها بشار الأسد ضد شعبه خلال السنوات الماضية، ولكنه جاء قبل الضربات الأميركية التي نفِّذت كرد فعلٍ على الهجمة. بمعنى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ما زال يسعى إلى أجندة أوسع وتخدم مصالحه.

تفاعل بوتين الجديد مع المنطقة

عندما تسلَّم بوتين رئاسة البلاد في أيار/ مايو من عام 2000، سعى إلى زيادة دور روسيا في الشرق الأوسط بعدما هجرها الرئيس السابق بوريس يلتسين بغرض التركيز على الشؤون المحلية. كان توجه الاتحاد السوفيتي نحو الشرق الأوسط ذا طبيعة أيديولوجية، ولكن توجه بوتين براغماتي محض. فقد كان ينوي العمل مع أي أحد في المنطقة بشرط أن يتوافق مع مصالح روسيا والتي يحددها بوتين. وفي المقابل، سعى الرئيس الروسي إلى تقوية علاقاته مع إسرائيل. عمل بوتين على خلق تواز بين صراع روسيا مع الإسلاميين السنيين المتطرفين والصراع الإسرائيلي مع الإرهاب. كما سعى إلى توسيع العلاقات التجارية مع إسرائيل، فمنذ صعود بوتين في عام 2000 وحتى عام 2014، تضاعفت العلاقات التجارية الثنائية ثلاثة أضعاف، وإلى أكثر من 3 مليار دولار.

وبالإضافة إلى ذلك، يتعامل أكثر من مليون روسي مهاجر مع إسرائيل كوطن لهم ويسمونها كذلك، كما يتحدث وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عادة عن 'مواطني' روسيا في البلاد. وسيتم تطبيق اتفاقية في هذا العام حيث ستدفع فيها روسيا 83 مليون دولار كرواتب تقاعدية لمواطنين سوفييت سابقين يعيشون الآن في إسرائيل، وذلك بالرغم من أنها لا تمتلك ما يكفي من المال لتحسين المعاشات التقاعدية للتضخم لدى المواطنين الروس.

وبشكل صريح، كان بوتين يسعى إلى تقليل تأثير الولايات المتحدة على الشرق الأوسط، والعمل مع جميع من في المنطقة، سواءً أكان صديقا أو عدوا قديما. وقد أدى تطوير العلاقات مع دولة أخرى في المنطقة، والتي تعد حلفية للولايات المتحدة، إلى تعزيز تحقيق أهدافه ضمن تصوره القائم على النتائج الصفرية. وعلاوة على ذلك، سيعمل على تطوير الروابط مع إسرائيل (والأنظمة السنية) لتفنيد تهمة دعمه للشيعة.

وربما كأحد نتائج ما وصل إليه بوتين، هو أن إسرائيل (وإيران أيضاً من باب المفارقة) كانت واحدةً من القليل من الدول التي لم تنتقد ممارسات بوتين في الشيشان، في حين استنكرت معظم الدول الأخرى انتهاكات موسكو لحقوق الإنسان الذي عزز من تحول الصراع الذي بدأ ضد حركة انفصالية إلى كونه صراعا مع الإسلاميين المتطرفين. كما كانت إسرائيل من بين أوائل الدول التي عرضت المساعدة على موسكو في أيلول/ سبتمبر 2004 عندما قامت مجموعة من المسلحين الشيشانيين والإنغوشيين بالاستيلاء على مدرسة في بيسلان شمالي أوسيتيا، حيث قامت إسرائيل بترتيب رحلة علاجية لـ18 طفلا برفقة أهاليهم. وفي حين استنكرت باقي الدول الهجوم الإرهابي العنيف، استنكر العديد من داخل روسيا – خاصة أقارب الرهائن – محاولة الحكومة الروسية لعمل سطو على المكان لطرد الإرهابيين، مما أدى إلى مقتل 380 رهينة، من بينهم 186 طفلا. (وسيوظف بوتين حادثة بيسلان كتبرير على تردي الديمقراطية في روسيا).

في نيسان/ أبريل 2005، كان بوتين أول زعيم من الكرملين يقوم بزيارة إسرائيل. جاءت هذه الرحلة مع بداية التوجه الروسي نحو سياسة خارجية عنيفة أمام الثورة الملونة في جورجيا وأوكرانيا وغيرها من مناطق ما بعد الاتحاد السوفييتي وفي الشرق الأوسط، والتي لام بوتين الغرب عليها. وفي السنوات الأخيرة، استغل ما ظهر كانسحاب أميركي من الشرق الأوسط وتدهور علاقاتها مع حلفائها التقليديين، بما فيهم إسرائيل. وعلى سبيل المثال، قام بوتين في حزيران/ يونيو 2012 بزيارة إسرائيل للمرة الثانية، وذلك قبل تسعة أشهر من الزيارة الأولى للرئيس الأميركي آنذاك باراك أوباما. وقام رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، من جانبه بزيارة موسكو بشكل أكبر من زياراته لواشنطن خلال فترة حكم أوباما.

وكجزء من الانخراط الروسي في الشرق الأوسط، أخذ بوتين بالاهتمام بمسار عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية. فبعد فشل قمة كامب ديفيد الثانية في تموز/ يوليو عام 2000، بدأت موسكو بلعب دور كبير كوسيط في العملية. حيث سافر ياسر عرفات إلى موسكو في الشهر التالي والتقى بوتين، والذي قال إن روسيا مستعدة لـ'رعاية' المفاوضات في الشرق الأوسط. وقد لحق ذلك سلسلة من الزيارات والمهاتفات بين إسرائيل والزعماء الفلسطينيين خلال السنوات التالية.

كما قال بوتين في حزيران/ يونيو 2016 خلال لقائه بنتنياهو في موسكو 'إننا نتحدث عن إنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والوصول لحل له'. وكي يُقحِم نفسه في المباحثات الفلسطينية الإسرائيلية، سعى بوتين نحو تقديم نفسه كتوجه أكثر اعتدالا في حل الأزمة في مقابل الولايات المتحدة وعلى تقديم روسيا كدولة ستنجح في حلها مقابل فشل واشنطن. وبالرغم من عدم نجاح بوتين في ذلك حتى الآن، إلا أن روسيا حصلت على مكانة مهم كفاعلٍ أساسيٍّ في الأحداث الحرجة في العالم، وهو ما كان يريده.

حدود الإستراتيجية الروسية

سيكون هناك دائما حدودٌ للعلاقات الروسية الإسرائيلية. قد يبدو بوتين دبلوماسيا ضمن لعبة صفرية، ولكن زعماء إسرائيل لن يضحُّوا بالعلاقات مع واشنطن ليقوموا بإرضاء موسكو. قال نتنياهو للصحفيين في موسكو في حزيران/ ينويو 2016: 'ليس هناك بديل عن الولايات المتحدة وأنا لا أبحث عنه'، وأضاف قائلاً: 'ولكن تقوم سياستي على البحث عن شراكات جديدة مع القوى العظمى مثل الصين والهند وروسيا والدول الأخرى.' هناك شك من اعتقاد بوتين أنه يمكن أن يحل مكان الولايات المتحدة في ما يتعلق بإسرائيل، فالعلاقات الإسرائيلية الأميركية عميقة ومستمرة. كما تمتلك إسرائيل مبررات للارتياب من روسيا، فالعلاقات الحميمة بين موسكو وإيران تعتبر موضع إشكال، ولم يعمل تدخل بوتين في سورية إلا على تقوية المد الشيعي في الشرق الأوسط. كما رفضت موسكو تصنيف حزب الله أو حماس كمنظمات إرهابية. وتجاهل المسؤولون الروس، على أقل تقدير، وصول الأسلحة المتطورة من روسيا إلى يد حزب الله، كما قام الكرملين باستضافة زعماء فتح وحماس في موسكو في شهر يناير/ كانون الثاني الماضي لإجراء مباحثات حول تشكيل حكومة موحَّدة.

في 17 آذار/ مارس، قامت القوات الجوية الإسرائيلية بتوجيه عدة ضربات لسورية لوقف وصول الأسلحة المتطورة إلى حزب الله. وبالرغم  من قيام إسرائيل بتوجيه مثل هذه الضربات بشكل مستمر، إلا أن هذه الحادثة أدت لقيام وزارة الخارجية الروسية بطلب 'توضيح' من السفير الإسرائيلي غاري كورين حيال الممارسات الإسرائيلية المستقلة. ما زالت تفاصيل هذا الحادث غير واضحة، وأكَّد نتنياهو أن إسرائيل ستستمر بسياستها في وقف محاولات نقل الأسلحة المتطورة إلى حزب الله. ولكن قام لافروف بتوجيه تحذيرات في آذار/ مارس 22 في موسكو بأنه 'سيرد بالأفعال وليس بالتصريحات لمعرفة مدى التزام الجانب الإسرائيلي' بالاتفاقيات الروسية الإسرائيلية 'المتعلقة بالتعاون العسكري' في سورية. لا تهدف كل من روسيا وإسرائيل إلى تأزيم العلاقات، ولكن تعليق لافروف يعكس كيف يرى الكرملين حلفاءه كموضوعات لا شركاء.

تَدين إسرائيل في وجودها بشكل جزئي للاتحاد السوفيتي وتصويته في الأمم المتحدة قبل 70 عاما لدعم خطة تقسيم فلسطين وتشكيل الدولة اليهودية، ولكن الكرملين قطع علاقاته بسرعة معها عندما توضّح له اصطفاف إسرائيل مع المعسكر الغربي، ولم تستعد روسيا علاقاتها حتى عام 1991. لطالما كانت روابط موسكو مع إسرائيل معقدة ومتعددة الأوجه، وقد بقيت كذلك حتى اليوم. قد تمتلك روسيا أسباباً جيو إستراتيجية للاعتراف بالقدس الغربية عاصمة لإسرائيل، ولكن هذه الخطوة – وإن كانت مُستَغرَبة – تجبر موسكو قليلا، خاصة إذا ما بقيت السفارة الروسية في  تل أبيب.

مع كل سعيه للسلطة، يبقى بوتين مرنا ويهدف لترك الخيارات مفتوحة أمامه في الشرق الأوسط. إن هدفه الحقيقي غير مرتبط بإسرائيل بقدر إرتباطه بالولايات المتحدة: فالبيان ينبِّه بشكل كبير إلى ضرورة تصرُّف ترامب مع بوتين حيال الشرق الأوسط، وليس فيما يتعلق بسورية وإيران وحسب، بل فيما يخص إسرائيل أيضا. لقد جعل ترامب – كما قام سابقوه في البيت الأبيض منذ عهد دوايت أيزنهاور – من مسألة السلام في الشرق الأوسط أولوية بالنسبة لواشنطن. إن اعتراف بوتين بالقدس الغربية كعاصمة لإسرائيل يبنغي أن ينبِّه ترامب ونسيبه ومستشاره الخبير جاريد كوشنر – الذي أوكله ترامب بالعمل على اتفاقية سلام في الشرق الأوسط – أن الكرملين يخطط للعب دور أكبر في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. قد يلعب ترامب دور صانع السلام، ولكنه لن يكون الوحيد في اللعبة.

ملف خاص | 50 عامًا على حرب حزيران



تابعنا:

Instagram