جيل جيرمي كوربن: كيف خالف التوقعات بالانتخابات البريطانية؟

جيل جيرمي كوربن: كيف خالف التوقعات بالانتخابات البريطانية؟

(ترجمة خاصة: عرب ٤٨)

قبل أسبوع من انتخابات المملكة المتحدة في 8 حزيران/ يونيو، توقَّعت استطلاعات الرأي بأن يخسر حزب العمال أكثر من 56 مقعداً، بحصول محافظي رئيسة الوزراء تيريزا ماي على أغلبية ساحقة في البرلمان. في مقالتي السابقة بعنوان 'لا تلوموا كوربين' (أيار/ مايو، 2017)، حاججت بأن ضعف الفرص أمام حزب العمال لا تنبع من قيادة الحزب بل من ضعف حشد قاعدته التقليدية، خاصة فئة الشباب. وأشرت أن نسبة افتقار انتماء الشباب البريطانيين للحزب قد قفزت من 14.7% في عام 1989 إلى 41% في عام 2014. وكتبت أنه 'إذا حُسِمت الانتخابات المبكرة بتصويت من هم دون الـ 40 عاماً، فإن حزب العمال سيكون هو الفائز'، وأضفت: 'ولكن الكثير من هؤلاء الناخبين سيبقون في المنزل في يوم الانتخابات، وسيكون امتناعهم عن التصويت عاملاً حاسماً للفوز المرجَّح لماي'.

ولكن حزب العمال خالف هذه التوقعات مع قيادة جيرمي كوربين. فبدلاً من خسارة عشرات المقاعد، اكتسب حزب العمال ثلاثين مقعداً إضافياً، ومنع حزب ماي من تحصيل أغلبية في البرلمان وأجبر نقاد كوربين على سحب كلامهم. وفي مقابل نسبة مشاركة الشباب التي كانت 43% في الانتخابات العامة في عام 2015، ارتفعت نسبة مشاركتهم إلى 66% في انتخابات الأسبوع الماضي، حيث شكَّلت عنصراً أساسياً لهذه الاندفاعة لحزب العمال.

لم تمكَّن حزب العمال من الحصول على إقبال الشباب البريطاني؟ هناك ثلاثة عوامل أساسية لذلك. يتمثَّل العامل الأول في سياسات الحزب، فبالنسبة للشباب البريطاني، لم تمثِّل الانتخابات استفتاءً على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بل كانت من أجل تحقيق دولة الرفاه، فبحسب استطلاع رأي أجري بعد عملية الانتخاب، أشار 27% من الناخبين بين أعمار 18 و24 أن 'الخدمات الصحية الوطنية' كانت هي 'أكثر القضايا أهمية' في الانتخابات، بينما حصَّلت مسألة الخروج من الاتحاد الأوروبي على 15% فقط. (على عكس نتائج الفئة العمرية من 65 وأكثر، حيث فضَّل 38% منهم الخروج من الاتحاد في مقابل 13% للـ'الخدمات الصحية الوطنية'). رفض برنامج حزب العمال وبشكل صريح تخفيض النفقات التي نفَّذها المحافظون، كما تعهَّد الحزب ببناء مساكن عامة وتأميم سكك الحديد و – بشكل حاسم – تحقيق مجانية التعليم الجامعي. وقد لبَّت هذه التدابير الاشتراكية القوية سعي الناخبين الشباب لبديل عن سياسات التقشُّف، وبطريقة لم يتضمنها برنامج رئيس حزب العمال السابق إدوارد ميليباند في عام 2015.

والعامل الثاني هو موقع قيادة حزب العمال التي تقع خارج المؤسسة السياسية. فقد عانت المملكة المتحدة، كباقي الدول الديمقراطية الراسخة، من أزمة ثقة في سياسات الأحزاب، خاصة لدى فئة الشباب. وكما أشرت في الشهر الماضي، فإن 90% من ناخبي حزب العمال لا يثقون بالنخب السياسية. إن غضبهم من هذهالمؤسسة قد أضرَّ بميليباند – وهو عضو ملتزم في حزب العمال – في انتخابات عام 2015، ولكن غضبهم اليوم قد ألحق الضرر بماي في انتخابات الأسبوع الماضي وعلى نحو أكبر. فبين شهري نيسان/ أبريل وحزيران /يونيو، تراجع نسب الإعجاب بها بمقدار 11%، وذلك بعد تلاشي قشرة الشعبوية عنها وانكشاف البرنامج التقليدي لحزب المحافظين. إن وقوف كوربن المستمر في موقع حزب العمال الهامشي – والتي اعتُبِرت مرةً كدليل على عدم قدرته على قيادة الحزب – تحولت لتصبح مصدر قوة لحشد الناخبين الشباب. وقد تضاعفت نسب الإعجاب به منذ شهر نيسان/ أبريل، وصعدت من 15% إلى 42%.

وأخيراً، استفاد حزب العمال من موجة الاحتفاء من الزعماء الثقافيين. لقد صارع كوربين طويلاً للفوز بتغطية صحفية إيجابية في الصحف الأساسية في المملكة المتحدة. ومع اقتراب انتخابات الأسبوع الماضي، وجد طريقةً للمراوغة على هذه القضية من خلال الاعتماد على الفنانين والموسيقيين للترويج لبرنامجه ونشر الانتخابات. قد يكون كوربين مرتبطاً بسياسات حزب العمال القديم، ولكن حملته كانت جديدة من ناحية استخدام مواقع التواصل الاجتماعي لشحن قاعدته الشبابية. وكان نائب حزب العمال توم واتسون قد شكر وسم #Grime4Corbyn – وهو وسم الحركة الذي تزعمته مجموعة Grime MCs – لدورهم على حشد الناخبين.

لم نعد نسمع الأصوات المطالبة باستقالة كوربين، والتي تزعمها نقَّاده ورددها بعض حلفاءه بصوت منخفض. ولكن ما زالت الانقسامات العميقة في الحزب قائمة، بين الكبار والصغار، والخارجين والباقين، والأكثر أهمية بين فصيل كوربين اليساري المتطرف وبين الفصائل الأكثر وسطية.

تبدو ماي الآن كـ'امرأة ميتة متحركة' في شارع داونينغ، وذلك على حد وصف المستشار السابق لحزب المحافظين جورج أوزبورن. ولكن ضعفها لا يشكِّل ضمانة على قرب انتخابات عامة أخرى. لقد أصبح الناخبون في المملكة المتحدة معتادين على المسارات المفاجئة في الحياة السياسية، فقد عقدت البلاد انتخابات عامة لمرتين بالإضافة لاستفاء على قضية مركزية خلال الثلاث السنوات الماضية، وذلك في مقابل ثلاثة انتخابات قبل 15 سنة. إن إبطاء الإيقاع سيكون لصالح حزب العمال أيضاً، خاص مع محاولة كوربين لعمل مصالحة بين الفصائل المتنافسة في الحزب. ولكن ذلك سيشكل خطراً على تلاشي الطاقة الشبابية التي دفعت النشاط المفاجئ لحزب العمال، وسيكون التحدي الحالي لكوربين هو المحافظة عليها.

ملف خاص | 50 عامًا على حرب حزيران



تابعنا:

Instagram