إيفانكا ترامب قد تكون السيدة الأولى الأقوى على الإطلاق

إيفانكا ترامب قد تكون السيدة الأولى الأقوى على الإطلاق

ليس من الضروريّ  أن تكون السيدة الأولى للولايات المتحدة زوجة للرئيس. في الحقيقة، استخدم هذا الوصف مرتين في السابق؛ إحداهما للإشارة إلى الجميلة ذات الشعبية الواسعة هارييت لين، ابنة أخت جيمس بوكانان، الرئيس الأميركي الذي لم تدم فترة رئاسته سوى أربعة سنوات.

لقد استطاعت لين، قبيل الحرب الأهلية، تنظيم جلوس ضيوف البيت الأبيض الشماليين والجنوبيين بشكل منفصل ومتباعد حفاظاً على السلام. وصفتها مجلة هاربر بـ'سيدتنا في البيت الأبيض'؛ وعلّق الصحفي المصوّر فرانك ليزلي على صورة لين بالقول: 'السيّدة في هذه الصورة... تستحق بأن تُوصف بأنها السيدة الأولى على هذه الأرض'.

كما نعلم فإنّ إيفانكا ترامب، الابنة الكبرى لدونالد ترامب، قامت بترتيب لقاء بين الرئيس المنتخب ونائب الرئيس الأسبق آل غور؛ كما إنها تبحث مع زوجها جاريد كوشنر، حسب ما ورد، عن منزل لتسكنه في واشنطن. ويُشاع بأن إيفانكا تتطلع إلى مكان لتشغله في مكتب البيت الأبيض، ومن المنصف جداً أن أقول بأنها بهذا ليست الأولى وأنّها بالتالي لا تسلك درباً جديداً تماماً. ليس ثمة وصف وظيفي؛ كغيرها من السيدات الأولى، تستطيع إيفانكا تحديد موقعها الوظيفي بطريقة فريدة، ويبدو أنّ الكرة في ملعبها؛ مناصرة القضايا غير الحزبية، كما فعلت لورا بوش في قضية محو الأمية عند الأطفال، وميشيل أوباما في قضية التغذية؛ أو التواجد في الجناح الأيسر للبيت الأبيض كمستشار سياسي فعلي، كما كان الأمر مع هيلاري كلينتون.

لكن وخلافاً لسابقاتها، اللواتي لم يكنّ زوجات للرئيس، تبدو إيفانكا متزنة تماماً لتكون مستشارة، ومدافعة ومضيفة في آن واحد؛ وهذا الأمر الذي من شأنه أن يُحدث ثورة في طبيعة هذا الدور، وأن يجعلها السيدة الأولى الأقوى على الإطلاق.

'إيفانكا وجاريد ودون الابن، هم أكثر نفوذاً من أي عضو في مجلس الوزراء'، بحسب ما أخبرني به صديق مقرب لعائلة ترامب مؤخراً، مشيراً إلى الابنة الكبرى وزوجها وأخيها الأكبر. ونظراً لحماس إيفانكا في الحملة الانتخابية، وفهمها لأساليب واشنطن الرسمية، على نقيض لامبالاة زوجة أبيها الواضحة للعيان، فإنّ ذلك لا يجعل من حملها اللقب الإداري للسيدة الأولى  معقولاً وحسب، بل إنها على الأرجخ ستقوم بإعادة تعريف هذا المنصب، عبر توسيعه بطريقة تجعل منه غير محدد تقريباً.

عندما قابلتُ روزالين كارتر في وقت مبكر من هذا العام، تذكرتْ بوضوح الصخب والجلبة التي حصلت حول قرارها المشاركة في اجتماعات زوجها في مجلس الوزراء، على الرغم من أنها قامت بفعل ذلك دون أن تنبس ببنت شفة. بعد ذلك كان من المتوقع من السيدات الأولى إخفاء نفوذهن. في المقابل، كانت إيفانكا على طاولة الأربعاء، جنباً إلى جنب مع دون الابن والأخ إريك، عندما التقى الرئيس المنتخب كبار المديرين التنفيذيين التقنيين. ولم تحاول أن تبدد الانطباع أنها وزوجها سيصبحان كبار المستشارين، على الرغم من وصفها لدورها، في مقابلتها على برنامج 'ستون دقيقة' مع ليزلي ستال، بالقول 'سوف أكون ابنة'.  

طوال تاريخ أمتنا، وتاريخ الأسر الحاكمة غير التقليدية، لم يكن وجود رئيس متزوج للمرة الثانية، أو شخص يحتل منصب السيدة الأولى عدا زوجة الرئيس، أمراً غير مألوف كما هو عليه الحال في السنوات الأخيرة. جزئياً، لعب متوسّط العمر المتوقع، الذي كان أقصر بكثير في السابق، دوراً في هذا. كانت مارثا جيفرسون راندولف السيدة الأولى بسبب وفاة والدتها قبل ما يقارب 20 سنة من  تنصيب والدها توماس جيفرسون. وكانت روز كليفلاند السيدة الأولى لأخيها جروفر كليفلاند حتى زواجه من فرانسيس كليفلاند. في الآونة الأخيرة،  لم يكن حمل لقب السيدة الأولى أمراً مرغوباً؛ شغلت سوزان فورد، التي كانت تبلغ من العمر 17 سنة، هذا المنصب بشكل مؤقت وعلى مضض، خلال اللقاء الدبلوماسي  الأول للرئيس جيرالد فورد، بينما كانت السيدة الأولى بيتي فورد تتعافي من عملية استئصال للثدي، منعتها من الحضور.

شغلت مجموعة من بنات الرؤساء، وبنات الأخ أو الأخت، والأخوات كذلك هذا المنصب. لكن الأمر أصبح غير اعتيادي، بشكل متزايد، بأن تشغل الابنة الكبرى دوراً غير هامشي في إدارة ولاية والدها. ومنذ ما يقرب من قرن لم تحتل منصب السيدة الأولى سوى زوجة الرئيس. كانت آخر مرة حدث فيها غير ذلك في عام 1914، عندما توفيت زوجة الرئيس وودرو ويلسون بعد أقل من سنتين من توليه منصب الرئاسة، أصبحت بذلك ابنتهم، مارجريت، المضيفة في البيت الأبيض، حتى تزوج الرئيس ويلسون إديث بولينج جالت ويلسون.  وكادت إديث أن تصبح السيدة الأولى الأقوى، بل اعتبرت تقريباً رئيساً بالوكالة، بعد تعرض الرئيس لجلطة عام 1919، قبل 18 شهراً من مغادرته البيت الأبيض.

لن تمارس إيفانكا هذا القدر من النفوذ أحادي الجانب على الأرجح، ولكن نطاق مشاركتها سيكون واسعاً بشكل استثنائي.

هناك سابقة أخرى في عدم رغبة الزوجات في شغل منصب السيدة الأولى. فقد اعتمدت جاكلين كينيدي على السيدة بيرد جونسون لشغل المنصب بالنيابة عنها، لذا اعتاد فريق كينيدي على دعوة السيدة الثانية بـ' القديسة بيرد '.

كانت بيس ترومان تغادر واشنطن إلى منزلها في مدينة إنديبندنس، ميزوري، كلما أتيح لها ذلك، ولكن كزوجة للرئيس، كان لا يزال من المتوقع منها ومن كيندي على السواء،  أن يشاركا في حفلات عشاء الدولة، وفي الأعياد، والحفلات، والرحلات الخارجية. تعتبر ميلانيا ترامب، بطريقة ما وبشكل مبالغ فيه، نسخة أكثر وضوحاً لهؤلاء النساء. على الرغم من ظهور ميلانيا في بعض الأحيان خلال الحملة الانتخابية، إلّا أنها أصبحت غير مرئية تقريباً خلال الفترة الانتقالية. حتى الآن، لم تخطُ أي خطوة للانتقال للبيت الأبيض، مخططة في المقابل البقاء في برج ترامب، على الأقل، في الأشهر الأولى لفترة حكم زوجها.

ستبدأ إيفانكا حياتها في البيت الأبيض كأبرز امرأة في أثناء رئاسة والدها. وبينما أجدني غير متأكدة ما إن كانت إيفانكا ستبقى مسرورة بأداء دور المضيفة، فإنني متأكدة من أنّها متحمّسة لأداء دور مبعوثة الرئيس ترامب إلى ولايات أميركا الزرقاء المتشككة 'الولايات التي يسيطر عليها الديمقراطيون'. فقد رتّبت إيفانكا بالفعل لقاءات بين والدها وآل غور وبينه وبين ليوناردو ديكابريو، وهما أبرز الناشطين في قضايا البيئة. لقد كان صوتها واضحاً وقويّاً في أثناء الحملة النتخابيّة، كما إنّها كانت حاضرة دوماً كممثّلة للعلامة التجاريّة لترامب، بجانب والدها.

لقد تدرّبت إيفانكا بالفعل على الاتصالات واللقاءات بين ترامب وبين رؤساء الدول، بمن فيهم رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي، والرئيس الأرجنتيني ماوريسيو ماكري، وهو ما يُشير إلى ثقة أبيها في مهاراتها الدبلوماسيّة، ولكنّه أيضاً يطرح أسئلة حول إحتمال حدوث صراع في المصالح بين دورها كعضو في الأسرة الأولى في أميركا وبين دورها السابق في منظّمة ترامب، والتي تمتلك علاقات تجاريّة مع كلتا الدولتين .       

مما يؤكّد أنّ إيفانكا قد حضّرت نفسها لتصبح مستشارة سياسيّة بلا تردد أو تحفّظ، أنّها قد فهمت جيّداً نصيحة السيّدة بيرد لبناتها والتي تقول: 'لا تفعلن أيّ شيء لا تمانعنّ في رؤيته على الصفحة الأولى من الجريدة'. لقد قضت إيفانكا حياتها وفقاً لهذه الحكمة، ومن الواضح أنّها كانت مستعدّة للبيت الأبيت بطريقة لم تكن متحققة في بنات الرؤساء السابقين، بمن فيهم لوسي وليندا بيرد جونسون، تريشيا وجولي نيكسون، وجينا وباربرا بوش. لقد كانت تظهر دائماً رابطة الجأش، هادئة ومستجمعة لنفسها. صحيحٌ أنّه ليس أمراً نادراً أن يقدّم أولاء الرئيس خطابات انتخابيّة ( فقد كانت ليندون جونسون تثمّن خطابات ابنتها دائماً)، ولكنّ من النادر أن تحجب ابنة الرئيس حضور زوجته. فخلال الحملة الانتخابيّة لم تقدّم ميلانيا سوى خطابين، بما في ذلك الخطاب المحرج لها في المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري، والتي ظهرت فيه كما لو أنّها تنتحل خطاب ميشيل أوباما أمام المؤتمر الوطني للحزب الديمقراطي في 2008. على العكس من ذلك، كانت إيفانكا دائمة الحضور، تسافر عبر البلاد إلى أماكن لا يُتوقّع عادة بأن تكون محطّات انتخابيّة لفتاة براقة من نيويورك، متجنّبة الوقوع في المزالق والحماقات، ولذا بات يُنظر إليها من قبل المراقبين السياسيين باعتبارها إضافة مهمّة لمشروع والدها السياسي.

لقد اضطرت مجموعة من بنات الرؤساء، اللواتي اخترن الخوض في السياسة، تقديم تضحيات كبيرة. فعندما اندلعت الاحتجاجات ضدّ حرب فييتنام في ربيع 1970، حذّر رئيس الجهاز السّري جولي نيكسون من الذهاب إلى حفل تخرجها من كليّة سميث. فقد كانت جولي أحد أشرس المدافعين عن والدها، وقد كتبت رسالة مؤلمة إلى مستشار أبيها، جون إرليتشمان، ' إنني أخشى بصدق من اليوم الكارثيّ الذي سيحلّ'. لكي تتمكّن من تدبّر السلطة التي ستحوزها، تحتاج إيفانكا إلى أن تمتلك ذات المرونة. ففي أثناء الحملة الانتخابيّة، قامت إيفانكا بعمل غير حكيم إذ قطعت مقابلة تلفزيونيّة مع براشي غوبتا، قائلة بأنّ أسئلة المقدّم حول التعارض بين تصريحاتها حول رعاية الأطفال وبين تصريحات سابقة لأبيها، 'تحمل الكثير من السلبيّة'. ومثل هذا الجواب لا يمكن أن يكون مقبولاً للإعلام من شخص يمتلك مثل هذا النفوذ في الجناح الغربي من البيت الأبيض.

ان انتقلت إيفانكا للعيش في واشنطن، فإنّها ستفهم لماذا اعتبرت الكثير من السيدات الأولى بأنّ البيض الأبيض قيد على حياتهن، بدءاً ببيس ترومان (التي أطلقت عليه 'السجن الأبيض العظيم') إلى ميشيل أوباما، التي قالت مازحة بأنّ البيت الأبيض يشبه 'سجناً لطيفاً'. ولكن يبدو أنّ إيفانا مستمتعة بهذا الموقف وتريد المكوث في واشنطن بالفعل. عندما حاول الصحفيون مقابلة ترومان، ردّت عليهم قائلة: ' إنكم لستم بحاجة إلى معرفتي. إنني مجرّد زوجة الرئيس وأمّ ابنته'.

في مقابلة أجرتها الواشنطن بوست مع في إبريل مع دونالد ترامب، المرشّح آنذاك، وصف ترامب تردد ميلانيا بالقول : 'لقد سألتني :'إننا نعيش حياة رائعة. لماذا تريد أن تفعل هذا؟ وقد أجبتها بـ:'إنني أشعر بأنني ملزم بذلك. عليّ أن أفعل ذلك حقّاً''. لا تشارك إيفانكا زوجة والدها هذا التردد. فهي أقرب إلى حالة أليس روزفلت، ابنة الرئيس ثيودور روزفلت الأولى، والتي وصفت نفسها بأنّها شعرت بـ'النشوة' عندما أصبح أبوها الرئيس السادس والعشرين للبلاد (بعد أن تولّى الرئاسة خلفاً للرئيس وليام ماكينلي الذي تمّ اغتياله). ربما ينبغي علينا أن نصفّق للمرأة التي تريد أن تضع علامتها الخاصّة على هذا الدور، الذي لا يزال يتطوّر.

كما توقّع الكثيرون بأنّ بيل كلينتون سيُعيد تعريف دور السيّدة الأولى، فإنّ إيفانكا قد تفرض إعادة اعتبار ما يعنيه أن تكون المرأة السيّدة الأولى، ومن ينبغي أن يشغل هذا المنصب فعلاً. إنني أعتقد بأنّ السيدة الأولى يجب أن تكون هي من ترغب بذلك، ومن تعرف المسؤوليّة الجسيمة –والفرص- التي تأتي مع هذا اللقب القديم، لا أن تكون المرأة التي ورثت هذا اللقب مصادفة.

*كيت أندرسون : مؤلّفة كتاب 'السيدات الأولى: نعمة وقوّة السيدات الأولى في أميركا الحديثة' وكتاب 'المسكن: داخل العالم الخاصّ للبيت الأبيض'