بشارة والحكم الذاتي: الثقافة الديمقراطية



  تنشر هذه الدراسة بالتزامن مع مجلة جدل العدد ٣٠ الصادرة عن 'مدى الكرمل'.

الثقافة الديموقراطية:مشروعٌ سياسي مُكمِّل لدولة المواطنين المتساوين والحكم الذاتي الثقافي للفلسطينيين في إسرائيل[1].


مدخل

تسعى هذه المداخلة إلى رسم الملامِح العامة لطُروحات الدكتور عزمي بشارة، المفكر العربي البارز، حول قضية الحُكم الذاتي الثقافي للفلسطينيين في إسرائيل، من خلال تبيّن النقاط التي ما زالت بحاجة إلى تطوير في الفكر والعمل السياسي المرتبطين بهذه القضية. تحديداً، تدّعي هذه المداخلة أنّ التكامل[1]  الذي يَصوغه ويُسّوغه بشارة نظرياً، ما بين فكرة دولة المواطنين المتساوين وفكرة الحكم الذاتي الثقافي في حالة الفلسطينيين في إسرائيل، لا ينفي عن علاقة التكامل هذه، البُعد التنازعي والخلافي عنها، ولا يُنهي التوتر البُنيوي بين التوجّه الليبرالي كما ينعكس في فكرة دولة المواطنين المتساوين (أو كما دُرج على تسميتها بـ 'دولة كل مواطنيها') وبين التوجه الجَمعانّي Communitarian كما ينعكس في فكرة الحكم الذاتي الثقافي.

هذا البُعد التنازعي، الذي قد يراهُ بشارة مطروحاً وموجوداً، لكن دُون أنّ يتعاطَى مع إشكالياته وانعكساتِه،  يبدو واضحاً وفارقاً عندما يتم، أولاً، فكُّ اختزال مفهوم الحقوق الجماعية بفكرة الحكم الذاتي الثقافي، وتوسيعه ليشمل حقوقاً جماعية أخرى قد تتكامل وقد تتنافس مع فكرة الحكم الذاتي في أولويتها بالنسبة للفرد أو المجموعة. ثانياً ولاحقاً، يبدو البعد التنازعي جلياً أكثر عندما يتم اختبار مفهوم الحقوق الجماعية، ومن ضمنها فكرة الحكم الذاتي الثقافي في إطار العلاقة مع الدولة المركزية، التي من المفترض أن تمارس الحقوق الجماعية من خلال مؤسساتها ومنظوماتها، ومنها الحكم الذاتي الثقافي.

إنّ اختبار هذه العلاقة، نظرياً، في هذه المرحلة، يتطلب التبصر في إمكانية تغلُّب أنماط ثقافية أو جهات سياسية لا تقبل قيم وإجراءات الديموقراطية، سواء كان ذلك على مستوى الحكم الذاتي الثقافي، أو مستوى الدولة والحكم المركزي أو كلاهما سويةً. السؤال هنا، ليس عن أي 'حكم ذاتي' نتحدث من حيث الحقوق الجماعية والصلاحيات التي تمارس من خلاله، بل عن أي ثقافة (بمعناها التعددي العام) سياسية ومجتمعية من المفترض أن ينظمها ويعكسها وحتى أن يربي لها هذا 'الحكم الذاتي'؟

من هنا، نؤكد على أهمية رفد فكرتين كان قد طرحهما بشارة (دولة المواطنين والحكم الذاتي الثقافي) بفكرة 'الثقافة الديموقراطية'. وفي هذا، أدعي أن بناء ثقافة ديموقراطية هو مشروع سياسي ينتظر من يحمله ويترجمه بجدية. مهمة البناء هذه مثلها مثل فكرتي دولة المواطنين المتساوين والحكم الذاتي الثقافي، والتي تستدعي أهميتها وراهنيتها في حل الدولتين، كما هو الأمر في حل الدولة الواحدة. وفي الحلّين، نحن مطالبون بالتمسك بدولة المواطنين المتساويين، بالحكم الذاتي الثقافي على أشكاله المختلفة على الأقل، للمجموعتين الفلسطينية واليهودية، وبالثقافة الديموقراطية التي من شأنها ترسيخ القيم والقواعد التي ستمكن المجموعتين من العيش والتشارك بسلام وحرية ومساواة وعدل بينهما وفي داخلهما.

أمّا قبلّ

من نافل القول إنّ أي اشتباك أو تعالقٍ مع أفكار وكتابات د. عزمي بشارة حول أيّ موضوع، هو تجربة في التبصر والتبيّن، بقدر ما هو تحدٍ لتوليد أفكار ومفاهيم جديدة لما تحويه لغته من طاقةٍ إيحائية ومساحات للاستكشاف، تتيحُ الانزياح عن معاني بشارة الأصلية ومفرداته الأولى. وقد تكون فكرة الحكم الذاتي الثقافي مثالاً جيداً لبيداغوجيا الكتابة، التي يتبناها بشارة عادةً في ترك مساحة كافية للقارئ، للتفكر في نصّه وللانطلاق منه نحو مفازاتٍ جديدةٍ في الفكر والعمل السياسيين. وهذا لأن بشارة في تناوله لفكرة الحكم الذاتي الثقافي يعتمد الإشارةَ، لا التوضيحَ الصّرف، مخصصاً لعرض الفكرة عادةً بضع صفحات لا أكثر[2].

وفي ذلك، يصر بشارة على ألا يقدم 'نموذجاً مسهباً' للفكرة، مكتفيا 'بعرض الاختيار المبدئي'[3]. هذه الإستراتيجية التي تعتمد على التعمق في المبادئ على حساب التفصيل في النماذج، يعبر عنها بشارة صراحة حين يصف نفسه في سياق الحديث عن فكرة الحكم الذاتي الثقافي بأنه 'ليس ممن يؤمنون بتطوير نماذج نظرية جاهزة ومتكاملة، ومحاولة فرضها على الواقع المركّب. فلا بد من تطوير الخيار بالتدريج، وستقترحه بالتفصيل القوى والنخب التي ستطالب به. ولا ضرورة لاقتراح نموذج مفصّل سلفاً، إلا من باب التمارين النظرية'[4] ، وأعتقد أنه بهذا، وبعد قرابة عقدين ونصف من الزمن، أنه يدحرج الكرة إلى ملعبنا كقراء وباحثين ونشطاء وسياسيين لتقديم معالجات مُمحِّصة ونماذج عينية لفكرة الحكم الذاتي الثقافي.

هنا، لا بّد من المحاججه، في أن تقديم نموذج مفصل يتجاوز مجرد عرض الفكرة المبدئية هو ليس من 'باب التمارين النظرية'، بل من بابين أولهما ضرورة رفّد الحراك السياسي والمجتمعي بين فلسطينيي الداخل بالأمل والدافعية، بواسطة تصورات مفصلة تترجم المبادئ المجردة إلى نماذج يمكن معايشتها على الأرض، وبين الناس كأحلام كبيرة لكنها واضحة، وكمشاريع قومية لكنها محددة (ومن ضمن ذلك تقديم تصورات واضحة ومفصلة حول إجراء انتخابات مباشرة للجنة المتابعة العليا، إقامة اتحادات ونقابات مهنية، وإنشاء مدينة، غابة، متحف، جامعة، صندوق قومي، مهرجان للسينما أو للمسرح، ألخ). ثانيهما هو باب مكافحة 'الأسرلة الناعمة' الحاضرة بقوة في المناخ السياسي الراهن بين الفلسطينيين في إسرائيل، والذي كثيراً ما تغلُبُ عليه ممارسات الانتهازية والوصولية السياسية وهوّس الظُهور الاعلامي لمجرد الظهور. في هذا المناخ، من السّهل تشويه الفكرة أو امتطاؤها من أجل تجييرها لصالح مشاريع سياسية تكرس 'القبـول بوضـع نصـف مـواطن مـن ناحيـة، ونصـف جماعـة مـن ناحيـة أخرى'[5].

هذا ومن المفيد بهذا الصدد، التذكير بما ادعاه بشارة نفسه حول أن فكرة الحكـم الـذاتي للعـرب في إسرائيل لم تطرح بدايـة مـن قِبـل مثقفـين عـرب، كمـا يعتقـد البعض، وإنمــا مــن قِبـل المؤسســة الأكاديميــة الإسـرائيلية الحقوقيــة، كما تجلى ذلك في معالجة كلـــود كلايـــن في العام 1977. هذه الفكرة طرحت طبعا بمعزل عن نقاش يهودية الدولة وطبيعتها الاستعمارية -الاستيطانية وعمليا كبديل للمساواة ودولة المواطنين.

وعليه فإنه من الأهمية بمكان، توضيح أن فكرة الحكم الذاتي الثقافي في سياق الفلسطينيين في إسرائيل طوّرت في أربعة اتجاهات مختلفة ومتقاطعة، على الأقل. الاتجاه الأول، قام به عالم الاجتماع سامي سموحة الذي وبحسبه، ثمة إمكانية لمنح العرب إدارة ذاتية غير مناطقية ( بدون بعد جغرافي) لقضاياهم الثقافية، بما لا يتناقض مع يهودية الدولة، وذلك ضمن نموذجه الذي يدعوه 'ديمقراطيــــة إثنيــــة'[6].

هنا، أشير أيضا إلى المقترح الذي قدمه مؤخرا، كارلو شطرنجر وجاد يديد، وبحسبه، فإنّه بالإمكان تقسيم إسرائيل إلى 12 منطقة حكم ذاتي، منها منطقتان للعرب في الجليل والنقب. وهو يندرج ضمن محاولات حل تناقضات الهويات (الدينية والعلمانية والقومية) في إسرائيل، ضمن ما يُسمى بالفسيفساء الإثنية - الثقافية في إسرائيل بدون النظر في طبيعة السلطة السياسية المركزية.

هذا التوجه، هو عملياً بديلٌ لفكرة المساواة الجوهرية في دولة المواطنين، من حيث اعتبـاره الإدارة الذاتيـة للأقليـــة القوميـــة والديمقراطيـــة الليبراليـــة أمرين منفصـــلين، لا مكملين. بشارة من ناحيته انتقد تنظير سموحة لهذا الطرح المنفصم، وبحسبه، هو محاولةٌ لتكريس الواقع لا لتغييره وتجاوزه. وهو، أي بشارة، في هذا النقد يُقدم، مع سعيد زيداني وآخرين، اتجاهاً مختلفاً يطرح فيه تصوراً توفيقياً ما بين فكرة الإدارة الذاتيـة وفكرة دولة المواطنين، بالاعتماد على وضع مبدأ المساواة الجوهرية أساساً واحداً ومشتركاً للفكرتين. هنا تجدر الإشارة إلى أن زيداني لا يستثني البعد الجغرافي للإدارة الذاتية، فيما يركز بشارة على البعدين السياسي والثقافي لها. التوجه الثالث طورته المُنّظرة السياسية آيريس ماريون يونغ، في معالجتها لحق تقرير المصير. يونغ بدلاً من تأسيس مفهوم تقرير المصير على تصوره أنّه 'عدم تدخّل'، Non-interference،  تقترح صياغة  مفهوم تقرير المصير على أنّه 'عدم سيطرة' Non-domination.[7]

نموذج تقرير المصير كعدم تدخل، يعني، في الأساس، عدم تدخّل الغرباء من خارج الدولة في قرارات وإجراءات المؤسّسات الحاكمة فيها، بالنسبة لما يجري داخل مناطق سيادتها وحدود سلطتها القضائية .

لذلك، تقترح يونغ نموذجاً آخر لتقرير المصير يعتمد على تجنّب السيطرة والسعي لتحقيق التعاون والسلام بين الكيانات السياسية من خلال إقامة مؤسسات وإنشاء آليات تتيح التفاوض والتحكيم المستمرّين والمنهجييّن حول العلاقات والنزاعات المحتملة بين هذه الكيانات. تحديداً، تقترح يونغ تحقيق تقرير المصير، كعدم السيطرة من خلال بناء فيدرالية ثنائية القومية لوحدات حكم ذاتي للفلسطينيين ولليهود الإسرائيليين على حد سواء، بحيث تمارس كل وحدة أو مجموعة من الوحدات استقلاليتها، ضمن ضوابط العلاقات مع باقي الوحدات.

هذا التوجه الذي يٌوسع مفهوم الحكم الذاتي ليصبح المبدأ الذي بالإمكان من خلاله تأسيس نظام سياسي مشترك لليهود والفلسطينيين في فلسطين التاريخية.

أما التوجه الرابع فهو ما قدمناه (مع زميلي د. يوسف جبارين) في جهدنا البحثي لتأصيل فكرة الحكم الذاتي الثقافي، ومعالجتها عينياً في إطار التعليم العربي. هذا التوجه هو تطبيقي وما يميّزه هو الاعتماد على مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالأقليات الإثنية والأصلانية، التي تم التوافق عليها والتنظير لها بشكل واسع منذ بدايات التسعينات. تحديداً، يربط هذا التوجه فكرة الحكم الذاتي الثقافي مع مبدأ المساواة الجوهرية بواسطة الاشتباك مع مفاهيم الحرية الثقافية، وخاصة الحق بالهوية والحق بالتعليم.

هذا التوجه ينعكس بوضوح، في وثيقة الأهداف البديلة للتربية والتعليم للفلسطينيين في إسرائيل والتي تمت بلورتها وصياغتها، بالاعتماد على نقاشات وسجالات مجتمعية وثقافية حولها دامت أكثر من سنة، من خلال عمل المجلس التربوي العربي، وهو مُبادرة أهلية ضمن 'لجنة متابعة قضايا التعليم العربي'. هذا وتؤكد وثيقة الأهداف الآنفة الذكر أنه 'لا بد من تطوير جهاز تربية وتعليم عربي ـ فلسطيني مستقل ثقافيا، ذي خصوصيّة قوميّة تدعمه الدولة، وتكفل له الموارد اللازمة لتحقيق فرادته اللغوية واستقلاليّته التنظيميّة'.

وتضمنت الأهـداف 'تأصيـل الانتمـاء لهويّة وطنيّـة عربية فلسـطينية، معتزّة بمنجزهـا الحضارّي، ومتواصلـة بفاعليّة مع عمقها العربّي والإسـلامّي والإنسـاني. وتتأسـس هذه الهويّـة على تعزيز اللًحمـة بين أبناء الشـعب الفلسـطيني الواحد، على قاعـدة التعددية والتنّوع، وتعزيـز الذاكـرة الجمعيّـة والروايـة التاريخيّـة الفلسـطينيّة، والتأكيد على الحقـوق التاريخيـة والسياسـية للشـعب الفلسـطينّي، واحـترام التعدديّة الثقافيّـة والدينيّـة والمجتمعيّـة الداخليّـة للمجتمع الفلسـطيني'.

هذه الإطالة حول المجلس التربوي العربي، هي للتدليل على أهمية ترجمة المبادئ إلى نماذج والافكار المجردة إلى تصورات تطبيقية، وذلك عبر العمل الجمعي الذي يتضافر فيه السياسي بالثقافي. 

ما يجدر ذكره في هذا السياق، هو أن بشارة قدم اقتراحا ثورياً في حينه لتعديل قانون التعليم الرسمي في إسرائيل في الكنيست الرابعة عشرة، وهو إقامة 'تعليم عربي رسمي'، يؤكد فيه على عروبة التعليم العربي، ويقترح آليات محددة لتطويره استقلاليته في وضع السياسات واتخاذ القرارات ضمن وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية، بشكل يشابه إلى حد ما استقلالية التعليم الديني الرسمي اليهودي[2] [8].

هذا، وقامت القائمة المشتركة بشكل جماعي باسم كل الاحزاب المكونة للقائمة، بتقديم الاقتراح نفسه في العام 2015 في الدورة العشرين للكنسيت[9]. ونلفت النظر إلى ضرورة العمل مجدداً على هذا المقترح لتطويره، وعدم الاكتفاء بما أنجزه بشارة في منتصف التسعينات. تحديدا... المطلوب هو حتلنة الأهداف المذكورة في هذا المقترح، بما يتسق مع أهداف التعليم العربي العشرة التي طورها المجلس التربوي، حيث يقتصر مقترح بشارة على هدف واحد هو 'تأسيس التعليم العربي في الدولة على القيم المتنورة في الموروث العربي، إنجازات العلم، محبة الوطن، قيم الديموقراطية، الولاء لقوانين الدولة، المساواة بين الجنسين وبين الشعوب، والتطلع لمجتمع يقوم على الحرية والمساواة والتسامح والمساعدة المتبادلة وحب الانسان'. ولا مجال للشك بأن أهداف المجلس التربوي، وهي نتاج جهد جماعي لتربويين وأكاديميين فلسطينيين تبدو أكثر تأكيدا علي الهوية الفلسطينية وأعمق اشتباكاً مع تحديات التعليم العربي الراهنة من النص الذي اقترحه بشارة، وذلك بفعل المسافة الزمنية بين النصين والتغيرات التي طرأت على جهاز التربية والتعليم الفاعل بين أظهر الفلسطينيين في إسرائيل.

كذلك الأمر المطلوب، هو أيضا النظر في المبنى المطلوب لجهاز التربية والتعليم العربي وعلاقته بوزارة التربية والتعليم، حيث يُرسِّم مقترح بشارة حدود استقلالية التعليم العربي، بكثير من أوجه الشبه مع الاستقلالية الممنوحة للتعليم الديني الرسمي اليهودي، وقد يكون هذا سقفا منخفضاً نوعاً ما، قياساً بما يمكن اجتراحه من تصورات تطبيقية بالاعتماد على فكرة الحكم الذاتي الثقافي.

أمّا بَعد

أودّ هنا المحاجّجة أنني مع مقاربة بشارة، التي تفترض أن فكره دولة المواطنين المتساويين وفكره الحكم الذاتي الثقافي تتكاملان، لكنهما في زعمي أيضا، في علاقة توتر وتجاذب. بكلمات أخرى، الفكرتان حقا غير منفصلتين كما يدعي بشارة، لكنها أيضا في علاقة جدلية وتناقض في جوهرهما.

للتوضيح وبكثير من التبسيط، منذ أوائل الثمانينات، تشهد الساحة الفكرية العالمية سجالاً حول عمومية وشمولية السياسات الليبرالية وأخلاقياتها. في هذا السجال، وضعت دراسات ما بعد الاستعمار والنوع الاجتماعي (الجندر) والمُقاربات الجمعانية Communitarian تحديات نظرية، لا يتسع المجال للخوض فيها هنا، أمام قدرة الدولة الديموقراطية الليبرالية على أنها تعتمد سياسات كلية ومعايير إنسانية جامعة  لا تتعلق بالسياق الاجتماعي والتجربة التاريخية والهوية الثقافية للمجموعات الإثنية والثقافية واللغوية والدينية ضمن هذه الدول.  تحديداً، تُعارض هذه المقاربات فكرة أولوية وَموضوعية  أية مبادئ للسياسة وللتفكير من شأنها أن تكون مبادئ إنسانية عامة ومتجردة من المصالح والسياق الذي تطورت من خلاله، مثل حقوق الانسان والحريات العامة. كما تنفي هذه المقاربات، بشكل عام، أسبقية هذه المبادئ وقدرتها على أن تتسامي فوق أخلاقيات أي مجموعة، منتقدةً فرضّ القوانين والأطر الحقوقية المجترحة منها على أي ترتيبات أو تفاهمات أو معتقدات أخرى، مجتمعية كانت أم دينية .

في هذا السجال، على الطرف الأول يقف الّليبراليون، وفي جُعبتهم موروث حركة التنوير الأوروبية ، لينافحوا عن وجود أخلاقيات إنسانية كُلّية، مردُّها التفكير العقلاني والموضوعي، وغايتها حماية الفرد وحقوقه وحرياته، وإقامة نظام سياسي بِرسم هذه الأخلاقيات، يقوم على حيادية قيّم وأيدلوجية الدولة تجاه المواطنين، ويعتمد على فكرة العدل بوصفه إنصافا ومبدأ المساواة  بين الأفراد. في الطرف الثاني، يقف الجمعانيون وفي جُعبتهم تفسيرات معاصرة لارسطو وهيغل  ليُنافحوا عن ضرورة الاعتراف بحق المجموعات والمجتمعات بإدارة حياتها حسب القيم والموروثان الخاصة بها . هنا، حقوق المجموعات مقدمة إلى حد كبير على حقوق الافراد. الثقافة والموروث والدين هي أطر تمتلك الفرد بقدر ما يمتلكها، وينتمي إليها بقدر ما يُتبِعها هو إلى منظومته الفكرية أو الأخلاقية أو الإيمانية. بهذا المعنى، الثقافة ليست خياراً أو حقاً ليبرالياً فحسب، بل أيضاً وأولاً هي إطارٌ ناظمٌ للانتماء للجماعة.

من هنا، يمكن اعتبار دولة المواطنين المتساوين تعبيراً عن الموقف الليبرالي التقليدي، وفكرة الحكم الذاتي تعبيراً عن الموقف الجمعاني، وكلاهما مرة أخرى، يندرجان ضمن تيار التفكير الليبرالي، ويكملان أحدهما الآخر في تصور الديمقراطيــــة الليبراليــــة. لكنهما أيضاً في توتر دائم، والذي يمكن إدارته أو تخفيف حدّته، ولكن لا يمكن القضاء عليه بشكل نهائي في أي تصور لدولة ديموقراطية ليبرالية.

هذا التوتر يبدو جلياً عندما نُفكر، مثلاً، في قضية حقوق الخروج Exit Rights للأفراد والمجموعات ضمن النموذج الذي يقترحه بشارة. ماذا سيكون الموقف من مجموعة ضمن المجموعة الفلسطينية - وقد تكون مجموعة دينية أو سياسية -  إذا قررت أن تتنظم و'تخرج' من نِطاق الحكم الذاتي الثقافي المخصص للمجموعة الفلسطينية[3] ؟ ما هي حقوقها؟ هل بإمكانها الاستمرار كمجموعة أمام مؤسسات الدولة وأن تطالب بحقوقٍ جماعيةٍ ؟ ما هو الموقف من فردٍ فلسطيني ولأي سببٍ كان، لا يريد أن ينضوي تحت أنظمة الحكم الذاتي الثقافي ويطلب حقوقه الثقافية مباشرةً من الدولة؟ ماذا سيحدث لو سيطرت مجموعة غير ليبرالية أو غير ديموقراطية في ممارساتها وفكرها على الحكم الذاتي الثقافي، وسَعت لتجييره لصالح مصالحها وقيمها؟ هل بإمكان الأفراد أو المجموعات إذا شعروا بالضرر أو التهديد، طلبَ حماية الدولة المركزية، وما هي حدود تدخل الدولة في ذلك؟   كلها أسئلة بلا أجوبةٍ شافيةٍ، تؤكد من ناحية تلازُم فكرة دولة المواطنين المتساوين وفكرة الحكم الذاتي، ولكن أيضا تبيّن التوتر بينهما، وتعكس الحاجة إلى وضع تصورات لما ينبغي عليه أن تكون العلاقة بينهما، لا  كي ينتهي التوتر بينهما، بل من أجل إدارته بشكل ناجع .

في مثل هذه التصورات، من المهم الانتباه لقضية مهمة، وهي ضرورة أن لا يتم اختزال الحقوق الجماعية، ومن المُفيد التذكير هنا، أننا نتحدث عن حزمة من الحقوق، ومن ضمنها، مثلا، الاستثناءات، التمثيل النسبي، وغير ذلك. للتدليل، فكّروا معي بقضية السلع الثقافية الفلسطينية (قد تكون نبتةً او لباساً أو أغنية) . للتبسيط أكثر، فكّروا في نبتة 'الزعتر' في دولة كل المواطنين، وفي ظل حكم ذاتي ثقافي، هل سيُسمح للجميع بقطفه وإنتاجه وتسويقه وتطوير منتجات طبية منه؟ أم أنه سيكون سلعة ثقافية خاصة؟ ستجدون أن الإجابة تستدعي التفكير في طيف واسع من الاستثناءات والامتيازات والمطالب الرمزية، مما من شأنه أن يُعقّد مسألة العلاقة بين فكرة دولة المواطنين المتساوين، وفكرة الحكم الذاتي الثقافي.

فكّروا معي أيضا في إمكانية أن تحدد مجموعة سياسية أو دينية الطابع الثقافي للحكم الذاتي، مضمونها وحدودها، وأن تحاول فرض قيم وسرديات وهويات معينة، قد لا ترتضيها المجموعات الاخرى داخل المجموعات الفلسطينية.  كيف سيُدار الاختلاف الثقافي داخلياً؟ ما هي حدود تدخل الحكم المركزي في هذه الإدارة[4] ؟

التوتر في هذه العلاقة يكتسب حدة كبيرة، خصوصا في سياقات الأقليّات القوميّة الأصلانية التي تطالب بنظم الاستقلالية الثقافيّة. في هذه السياقات، بالإمكان الجزم أنه ما من أقلية قومية تعتبر تأسيس استقلالية ثقافية، مهما بلغت أهميّتها،  بديلاً كاملاً عن الحق في تقرير المصير. لذلك، يرى بشارة[10]، في فكرة الاستقلالية الثقافيّة  تنازلاً 'وهي تسوية تاريخية تجُرى مع أبناء البلد، السكان الأصليين، مواطني الدولة'، بقدر ما هي مطلب سياسي. الأهم هنا، هو أنه ما من أقلية تعتبر هذه الاستقلالية تعويضاً عن مطالبها بالسيطرة على الأرض والموارد، لذلك، كثيراً ما تتضمن مطالب الحكم الذاتي الثقافي مطالب تتعلق بالارتباط بالمكان وبموارده.

 لذلك من المهم تطوير فكرة الاستقلالية الثقافية، لتتضمن تعاطياً أوضح مع قضايا الأرض ومواردها.  في حين يرى بشارة الحكم الذاتي، سياسة لا تعتمد على البعد الجغرافي والمناطقي، وفي حين يرى زيداني، أنه يجب عدم استثناء هذا البعد، أرى هنا أنه بالإمكان تطوير نموذج وسطي، لا يستثني البعد الجغرافي، لكنه لا يراه مرتبطاً بجغرافيا معينة أو منطقة محددة. وبكلمات أخرى، حكم ذاتي ثقافي مرتبط بقضايا الأرض والمسكن والموارد الطبيعية، لكن بدون أن يكون محدداً داخل حدود معينه. للتدليل على أهمية ربط الحكم الذاتي بقضايا الأرض، بالإمكان النظر إلى دور لجان التنظيم والبناء التي تعمل في مجال التخطيط والتطوير العمراني، وتخصيص الأراضي للأغراض العامة والخاصة وترخيص البيوت[5] . هذا العمل له تأثير مباشر على الثقافة والتعليم وحفظ الذاكرة وطبيعة الحيز العام الفلسطيني. من هنا، لا مناص من ضفر فكرة الحكم الذاتي بأفكار جديدة تتيح الارتباط بقضايا الأرض ومواردها.

خلاصة

اهتم بشارة في معالجته لفكرة الحكم الذاتي الثقافي بالمعنى السياسي للفكرة دون أن يُغفل معناها الثقافي. تحديداً، بالنسبة لبشارة، الحكم الذاتي الثقافي هو أداة لمواجهة خيارين ثقافيين إشكاليين:

١. تهميش ثقافي للمجتمع العربي عبر اندماج فردي على هامش المجتمع الإسرائيلي؛

 ٢. ردة فعل تجاه التهميش البادي في الإدبار والانغلاق الثقافي، في صيغة الأصولية. علينا اقتراح البديل الثالث، وهو البديل السياسي الثقافي القائم على الإيمان بالقيم والمساواة والحرية والعدل الاجتماعي والتعاون اليهودي – العربي، القائم على المساواة والاحترام المتبادل” [11].

 لكن رغم هذه الإشارة المهمة لعلاقة الحكم الذاتي بالخيارات الثقافية أمام الفلسطينيين في إسرائيل، لا يتوسع بشارة كثيرا بالمعني الثقافي للمشروع، ولا يشتبك مع قدرة المجال الثقافي على صوغ المجال السياسي والتأثير فيه، الأمر الذي ينشئ محوراً جديدة لتطوير فكرة الحكم الذاتي حول دور الثقافة الديموقراطية في تدبير العلاقة بين المجموعتين الفلسطينية واليهودية وفي تصميم المجال العمومي الفلسطيني الداخلي.

من أجل هذا الغرض، أودُّ الاتكاء على التمييز الذي تقيمه الباحثة شانتال موف (Chantal Mouffe) بين مفهوم 'السياسة' وبين الصفة، أي 'السياسي'، حيث المُراد بـ'السياسي' هو البُعد التعارضي أو التنازعي للحياة الاجتماعية -السياسية-، في حين تُشير 'السياسة' إلى جُملة الممارسات والمؤسسات  التي تنشئ نظاما بعينه يضبط التعايش بين الناس، في إطار التنازع الذي ينتج عن 'السياسي'[12].

هنا، أدعي أن بشارة يطرح فكرة الاستقلالية الثقافية كـ'سياسة' من المفروض أن ترتب وتضبط وتعيد تشكيل الحقل 'السياسي' القائم على التخاصم، وفي أبعاد أخرى، على التعادي، بين الحركة الصهيونية وبين المشروع الوطني الفلسطيني، حول قضية الحق بتقرير المصير في فلسطين التاريخية. بهذا، يضبط  التنظير لهذه الفكرة  جزءا من التنازع  ولا يتعاطى إلا  ضمناً  مع القضية الأساس، وهي حق تقرير المصير للفلسطينيين. السؤال هنا، هل الحكم الذاتي الثقافي القائم على المساواة الجوهرية، في دولة جميع مواطنيها، يقدم حلاً لقضية الحق بتقرير المصير، أم أننا بحاجة لإعادة النظر أيضا بمفهوم حق تقرير المصير من ناحية مضمونه وإحداثياته. الأهم من ذلك، كيف سيمكننا من إدارة اختلاف لا يقبل الزوال ولا يقبل الفض فيما يتعلق بطبيعة الحركة الصهيونية كحركة استعمارية واستيطانية؟  كيف سيكون بالإمكان التوصل إلى 'إجماع نزاعي'[13] مع المجموعة اليهودية في فلسطين التاريخية. وأعني ب'إجماع نزاعي'، الاتفاق على مجموعة من القيم السياسية والأخلاقية كالحرية والعدل والمساواة مع حفظ حق الاختلاف في تأويلها، اتفاقٌ من شأنه أن يتيح عيشاً مشتركاً بين الشعبين بسلامٍ وتعاونٍ متبادل وأن يُمكّن الشعب الفلسطيني من اشتمال التعددية السياسية والدينية والمذهبية والجهوية ضمن مبادئ الديموقراطية والحريات العامة.

لبناء هذا الإجماع النزاعي، بين المجموعتين الفلسطينية واليهودية وداخل كل مجموعة منهما، لا بد من بناء ثقافة سياسية ديموقراطية تقوم على سيادة القانون، تداول السلطة واحترام تعددية المصالح والحق بالتعبير عن الهويات الجماعية في المجال العمومي بشكل منظم، آلخ.  بناء هذه الثقافة هو مشروع سياسي يستدعي خطاباً يختلف عن خطاب الحقوق الثقافية لدى الشعوب الأصلانية الواردة في مواثيق وإعلانات القانون الدولي المختلفة، ذلك أن هذا الخطاب على أهميته في الدفاع عن حقوق الفلسطينيين وتثبيت حقوقهم فيه اعتراف بانتصار المُستعمِر وبغَلَبته النهائية، وفيه تماهٍ مع ديمومة علاقات القوة بين المستعمِر والمستعمَر. الخطاب المطلوب لبناء ثقافة ديموقراطية مشتركة هو مشروع سياسي مفتوح يسعى للاشتباك الدائم مع إيديولوجيا الحركة الصهيونية وممارساتها، دون التنازل عن التواصل مع المجموعة اليهودية. لكن، الأهم، على الأقل في هذه المرحلة، هو بناء ثقافة ديموقراطية داخل المجموعة الفلسطينية.

أؤكد هنا على أهمية وضع تصورات نظرية وعملية لفكرة الثقافة الديموقراطية، ليس من باب اعتبارها شأنا تربوياً للوعظ والإصلاح، بل من باب اعتبارها مشروعاً سياسياً لإعادة صوغ الحقل السياسي الفلسطيني المتفكك.  أيضاً، أهمية الثقافة الديموقراطية تكمن بقدرتها على تنظيم التنازع ضمنها ما بين فكرة دولة المواطنين المتساوين وفكرة الحكم الذاتي، حيث أن التوتر بينهما عضوي ودائم، وبحاجة لقيم وآليات لإدارته.  بهذا الصدد، أدعي أن الثقافة الديموقراطية التي تسعى لخلق مواطنين ديموقراطيين وليس فقط مواطني المجموعة (فلسطينيين) أو مواطني الدولة (مهما كان أسمها) هي الكفيلةُ بإنتاجِ تكامل بحدة توتر منخفضة بين الحكم الذاتي الثقافي والدولة المركزية، سواء في حل الدولة أو الدولتين. وقد يكون الأهم من كل ذلك هو أن الثقافة هي العامل الأهم في الحفاظ على ما يمكن تسميته بـ'حيوية الوطنية الفلسطينية'، من أجل تطويرها وبقائها هوية جامعة للشعب الفلسطيني، وعياً يُوْرَث ويُوَّرث، وإطاراً ناظماً للثوابت الفلسطينية وضابطاً للعمل السياسي، يشدُّ لِجامه عندما يُهرول ويُرخيه عندما يتصّلبُ في مَوقفه.

 د. أيمن اغبارية هو أستاذ القيادة والسياسات التربوية ورئيس برنامج اللقب الثاني في دراسات التربية والمجتمع والثقافة في جامعة حيفا.


[1]جانب من نص هذه المقالة، قدم كمداخلة في اليوم الدراسي الذي عقده التجمع الوطني الديمقراطي يوم ١.٤.٢٠١٧ في مدينة الناصرة، بمرور عشر سنوات على خروج د. عزمي بشارة للمنفى القسري.

[2] انظر مثلا بشارة ، عزمي. (١٩٩٢ ).الأقلية الفلسطينية في إسرائيل: مشروع رؤية جديدة. مجلة الدراسات الفلسطينية. ٣ (١١): ١- ٣٠.    ؛

[3]  المصدر السابق صفحة 25.

[4] نفس المصدر صفحة 26

[5]  /9

[6] أنظر: סמוחה, סמי (1999). אוטונומיה לערבים בישראל? בית-ברל: המרכז לחקר החברה הערבית בישראל؛ סמוחה, סמי (2005). אוטונומיה תרבותית לערבים במדינה יהודית ודמוקרטית. בתוך: יצחק רייטר )עורך(, דילמות ביחסי יהודים-ערבים בישראל (עמ’ 108-97). ירושלים: שוקן.

[7] أنظر:Young, I. M. (2005). Self-determination as non-domination: Ideals applied to Palestine/Israel. Ethnicities, 5(2), 139-159.

[8] أنظر הצעת חוק חינוך ממלכתי (תיקון - חינוך ערבי), התשס”ג-2002. للتوضيح  والتنويه، هذا الاقتراح قدم في الكنيست الخامسة عشرة ، لكن  نص الاقتراح ذكر ان الاقتراح قدم من قبل بشارة  بنفس النص في الكنيست الرابعة عشرة : “הצעות חוק זהות הונחו על שולחן הכנסת הארבע-עשרה ומספרן פ/1666 ו-פ/2453”. 

[9] הצעת חוק חינוך ממלכתי (תיקון – חינוך ערבי), התשע”ה–2015 .   פ/1461/20

[10] بشارة، عزمي.1992  (مصدر سابق) ص 25

[11] المصدر السابق، ص 26

[12] للمزيد حول هذا التمييز بين السياسة والسياسي أنظر Mouffe, C. (2005). On the political. Psychology Press

[13] للمزيد أنظر معالجة طه عبد الرحمن في الفصل الثالث لافكار شانتل موف حول التنازع وادارة الختلاف في كتابه “روح الدين” الصادر بطبعته الثانية عام ٢٠١٢ عن المركز الثقافي العربي - بيروت.


تعليقات Facebook