جذور ضاربة في الأرض رغم المنفى القسري



محطات كثيرة يتذكرها المهندس سليمان فحماوي الذي جمعته بالدكتور عزمي بشارة، إلا أن أبرزها كانت انطلاقة حزب التجمع في أم الفحم في منتصف تسعينيات القرن الماضي، حيث كان واقفا إلى جانب بشارة الذي همس بإذنه 'أتوجس أن نكون لوحدنا بانطلاقة الحزب، أين الناس؟'، تساءل بشارة يومها، وكانت إجابة المهندس فحماوي: 'لا عليك، أنت لست لوحدك، فأنت تؤسس لمرحلة جديدة وتطلق مشروعا سياسيا ووطنيا ستحتضنه الجماهير'.

مرت دقائق معدودة حتى غصت القاعة بالجماهير التي قدمت لتسطر مرحلة جديدة ومواقف حرة ونهجا جديدا في التعامل والعلاقة ما بين الداخل الفلسطيني والمؤسسة الإسرائيلية، وقال فحماوي: 'بدا الدكتور عزمي مفعما بالحيوية والنشاط، لحظات من نشوة الانتصار عاشها بتحقيق المشروع ووضع الحجر الأساس لمشروع سياسي وطني وقومي لفلسطينيي الـ48، بمرحلة شهدت تقلبات وتسويات أوسلو، حيث ظن الغالبية العظمى انتهاء الصراع'.

المهندس فحماوي، من الرعيل الأول للقيادات الجماهيرية والشعبية بالتجمع، ومن مؤسسي لجنة الدفاع عن حقوق المهجرين واللجان الشعبية للدفاع عن الأرض والمسكن والمؤسس للحراك الشعبي والسياسي لاستعادة أراضي الروحة، ساهم بتجربته إلى جانب الدكتور بشارة في تعميق الوعي الوطني وشحذ الهمم وتحشيد الجماهير لنصرة قضاياها، وقال: 'لقد التقينا مع الدكتور بشارة في ميادين العمل الوطني وخدمة شعبنا وقضاياه وتعزيز الانتماء للهوية الفلسطينية والعروبة والمشاعر القومية لمواجهة مظاهر الأسرلة التي تكشفت بعد أوسلو'. 

نشرة "المنار" الناطقة باسم التجمع، حديث التأسيس، ١٩٩٦

وأضاف أن 'الإبعاد القسري لبشارة عن شعبه ومجتمعه لم يوقف أثره، فبصماته راسخة ومتجذرة، كونه أسس لمشروع هوية قومية ومواطنة كاملة، فقد كان دائما رأس الحربة دفاعا عن الحقوق والوجود، وكان في مقدمة الدفاع عن أراضي الروحة حتى استرجاعها'.

الجديد والتجديد

وقال فحماوي إن 'ما ميز الدكتور عزمي بشارة أنه كان يتواجد ميدانيا في خيمة الاعتصام وقبالة قوات الشرطة، وبرلمانيا طرح القضية على المسؤولين وأثار قضية الأرض من خلال منبر الكنيست وقبالة وزراء الحكومة ورافق اللجان الشعبية، وخصص لها جلسات لتصعيد النضال، والاستشارة كذلك قي كيفية مواجهة المؤسسة الإسرائيلية حتى تحقق الإنجاز بتاريخ 23.3.2005 بالتوقيع على اتفاقية تقضي باسترجاع أراضي الروحة الممتدة على مساحة 11 ألف دونم أعيدت لخمس سلطات محلية عربية في المثلث الشمالي'.

وأكد أن 'تميز بشارة من خلال الجديد والتجديد بالفكر السياسي والنضال الجماهيري والشعبي، أهتم بالتواجد بين الناس، وعاش قضايا مجتمعه وشعبه وأسس لمرحلة جديدة بالعمل البرلماني أولا من خلال تعزيزه لثقافة العمل العربي الوحدوي جماهيريا وبرلمانيا، وهذا حفز على استقطاب جماهير واسعة وأعداد كبيرة من القيادات المحلية والكوادر من مختلف الشرائح والفئات العمرية ليس للتجمع فحسب بل للمشروع السياسي الذي طرحه قبالة مشروع 'يهودية الدولة'. لم يكن مشروع الهوية الوطنية الذي ذوته بشارة مجرد مقولة أو شعار، فالدكتور بشارة الذي كان من مؤسسي جمعية الدفاع عن حقوق المهجرين وجمعية الثقافة العربية دفع نحو الاهتمام بالثوابت الفلسطينية لدى النشء والمجتمع بمواجهة مخططات الأسرلة وحالة الارتهان لأوسلو، فالرحلات إلى الجذور التي سيرتها جمعية الثقافة العربية إلى القرى المهجرة لتضاف لمشروع مسيرة العودة كانت ترجمة حقيقية للمشروع الوطني والقومي بالداخل. وتحقيق حلم العودة إلى أم الزينات في الكرمل أراده أبناء هذا الشعب ولم يتنازل عنه، فالمرحوم محمد علي فحماوي كانت وصيته أن يدفن في ثرى مسقط رأسه بأم الزينات حيث وصلت الجنازة، إلا أن الشرطة تصدت لنا، وقمت بالاتصال بالدكتور بشارة الذي وصل للمكان خلال فترة قصيرة، وتصدى معنا للشرطة وقوات الجيش التي أعلنت عن أم الزينات منطقة عسكرية مغلقة ومنعتنا من إتمام مراسم الدفن، عندها قال بشارة، هذا الرجل هُجّر مرتين بحياته وعند مماته'.

فحماوي الذي يفتقد على الصعيد الشخصي بشارة يجزم أن بصمات بشارة ما زالت حاضرة وراسخة، وأن فكره وطرحه ما زال حاضرا رغم مرور 10 سنوات على المنفى القسري، وهو على قناعة أن بشارة سيعود لوطنه ولشعبه، لكنه يعتقد أن هذا الغياب ترك فراغا فكريا وقياديا بالداخل وحتى على مستوى العمل والتمثيل العربي بالكنيست، إذ تميز بشارة بالندية والحضور القوي، بالمشاريع والمحاججة بمواجهة السياسة الإسرائيلية وحتى التأثير على الرأي العام الإسرائيلي.

الفكر القومي والتيارات الإسلامية

عضو سكرتارية لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، عبد الحكيم مفيد، من التيار الإسلامي، ربطته علاقة شخصية وصداقة بالدكتور بشارة، ما زال يتابع مقالاته ودراسته ومقابلاته الصحافية، جمعته ببشارة حالة انسجام سياسي وفكري بقضايا الداخل الفلسطيني وأيضا بالحالة الإسرائيلية.

وقال مفيد إنه 'بطبيعة الحال كان لبشارة عطاء سياسيا وفكريا بالداخل وعلى مستوى الشعب الفلسطيني، واليوم على المستوى الحالة العربية والإسلامية، فهو انشغل بالسياق القومي وتميز سياسيا بهذا المجال بالداخل الفلسطيني، طرح قضايا فكرية أثارت أحيانا عواصف وضجيج إعجاب وخلاف، بحسب كل جمهور ومتلقي رسالته الفكرية، لكن حتى بدون إرادتنا كثيرا هي القضايا التي تجمعنا ونلتقي بها بذات المنطق، فهي القضايا الوطنية والثوابت الفلسطينية والحالة الفلسطينية بالداخل وأسلوب الفكر والعمل، كلها محاور جمعتنا وإن اختلفنا سياسيا، إلا أننا نتفق على المبادئ، وهذا هو الثابت والتفكير أحيانا بشكل متشابه'.

وأضاف مفيد: 'لسنا من نفس المشارب، الدكتور بشارة يحمل الفكر القومي الوطني الذي تطور وكان له الدور والمساهمة بذلك، ولعل الأهم وضع بشارة الفكر القومي بالحالة الإسلامية، لكنه وضع سياقات وإطارا لنقاش مختلف حول الحالة الإسلامية والتيارات الإسلامية قد لا تتفق معه في بعض الاستنتاجات، لكن دون شك له مساهمة فكرية ما زالت في هذا النقاش الإسلامي والقومي. لعل هذا ما ميزه بالعمل السياسي بالداخل الفلسطيني، إذ جمعتني به علاقة وعمل وشراكة من خلال التيار الوطني والقومي والتيار الإسلامي، وكان نموذجا للنجاح. في العمل السياسي وبالجانب الفكري دائما كانت نقاشات واختلافات بالآراء، لكن دائما بحثنا عن المشترك، عزمي كان يبحث بعمق حتى في صغائر الأمور ودائما كان يسأل ويستفسر، فهو يجيد الإصغاء والاستماع للآخر ودائما يستعين بالاستشارة قبيل اتخاذ قرارات خاصة إذا ما كانت حاسمة'.

وخلص مفيد بالقول إنه 'للأمانة والتاريخ كثيرا هي الأفكار والمشاريع التي طرحها وابتكرها بشارة، ولعل أبرزها حل دولة المواطنين، وهوية قومية ومواطنة كاملة، والحكم الذاتي الثقافي لفلسطينيي 48، وتأسيس جمعيات المجتمع المدني، وبالحالة الوطنية والحضارية كانت مساهمة للتجمع وعزمي بشارة بإعادة بناء المؤسسات الوطنية ولجنة المتابعة العليا، فعزمي منح الناس ما لهم وما عليهم، وله مساهمته الفكرية في إثراء النقاش حول الهوية الوطنية لفلسطينيي 48، ورغم بصماته إلا إننا نفتقده بيننا'.

أصدقاء الدراسة رفاق بالسياسة

على مقاعد الدراسة بالجامعات الألمانية تعرف ابن باقة الغربية، الدكتور وليد قعدان، على عزمي بشارة، فعلى الرغم من الاختلاف بينهما بمواضيع الدراسة، حيث كانت واجهة قعدان الطب والصحة وبشارة الفلسفة والسياسة.

وقال د. وليد قعدان: 'ليس الفكر والطرح السياسي والمشروع الوطني هو فقط ما جمعني ببشارة، فالعلاقة الشخصية الوطيدة هي ما جمعتني به، عرفته كإنسان قبل السياسة والحزب، كنا كأخوة ولمست لديه الجانب الإنساني وتواضعه وحبه لشعبه ومجتمعه، حيث عشق حياة التواضع والبسطاء، وعلى مقاعد الدراسة وفي الغربة تعلمت منه الشجاعة والجرأة والحفاظ على الذات، ودائما كان يمد يد العون للصديق وللناس بشكل عام، فكان الداعم والمساند'.

ومثلما يرى قعدان بشارة من المنظور الشخصي مميزا بعلاقاته الاجتماعية والصداقة، هكذا يراه أيضا كسياسي ومفكر عربي، إذ يعتقد أن 'بشارة ظاهرة فريدة من نوعها بالتاريخ المعاصر على الساحة السياسية الفلسطينية والعربية، وهذا ما مكنه أن يحظى باحترام الخصوم حتى قبل المؤيدين والأصدقاء'.

ولا يزال د. قعدان يتوق لفكر وطرح عزمي بشارة، ولا يفوّت الفرصة لسماعه أو لقراءة أبحاثه ومقالاته، وأكد أنه 'حتى اليوم نتابع إبداعه وإنتاجه الفكري بشغف، فليس في كل يوم تجد مفكرا مثل عزمي يفهم ويعي المرحلة ولديه نظرة مستقبلية'.

وأعرب د. قعدان عن اعتقاده بأن 'المؤسسة الإسرائيلية ما عادت تحتمل طرح وفكر بشارة، لم تستطع أن تستوعب أو تتحمل قدراته الفكرية وطرحه السياسي، حيث فشلت بالحوار معه وعجزت عن مواجهة فكره، واختارت التضييق عليه وملاحقته سياسيا لسنوات طويلة حتى فرضت عليه الإبعاد القسري، لكن ما يثير الإعجاب، أن عزمي وصل لموقعه الطبيعي وهو العالم العربي، وما عاد يقتصر طرحه وفكره على الداخل الفلسطيني بل تحول لظاهرة عالمية'.

اقرأ/ي أيضًا | زيارات الأقارب بسورية: حلم حققه بشارة لآلاف الفلسطينيين








تعليقات Facebook