عزمي بشارة المتمسك دوما بالحرية والقيم الإنسانية



الصديق الدكتور عزمي بشارة إنسان مميز، فقد عرفته لعقود منذ كنا على مقاعد الدراسة الجامعية مناضلا طلابيا معروفا، وقد أصبح بعد عودته من الدراسة قائدا وطنيا فذا صاحب إرادة حديدية اجترح مشروعا وطنيا وأسس وقاد حركة وطنية كان لها الأثر الأكبر في الخطاب السياسي للعرب الفلسطينيين داخل الخط الأخضر. وهو مفكر أصيل منتج للأفكار في مسائل فلسفية أساسية مثل نظرية الدولة وفلسفة الدين وفلسفة الحرية، وأخرى فكرية مثل العلمانية والمجتمع المدني، وفي ما يشغل الوطن العربي وقضاياه الأساسية. وهو يتمتع بكاريزما حقيقية وبحضور قوي أينما حلّ وبالقدرة المميزة على أيصال فكره للجمهور العام. ونتيجة لكل ذلك تمتع عزمي بشارة بشعبية واسعة وسط الفلسطينيين  داخل الخط الأخضر خلال تمثيله البرلماني لم يحظ بمثلها أي شخصية داخل الخط الأخضر من قبله، كما أصبح من أهم الشخصيات المؤثرة على الرأي العام العربي.

ولكونه يجمع بين كل هذه الصفات، لم يحدث في تاريخ العرب الفلسطينيين داخل الخط الأخضر أن تعرض قائد وطني من بين صفوفهم للتحريض المنهجي والمنظم من قبل المؤسسة الإسرائيلية وأجهزتها المختلفة ووسائل اعلامها ولمحاولات قتل الشخصية، لفترة طويلة تقترب من عقدين، مثلما تعرض له عزمي بشارة. ولم يحدث أن لوحق مثقف ونائب عربي في البرلمان من داخل الخط الأخضر قضائيا وقدم للمحاكم بهدف تجريمه أمنيا مثلما لوحق بشارة. ولأنه جمع بين الفكر والنضال وتميّز بين أقرانه السياسيين انخرط جزء منهم في التحريض عليه إلى حد التواطؤ تزامنا مع تحريض المؤسسة الإسرائيلية.

 اشتهر بشارة عربيا منذ أن كان في فلسطين كمناضل ومحلل ينتظر الناس ظهروه الإعلامي، كما عرفت كتبه المجتمع المدني، والعرب في إسرائيل رؤية من الداخل، ومن يهودية الدولة حتى شارون، وهو في فلسطين.  ولكن بعد خروجه إلى المنفى بعد توجيه تهم له 'بالتعاون مع العدو في زمن الحرب'، ازدادت شهرته خصوصا منذ اندلاع الثورات العربية التي وقف إلى جانبها ودافع عنها. فكسب عداء الأجهزة الأمنية للأنظمة الحاكمة المستبدة وأتباعها إلى جانب المؤسسة الإسرائيلية وأتباعها. والحقيقة أنه إذا جمع مفكر عربي عداء أجهزة الأنظمة العربية الرجعية والمستبدة وإسرائيل ومرتزقتهم سوية، فهذا شرف عظيم لم يتح لكثيرين قبله. وهو الذي كان بإمكانه أن يطل على الفضاء العام من برجه العاجي كما يفعل مثقفون كثيرون أقل منه إنتاجا وإبداعا. ولكن اختار كما قال مؤخرا أن لا يكون محايدا أخلاقيا.

وللسبب ذاته فشلت كل حملات التحريض والافتراءات والدسائس في المس باسمه أو بمصداقيته إذ ظل يحظى دوما باحترام شعبه وأمته.      

أحسن الدكتور عزمي بشارة صنعا عندما استجاب لطلب صقر أبو فخر إجراء حوار شامل معه. وقد ألح عليه العديد من الأصدقاء، ومن ضمنهم كاتب هذه السطور أن يكتب نوعا من السيرة الذاتية. وقد اسفر هذا الحوار المطول عن سيرة فكرية وسياسية فعلا، تصلح مدخلا لمن يريد أن يقرأ كتبه الفكرية الكبيرة، أو يريد أن يأخذ فكرة عامة دون الولوج في هذا العالم. إذا يجيب بشارة في الكتاب على الكثير من الأسئلة. إنه كتاب مهم للغاية يحمل عنوان 'في نفي المنفى حوار مع عزمي بشارة'، وصدر في آذار/مارس الماضي عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، وجاء في 367 صفحة.

وتنبع أهمية هذا الكتاب من تناوله عصارة تجربة بشارة الغزيرة والمتشعبة بصياغته ورؤيته للواقع بعين ثاقبة ومساهمته المعرفية وانتاجه ونشاطه في مختلف الميادين الفكرية والنضالية والبحثية والسياسية، ويحدد في إجاباته مواقفه بالنسبة للكثير جدا من الأسئلة التي طرحت. ومما لا شك فيه أن الكتاب يشكل مرجعا مهما للقضايا الأساسية التي تهم وتشغل فكر الانسان في الوطن العربي عموما وفي فلسطين خصوصا.

ولعل الخيط الرابط والخط الجامع والأرضية التي ينطلق بشارة منها في فكره ومواقفه كما يظهر جليا في فصول الكتاب تمسكه الثابت بالأخلاق وبالقيم الإنسانية العليا مثل الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، وفي تبنيه الديمقراطية الاجتماعية واللبرالية السياسية والدفاع عن نظام الحكم الديمقراطي الذي يفتح الباب واسعا للشعوب العربية للتقدم والتطور وتحقيق حقها في تقرير مصيرها وتحقيق شكل من أشكال الاتحاد العربي.

والحرية بالنسبة لبشارة هي قيمة وضرورة وجودية ومفتاح التقدم والتطور. ومن غير الممكن تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية من دون الحرية. وبنفس قوة تمسكه بالحرية، التي يعتبرها ايضا مسؤولية، يناهض، كما يظهر في فصول الكتاب، نقيض الحرية أي: العبودية والاستبداد والطغيان، حيث يبين في فصول الكتاب أن أنظمة الاستبداد لا يمكنها تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية، بل هي تخلق نقيض ذلك تماما وتقود في نهاية المطاف إلى افساد الدولة وإضعافها وتخريبها.

ويشمل الكتاب الذي يتميز بإسلوبه الشيق وببساطة العبارة مع الحفاظ على عمق المضمون، مقدمة صقر أبو فخر للكتاب وفصول: العروبة وفلسطين واليسار؛ سورية الجرح الراعف؛ العرب في الداخل والتجربة البرلمانية؛ واليسار وأطروحاته؛ النهضة والعلمانية واللبرالية والبعث والناصرية؛ فلسطين وياسر عرفات والسلام المستحيل؛ حزب الله وسورية والعنف؛ الثورات العربية والمسألة العربية؛ التشيع السياسي والإسلاميون الجدد؛ الديمقراطية والإسلام السياسي؛ الماركسية والعلمانية وفصل الدين عن العلم؛ تجربة الكنيست والخروج من فلسطين؛ والعودة إلى ترشيحا.

وكما هو واضح من عناوين فصول الكتاب، فإنه يعالج جملة كبيرة من المواضيع المهمة التي ليس بالإمكان تلخيصها في عرض قصير للكتاب، مع تأكيدي أن بشارة يجيب فيه مباشرة على أسئلة قد تدور في خلد البعض، بما فيها بعض الأسئلة الشخصية المباشرة.

المسألة القومية

يوضح بشارة، الذي نشأ في بيئة وطنية يسارية وانخرط منذ صغره في النضال السياسي، في حواره في الكتاب، أنه لم ينتقل من اليسار إلى القومية بل طوّر نظرته كيساري إلى القومية العربية التي احتلت حيزا مهما من انتاجه الفكري واهتمامه السياسي. فقد شرع بشارة يطور أفكاره في شأن القومية العربية في الفصل الأخير من كتابه 'المجتمع المدني: مساهمة نقدية' الذي نشره في سنة 1996. ثم طوّر لاحقا في كتابيه 'المسألة العربية' و'أن تكون عربيا في أيامنا' أفكاره بشان القومية العربية والأمة العربية. وأسس فيهما مفهوم بناء الأمة على المواطنة وبناء القومية على الثقافة واللغة. ويشير بشارة إلى أن القومية العربية ازدهرت حين كان الإنتماء إليها مسألة طبيعية ناتجة عن شيوع اللغة وهيمنة ثقافة طبيعية وطوعية للعربية. ويرى أن العروبة ازدهرت عندما كانت اندماجا طوعيا ثقافيا واقتصاديا وانحطت حين أصبحت أيديولوجيا دولة.

ويوضح بشارة معارضته تحويل القومية إلى أيديولوجيا شاملة، وهو ما حدث لدى العديد من الحركات القومية في الدول العربية. ويعدّ بشارة ذلك خطرا لأنها تنتهي إلى ديماغوغيا فاشية وتبرر لبضعة أفراد الحديث باسم الأمة وتخوين الآخرين المخالفين لها.

ويعارض بشارة كذلك اعتبار العروبة أو القومية العربية مسألة عرق ودم، أو أن العرب ينحدرون جميعا من أب واحد أو من أصل واحد، لأن ذلك مناقضا للتاريخ ولأنه أيضا يجعل العروبة اقصائية. فالعروبة هي نقيض ذلك فهي انتماء ثقافي وحضاري عابر للأنساب والقبائل والطوائف.

ويرى بشارة أن للقومية بعدين أولهما الانتمائي الهوياتي أي الإنتماء إلى تاريخ مشترك وثقافة مشتركة والذي قد يكون متخيلا. والبعد الثاني هو البعد السياسي المتمثل في الطموح والسعي إلى السيادة في دولة. وبعد أن تقوم الدولة يمكن التطلع إلى بناء الأمة على أساس المواطنة بغض النظر عن الانتماءات الإثنية أو القومية. وأمة المواطنين التي يتم بنائها لا تنفي القومية بشكل سطحي بل تستوعبها. فللقومية وجود واقعي في تاريخ الدولة وفي تأسيس الدولة وفي طابع الدولة.

ويميز بشارة بين الرعيل الأول من المفكرين القوميين العرب والجيل الثاني من القوميين الذين استلموا السلطة بانقلابات عسكرية. فعند الرعيل الأول من القوميين لم تنفصل سيادة الأمة عن تثقيف المجتمعات كي تتصرف كشعوب وكقومية وأمة. في حين أصبح التركيز عند الجيل الثاني على القومية لذاتها كأيديولوجيا حكم للدفاع عن السلطة.

الجرح الراعف

يشير بشارة في فصل 'سورية الجرح الراعف' إلى أن موضوع علاقته بسورية قبل الثورة احتل مكانا في وسائل الإعلام لأنه كان يمثل خبرا جذابا، بيد أن هذا الموضوع في حقيقة الأمر احتل حيزا صغيرا من وقته. فعمله وجهده السياسي الأساسي كان منصبا في النضال من أجل قضايا الفلسطينيين داخل الخط الأخضر وقضايا مقاومة الاحتلال إلى جانب عمله الفكري والبحثي  المستمر.

وفي ما يخص زياراته إلى سورية يوضح بشارة أنه دعي لزيارة سورية  مرتين قبل زيارته الأولى إلى سورية، بيد أنه رفض المشاركة في الوفدين اللذين زارا سورية والمشكلين من أعضاء كنيست وشخصيات مختلفة يضمان عربا يمثلون أحزابا صهيونية. فقد كان يعرف أن السياق العام لتينك الزيارتين يتضمن رسائل سياسية منها الانفتاح السوري لا على العرب الفلسطينيين في داخل الخط الأخضر وإنما على إسرائيل، وقد تمتا بإذن من السلطات الإسرائيلية.

 ثم يتطرق بشارة بالتفصيل إلى زيارته الأولى لسورية التي كانت بعيدة كل البعد عن التطبيع بل نقيضا له، إذ جرت بدون إذن كعلاقة عربية عربية. ما حدا بإسرائيل إلى ملاحقته وتقديمه لاحقا للمحاكمة. ويوضح بشارة الجهد الذي بذله لدى المسؤولين السوريين من أجل السماح للعرب الفلسطينيين داخل الخط الأخضر بزيارة أقاربهم في سورية والذين لم يرونهم منذ النكبة في سنة 1948، ما أثار غضب إسرائيل وتقديمه للمحاكمة بتهمة تنظيم زيارات ' إلى بلد معاد في حالة حرب' من دون استئذان السلطات المختصة.

ويعطي بشارة للعلاقة التي أقامها حينئذ مع النظام السوري حقها ويشرح الأسس التي قامت عليها وفي مقدمتها دعم المقاومة والتصدي للاحتلال وللعدوانية الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني والشعوب العربية. ويتحدث بشارة بموضوعية وأمانة عن هذه العلاقة ويضعها في سياقها التاريخي الحقيقي ولم يسقط عليها اطلاقا اختلافه العلني مع النظام السوري منذ انطلاق الثورة السورية ووقوفه بوضوح إلى جانب الشعب السوري.

يشرح بشارة في حواره السمات المشتركة لجميع الأنظمة العربية في العقود الأخيرة سواء كانت جمهورية أم ملكية. ويشير إلى أنه كان يدرك طبيعة النظام السوري الاستبدادية قبل انطلاق الثورة في سورية(ص. 88-96)،  ويشرح موقفه من الثورة السورية عند انطلاقها ووقوفه إلى جانبها. ويوضح أنه 'عندما خرج السوريون إلى الشوارع وأنا أعرف أن قضيتهم أعدل حتى من قضية الشعبين المصري والتونسي من حيث مدى الظلم والقمع والإذلال، وكذلك مدى الفساد، فكان من الطبيعي أن أقف إلى جانبهم بالمبادىء نفسها. ويضيف بشارة 'وأنا دائما أقول أن المبادىء التي جعلتني أناصر المقاومة في لبنان، وحكما في فلسطين، هي نفسها التي جعلتني أتقاطع مع سورية ثم مع الشعب السوري ضد الطغيان، أي أن الموقف من مقاومة الاحتلال ومقاومة الظلم هو نفسه.' (ص. 97).  ولكنه في الكتاب يتطرق أيضا إلى تحول الثورة إلى ما يشبه الحرب الأهلية ويحمل النظام مسؤولية ذلك، ولكنه لا يوفر نقده للقوى والفصائل المتطرفة التي تسربت إلى الثورة وحادت بها عن أهدافها ومبادئها.

ويشرح بشارة في باب 'العرب في الداخل والتجربة البرلمانية' عملية تأسيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي داخل الخط الأخضر، وهو الدور الذي شهدته شخصيا، وتعاونت معه مع آخرين كثر فيه، والمشروع الوطني الذي حمله هذا الحزب، الذي تمسك بالهوية الوطنية للعرب الفلسطينيين داخل الخط الأخضر وبحقوقهم القومية جنبا إلى جنب حقوقهم المدنية وطرح في الوقت نفسه خطابا ديمقراطيا وطنيا معاديا للصهيونية يفعّل التناقض البنيوي بين 'يهودية إسرائيل وديمقراطيتها' طارحا 'دولة المواطنين' أو 'الدولة لجميع مواطنيها' بديلا عن يهوديتها، ومناضلا في الوقت نفسه من أجل إزالة الإحتلال والاستيطان الذي حصل منذ 1967 ومتمسكا بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم.

ثمة قضايا كثيرة يعالجها بشارة في إجاباته على الأسئلة في هذا الكتاب، منها ما هو تلخيص للتجربة الفكرية، والسياسية، بدقة وإيجاز، ومنها ما هو تلخيص جريء لتجربة الحركة الوطنية الفلسطينية والثورات العربيية وغيرها، وثمة أفكار جديدة طرحها في هذه السياقات تفتح أبوابا للتفكير بالمستقبل.

اقرأ/ي أيضًا | سر الهجوم على عزمي بشارة

سبق أن كتبت عن دور هذا المفكر والباحث البارز في عملية بناء المؤسسات في الداخل الفلسطيني، وها هو يستمر بذلك في العالم العربي على مستوى أعلى أوسع انطلاقا من إيمانه بأن التحديث والنهضة يقومان على الفكر والمؤسسات. وبالأمس رأيته مبتسما وهو يخرج جيلا من الشباب من 15 بلدا عربيا من حملة شهادة الماجستير في العلوم الاجتماعية، فأيقنت أنه ما زال ينفي المنفى كل يوم.


تعليقات Facebook