بلى... إنها أزمة صحافة

بلى... إنها أزمة صحافة

أحمد دراوشة

لا أعتبر نفسي من الجيل الذي تربّى على جريدة "السفير" اللبنانيّة، إنما من الجيل الذي وجد "الأخبار" اللبنانيّة (و"العربي الجديد" اللندنيّة، لاحقًا) ملاذًا له يهزّ عرائش السائد من المنافسة بين عائلتي تويني وسلمان أو "السفير" و"النهار"، بتصميم جديد لا يزيد عدد كلمات غلافه على الـ150 كلمة، بالإضافة إلى اللغة السلسة المترابطة، مفعمًا بالنفس العروبي القريب من الشعوب. لكن المواظبة على قراءة "السفير" لا مفر منها، احترامًا لعراقة الصحيفة وتلك الكوكبة الطويلة التي كتبت بها، أيّام عزّها ووفاءً لقلم ناجي العلي، بالأساس، وسيرته.

ثم جاء الرّبيع العربيّ، توقع كثيرون أن تقف الصحيفتان إلى جانب الشعوب، وهكذا كان في تونس فمصر، كان ذلك سهلًا جدًا، لا يحتاج الوقوف مع الثورتين التونسية، التي لم تلق اهتمامًا في أكمّتها، والمصريّة، التي ألهبت قلوب العرب، إلى اشتباك مع الذات، ومرجعيات فكريّة وتنظيرات سياسيّة، إذ أنه لا مبرر لاستمرار تلك الأنظمة المستبدة داخليًا، والأميركية الهوى خارجيًا، فتفنّنت "الأخبار" اللبنانيّة منذ اليوم الأول للثورة المصريّة في صياغة العناوين من "جمعة مصر" إلى "المومياء تصارع الأحياء" وصولًا إلى "عالم عربي إلى الحياة... الشعب أسقط النظام"، وكان بوسع ناشر "السفير"، طلال سلمان، أن يعنون مقاله بـ"فجر عربي جديد"، طالما أن الحديث يدور عن أنظمة تختلف سياسيًا بشكل جوهري عن أنظمة محور الممانعة الذي انتمت إليه الصحيفتان صراحةً أو سرًّا.

بيد أن "الفجر العربي الجديد"، ذاته، حينما طرق أبواب سورية وجد تلكؤًا وريبة في الصحيفتين، رغم أن كثيرين توقعوا أن تقفا مع الثورة، "السفير" لأنها ممنوعة في سورية رغم ولائها الواضح لآل الأسد وأحلافهم، ولأنها، بالطبع، الصحيفة الوحيدة لبنانيًا التي خرجت من الحرب الأهلية وهي بكامل شعبيّتها وأصالتها، واتقانها مقاربة الأمور دون أن تتورّط بالحرب (الأمر الذي لم تنجح فيه سوريًا)، محافظةً على مناهضتها الاحتلال الإسرائيلي، تزيّنها كاريكاتورات ناجي العلي؛ و"الأخبار" لنفسها المتمرّدة على مذابح الاستبداد والقمع، ولحماسها إلى إسقاط الأنظمة، كل الأنظمة، بحماسة جوزف سماحة وتمرّده على البيروقراطيّات الصحافية الأسريّة والحزبيّة والتقليديّة.

والحقيقة أن الثورة السورية، كما باقي الثورات العربيّة، لا تحتاج اشتباكًا مع الذات والقيم، إنما تحتاج اشتباكًا مع الناشر والممول والطائفة (رغم علمانيّة الصحيفتين) والفريق السياسي والأحلاف وأحلاف الأحلاف. كان "سقوط" "السفير" مبكّرًا، حينما وصفت مدينة حماه بأنها "تمارس هوايتها الجديدة وتلبس ثوب «قندهار» سورية"، بينما كانت تنقل شاشات التلفزة والصحف (منها "الأخبار") حجم المظاهرات وهتاف حناجر المحتجين للحريّة ولإسقاط النظام.

لم تكن "الأخبار" هنا قد حسمت موقفها بعد، رغم انتقادها المبكّر لسذاجة الإعلام السوري ونواب مجلس الشعب (كما في مقال على ما أذكر لغسّان سعود) والحلول الأمنيّة ودعت النظام إلى عدم الانغرار بالمظاهرات "المليونيّة" الداعمة له، قبل أن ترضخ، لاحقًا، أمام القمع النظامي السوري ومنع بيع الصحيفة في الأراضي السوريّة، حتى لو اضطرها الأمر إلى خسارة أبرز وجوهها ومساهمين في تأسيسها، مثل خالد صاغية وبشير البكر وإميل منعم.

كان مأزق الصحيفتين، وقتها، أنهما ظنّتا أن الربيع العربي جاء اعتراضًا على السياسة الخارجيّة، وكان الاقتناع بذلك سهلًا، إد أجج إعلان تسيبي ليفني الحرب على قطاع غزّة من أكبر عاصمة عربيّة، القاهرة، مشاعر المصريين المناهضة للنظام، وهم يرون تراجع الدور المصري الرائد في أفريقيا والوطن العربي والمنطقة، وتحولها إلى وكيل مسجل للولايات المتحدة والسعوديّة. في حين كانت مطالب الغالب الأعم من المتظاهريين المصريّين والتونسيين والسوريين داخليّة، توقًا للحرية ورفضًا لزج المختلفين مع الأنظمة في السجون ووصمهم بتهم العمالة لإسرائيل، حتى لو كانوا أطفالًا صغارًا مثل طل الملوحيّ.

وهنا، تحوّل المأزق إلى أزمة تعكس أزمة الصحافة العربيّة كلها، وبدت الصحافة العربية المعارضة نسخة محسنّة من المعارضات العربية التي أسقطها الربيع العربي، تلك المعارضة التي بنت لنفسها كراسيّ جلس عليها قادتها عقودًا لا تختلف عن كراسي الطغاة، ورحلوا، باكرًا، وسقطوا قبل سقوط الطغاة، حينما وصلوا ميدان التحرير، مثلًا، محاولين إقناع المتظاهرين بالعودة إلى منازلهم، أو حينما فاوضوا النظام على انتخابات لا يترشّح لها مبارك. وهذا ما كرّرته الصحيفتان لبنانيًا، حاولتا رسم سقف للثورة، أدناه تأييد الحراكات الشبابيّة ورفض الاستبداد والقمع، وأقصاه إصلاح النظام، لا إسقاطه، ومحاولة إيهام المتظاهرين أن الرئيس الأسد، بشخصه، لا زال محبوبًا وأنه صالح يريد الإصلاح تحيطه غشاوة من الفاسدين، متفننين بجمل مثل "في مصر الشعب أسقط الرئيس ولم يسقط النظام، بينما في سورية الشعب أسقط النظام ولم يسقط الرّئيس".

وإن لم يكن ما حدث أزمة للصحافة اللبنانيّة والعربيّة، فما هي الأزمة؟ وما معنى أن تتخلى الصحف عن مبادئها وما تصبو إليه لأجل نسخة أو نسختين أو مليون نسخة حتّى. وأي معنى لتلافي انتقاد نظام ما تحاشيًا لسخطه ونقمته، من علّمهم أن الصحافة تقوم على مهادنة نظام أو الدوس على المبادئ لأجل البقاء دون الحدّ الأدنى مما أرادوا أن يكونوه، صحافةً حرّة وقلمًا جريئًا ناقدًا بنّاءً؟ وإن لم يكن عدم التعلم من الأخطاء  وعدم الإصغاء للصادقين أزمة صحافة، فما هي أزمات الصحافة؟

ليتهم أصغوا لجوزف سماحة

واحدة من صور وأشكال أزمة الصحافة العربيّة أنها لا تصغي لأحد، ورؤساء تحريرها لا يختلفون عن الضابط شبه الأمي في المخافر العربيّة الموكل بالرقابة على الصحافة والصحافيين والممثلين وأهل الثقافة والفنّ. وهو ما وعاه جوزف سماحة مبكرًا، لكن "السفير" لم تصغ إليه، ولم تساعده في تحقيق انطلاقتها الثانية كما رآها متحرّرة من كل القيود المفروضة عليها (إلا الانتماء للوطن العربي ومحاربة الاحتلال)، كان كل هم ناشرها إيصال ابنته إلى رئاسة التحرير، كما يريد الرئيس إيصال ابنه لسدّة الرئاسة، وحتى حين خرج سماحة وأطلق "الأخبار"، لم تتدارك "السفير" الموقف، ولم تجدّد شيئًا، لا في الشكل ولا المضمون ولا اللغة، ولم تحاول إيهام القارئ بأنها فعلت ذلك، وكأنها لا زالت تصدر في السبعينيّات. ولم يلتفت ناشر "السفير"، إلى الانشقاق الثاني، وهو خروج ساطع نور الدين ورفاقه وتأسيسهم "المدن"، وظلّ ناشرها يعتقد أنه محصّن، وأن التضحية بالجنين واجب لإنقاذ الأم، لأنه لا يريد الاقتناع بأن التضحية بالجنين ممنوعة، طالما أنه كان سيحيي الأم، ولا شيء مهم في خروج أو دخول أي "موظف" طالما أن رئيس التحرير في موقعه، والطريق لوصول ابنته لا زال مفتوحًا.

لو كان الظرف العربي الراهن غير ذلك الذي نعيشه اليوم، لكان بوسعنا أن نكتب أن تجدد جوزيف سماحة انتصر على أصوليّة طلال سلمان، والأصولية لها أكثر من معنى وتفسير، ينضاف إلى تقصير الثوب وحف الشوارب وتسريح اللحى. لكن مشروع سماحة "الأخبار"، لم يتعلم هو الآخر، وانغلق على نفسه حتى لو خسر مؤسسيه، وغادروه، وهنا تبرز، مرّة أخرى، أزمة الصحافة العربية، الانغلاق على الذات ورفض التجديد، والخوف على الدعم ومشاعر الناشر والداعم.

بلى، إنها أزمة صحافة، وإن كان الزميل حسن عليق في "الأخبار" يصر على أنها ليست كذلك، فليضف إلى عنوانه جملة "إنها أزمة محور"، وليضف إلى الأسباب الموضوعيّة المحقّة التي أوردها في مقالته، أن هذا ليس زمن "السفير"، ليس زمن ناجي العلي، بالنسبة لمحور الممانعة، ولا زمن جوزف سماحة  وصحافته الجديدة المستقلة، طالما أنه زمن حسين مرتضى، ولا زمن الناصحين بالعودة إلى الشعوب وبأن طريق القدس قصيرة لا تمر عبر حلب أو حمص أو دمشق، طالما أن هناك من يستل قلمه دومًا تأييدًا بالخط العريض لكل ما تراه السلطات مناسبًا، حتى لو اضطرت "السفير" التي حاربت الاحتلال الإسرائيلي أن تبتكر عنوانًا مشينًا مؤيّدًا للعدوان الروسي في سورية مثل "عاصفة السوخوي"، إنه زمن شارل أيوب و"الديار"، وتلك المذيعة التي لا تستحق أن يحفظ المرء اسمها، والتي وقفت تتصور بين الجثث، والأخبار التي تنهل مصدرها من المخابرات السورية، وهو ما لم تستطع "السفير" مجاراته وإن حاول محمد بلوط ذلك، في مقالته الركيكة التي صاغ فيها لقاء وشيكًا بالتواريخ والساعات بين الأسد وإردوغان، وهو ما ينافس مقالات شارل أيوب حول الغارات الإسرائيلية على دمشق.

إنه زمن الزيف العربي، وزمن تفضيل أخماس الصحف على أنصافها، وما تعيشه مصر خير برهان، لا يرغب النظام المصري، مثلًا، بأنصاف الداعمين، حتى لو كان وجودهم إلى صفه أكثر إقناعًا، مثل يسري فودة وإبراهيم عيسى وباسم يوسف، إنما يريد عقولًا ضحلة، لا يستطيع أولئك تقديمها، مع أنهم حاولوا، إنهم يفضلون أحمد موسى وتوفيق عكاشة. وفي لبنان، سياسيًا، يفضلون أصحاب الثقافة الضحلة والميول الواضحة، حتى يسهل ابتزازهم، وإلا فما تفسير أن يصبح جبران باسيل وأحمد الحريري صانعين للرؤساء؟

إنه زمن الزيف العربي، الذي لا يحتاج أحد فيه "السفير"، لا محبيها الصادقين الذين خذلتهم أول الثورة، ولا داعميها الذين ملوا مؤسسة قوامها 150 موظفًا طالما أن 10 موظفين بإمكانهم الإيفاء بالمطلوب، وطالما أن لا أحد يطرب لمصطلحات القومية والعروبة بقدر طربهم لهدير طائرات "عاصفة السوخوي" والمقاتلين الإيرانيين وهم "يحررون" أعرق مدن العرب والعالم.

بلى، إنها أزمة صحافة عربية، مرتهنة للمموّل ولمزاجيّة رؤساء التحرير نصف المثقفين غالبًا وعلاقاتهم الشخصيّة وطموحاتهم السياسيّة وبورصات الداعم الصاعدة والهابطة، وحركته الميدانيّة إقبالًا أو إدبارًا، كما كانت من قبل أزمة الأنظمة العربية.

لو أنهم أصغوا لجوزف سماحة.

تطبيق عرب 48 الجديد متوفر الآن



تابعنا:

Instagram