بين الشرعية الوطنية والقوانين الإسرائيلية الجائرة والعنصرية

سليمان أبو إرشيد

بعد الظهور المرتبك للنائب أيمن عودة في المقابلة المشهودة مع دانا فايس من القناة الإسرائيلية الثانية بشأن قضية النائب باسل غطاس والتي لاقت انتقادات واسعة، واستجمع 'رئيس القائمة المشتركة' قواه ولملم أفكاره وفاجأنا بظهور ومتماسك وواضح، بعد أيام، على قناة 'هلا' التابعة لموقع 'بانيت'، أمام الصحافية ديما الجمل أبو أسعد، حدد خلاله قواعد 'المسموح والممنوع'، وكيف ومتى يكون 'تجاوز القانون' شرعيًا وكيف ومتى لا يدخل هذا الخرق تحت عباءة الشرعية. تبريرات عودة وظهوره الذي كان هذه المرة قويا و'مقنعا' شكلا لم يغير مضمون رسالته، التي أراد منها نزع الشرعية الجمعية عن العمل الذي تنسبه الشرطة للنائب غطاس.

عودة، وبعد أن جوبه بالعديد من الحالات التي خرق فيها فلسطينيو الداخل القوانين الإسرائيلية، وكان هو شخصيًا جزءًا منها، حاول صياغة قاعدة تقول إن تجاوز القانون لكي يكتسب الشرعية الجمعية يجب أن يتم بقرار جماعي وبشكل علني، وأعطى أمثلة على ذلك قانون التجنيد الإجباري المفروض على أبناء الطائفة العربية الدرزية، وقوانين مصادرة الأراضي وهدم البيوت التي يحظى تجاوزها بإجماع جماهيري ويجري في وضح النهار.

جريًا على هذا المنوال، أضاف د. رائف زريق، في مقال تحت عنوان 'حديث هادئ حول موضوع صاخب' (موقع 'قديتا' - 29.12.16) إلى ما سبق، مثال لقاءات أعضاء كنيست وبعض الصحافيين في السبعينيات والثمانينيات بقيادات منظمة التحرير الفلسطينية، برغم كونها مخالفة قانونيّة واضحة وأدخلت بعض الذين شاركوا فيها ‏ إلى السجن، وكذلك أورد مشاركة النائبة حنين الزعبي في إسطول فك الحصار عن غزة مخاطرةً حينها بتقديم لائحة اتّهام ضدّها، وكذلك محاكمة النائب السابق محمد بركة الذي حوكم على أثر مشاركته في مظاهرات مختلفة، والمحاكمات المتكرّرة للشيخ رائد صلاح على أثر نشاطه بكلّ ما يتعلق في القدس والأقصى.

 يقع جميع الأسرى على غرار وليد دقة وأمير مخول، وربما المئات من الأسرى الذين تحرروا بعد إفناء سنوات من أعمارهم خارج الشرعية، لأن مخالفاتهم للقانون الإسرائيلي لم تتم في وضح النهار ولم تجري بعد اتخاذ قرار بالإجماع وغيرها من الشروط التي وضعها زريق وعودة

زريق عزز 'قاعدة الشرعية' التي أسس لها عودة وأضاف لها بعض اللبنات، مشيرا إلى القاسم المشترك لجميع تلك الخروقات، التي تجاوزًا لـ'وقوعها في وضح النهار'، كما اشترط عودة، بأن 'كلها تحدّت الإجماع السياسيّ الإسرائيلي'، و'كلّها حملت رسالة سياسيّة واضحة هدفها إحداث تغيير في الموقف السياسيّ، وسعت إلى ذلك علنا'، بحسب زريق.

إذًا، بحاصل جمع شروط زريق والنائب عودة لإسباغ الشرعية على تجاوز القانون الإسرائيلي هو أربعة شروط، أن يتم ذلك في وضح النهار وعلى رؤوس الأشهاد، وأن يكون بقرار جماعي، وأن يتحدى الإجماع الإسرائيلي، وأن يحمل رسالة سياسية واضحة تسعى لإحداث تغيير في الموقف السياسي.

أما الإطار الذي تستمد منه هذه التجاوزات شرعيتها فهو 'مفهوم المواطنة' الذي هو وفقا لد. زريق، 'مفهوم واسع سياسيا وفلسفيا، وهي، المواطنة، أوسع من أن تنحصر في كونها مجموعة القوانين الوضعية القائمة في دولة معينة'، و'هي كفكرة لا تستنفذ نفسها من خلال القوانين القائمة' كذلك، والحديث ما زال لد. زريق: 'إن فكرة المواطنة تجيز في الكثير من الأحيان مخالفة بعض القوانين، وفي بعض الأحيان الأخرى تلزم فكرة المواطنة المواطن برفض الانصياع إلى بعض القوانين الجائرة الاستبدادية والعنصرية'.

طبعًا، غني عن البيان إنه وفقا لتلك القاعدة وهذا المفهوم (المواطنة) يقع جميع الأسرى، أو الذين يحملون الهوية الإسرائيلية منهم على الأقل، على غرار وليد دقة وأمير مخول والعشرات وربما المئات أمثالهم، الذين ما زالوا يقبعون في السجون الإسرائيلية أو تحرروا منها بعد
إفناء سنوات من أعمارهم خارج الشرعية، لأن مخالفاتهم للقانون الإسرائيلي لم تتم في وضح النهار ولم تجري بعد اتخاذ قرار بالإجماع وغيرها من الشروط التي وضعها زريق وعودة، ولم تنطلق من مفهوم المواطنة، ويصبح أي نضال لا ينطلق من مفهوم المواطنة غير شرعي وغير قانوني وربما يستحق صاحبه العقاب المنصوص عليه في القانون الإسرائيلي، ولا يستحق التعاطف الجماهيري معه.

هي عملية بتر وإسقاط للبعد الوطني عن نضال فلسطينيي الداخل وتداخله بكفاح شعبهم العام من أجل التحرر والعودة وحق تقرير المصير والدولة، وهو كفاح متواصل منذ عقود وممهور بدماء آلاف الشهداء والجرحى ومعاناة آلاف الأسرى من مختلف مواقع تجمعات هذا الشعب وبضمنها المناطق المحتلة عام 1948.

إن الخلاف حول اعتبار هؤلاء الأسرى كأبطال أو 'إرهابيين'، لا يعني في الحالتين اعتماد أو عدم اعتماد أساليب نضالهم كإستراتيجية سياسية، لكن عدم اعتماد أسلوبهم كإستراتيجية سياسية لا يعني بأي حال نبذه وشتمه والتنصل والتبرؤ من أصحابه، كما فعل البعض على مدى عقود

إنها ليست المرة الأولى التي أتناقش فيها مع د. زريق الذي أكن له الكثير من المودة والاحترام، ولكني لا أفهم إصراره على الالتصاق بالمواطنة وتغييب الوطن، قد أفهم ذلك عندما يتعلق الأمر بالتجمع وأسوغه بمحاولة تقزيم هذا الحزب والإيحاء بأن سقفه لا يختلف عن سقف الحزب الشيوعي والجبهة، علما أن ذلك غير صحيح أيضا، وتكفي الإشارة لدحض هذا الادعاء إلى قضية حنين زعبي وقضية عزمي بشارة، وسعيد نفاع وأمير مخول وعمر سعيد وغيرها من القضايا التي يعرفها زريق عن كثب.

إلا أن الأمر لا  يقتصر على تعريف التجمع أو تقزيم التجمع كما يستدل بوضوح من مقاله الأخير الذي يتحدث بشكل واضح عن تعريف نضال الفلسطينيين في إسرائيل عموما ويحشره في خانة المواطنة دون ربطه بأي بعد وطني أو قومي، يتأكد ذلك بالمقارنات التي يجريها مع السود في أميركا ومع رافضي الخدمة العسكرية اليهود في المناطق المحتلة عام 1967، على الرغم من أن مقاله يتناول، كما هو مفترض، قضية تشكل جامعًا وطنيا فلسطينيا هي قضية أسرى الداخل، هؤلاء الذين 'مدوا جسومهم جسرا' لوصل ما انقطع بين هذا الجزء الأصيل وبين سائر أجزاء الشعب الفلسطيني، وذلك بانخراطهم الفعلي في بوتقة كفاحه من أجل التحرر.

وأخيرًا، من نافل القول إن الخلاف حول اعتبار هؤلاء كأبطال أو 'إرهابيين'، لا يعني في الحالتين اعتماد أو عدم اعتماد أساليب نضالهم كإستراتيجية سياسية، لكن عدم اعتماد أسلوبهم كإستراتيجية سياسية لا يعني بأي حال نبذه وشتمه والتنصل والتبرؤ من أصحابه، كما فعل البعض على مدى عقود، مثلما لا يستقيم التكامل مع الحملة 'إسرائيلية المنطلق' ضد النائب غطاس بحجة الشذوذ عن قاعدة المواطنة مع الإصرار على حشر التجمع مع الجبهة في سلة المواطنة الواحدة.

تطبيق عرب 48 الجديد متوفر الآن



تابعنا:

Instagram