دولة كل مواطنيها من البحر إلى النهر

دولة كل مواطنيها من البحر إلى النهر

سليمان أبو إرشيد

من الجائز أن يكون لقاء ترامب - نتنياهو قد اسدل الستار على حل الدولتين، الذي شكل مرتكزًا أساسيًا للعملية السلمية وما تمخض عنها من اتفاقات وكيانات، على غرار اتفاق أوسلو والسلطة الوطنية الفلسطينية.

تقويض حل الدولتين يعني تقويض الأساس الذي قامت عليه العملية السياسية، وانهيار ما تفتق عنها من اتفاقيات وعلى رأسها أوسلو والسلطة الفلسطينية التي نتجت عنها. كما يضع تقويض العملية السياسية وتوابعها، يضع الجانب الفلسطيني أمام حالة عبثية، بعد أن حطم جميع البدائل و'وضع جميع بيضاته في سلة' هذه العملية وسلة السلطة المنبثقة عنها.

وفيما يذهب البعض اهتداءً بالآية الكريمة 'وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم'، في النظر إلى الوجه الإيجابي في الموضوع والمتمثل بالعودة الى حل الدولة الواحدة، يجدر التذكير أن شق حل الدولتين المتمثل بالاعتراف الدولي بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، هو إنجاز حققته مسيرة شعبنا الوطنية المعمدة بدماء ومعاناة عشرات آلاف الشهداء والجرحى والأسرى، والمتواصلة منذ عشرات السنين.

وليست القضية مسألة مفاضلة بين حل الدولتين وحل الدولة الواحدة، بقدر ما هي نجاح صهيوني في تقويض منجزات شعبنا الوطنية والدولية، وإعادته سنوات إلى الوراء، بعد أن تمكن من فرض قضيته وحقوقه على البساط الدولي والإسرائيلي.

'ومن الجافي خرجت حلاوة' أيضًا، كما جاء في الإنجيل، فبديل حل الدولتين هو دولة واحدة؛ نفتالي بينيت وزبانيته يريدونها دولة أبرتهايد ونحن نريدها علمانية ديمقراطية. وعلى امتداد المساحة الفاصلة بين الطرحين، تتعدد الاجتهادات في إطار انتقال السجال حول ماهية الدولة الواحدة.

في هذا السياق فاجأ الرئيس الإسرائيلي، رؤوفين ريفلين، الأسبوع الجاري عندما عرض وجهًا آخر للدولة الواحدة، مخالف لنظام الأبرتهايد الذي ينطوي عليه فكرة زعيم تيار 'الصهيونية الدينية'، بينيت، في إطار سعيه إلى فرض السيادة الإسرائيلية فقط على مناطق 'ج' التي تشكل أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية وتسكنها غالبية من المستوطنين (340 ألف مستوطن و300 ألف فلسطيني في مناطق 'ج'، وفق تقديرات الأمم المتحدة)، وخلق منظومتين قانونيتين أو نظام فصل عنصري.

ريفلين الذي عرض فكرته عشية  لقاء  ترامب – نتنياهو، ووسط الجدل الدائر حول نهاية حل الدولتين، ذهب خطوة أبعد من بينيت باقتراحه فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على جميع المناطق المحتلة (الضفة الغربية) ومنح المواطنة الإسرائيلية لسكانها الفلسطينيين، وهو ما يجعل اقتراحه يتقاطع مع ما قاله مسؤول ملف المفاوضات الفلسطيني صائب عريقات، بأن البديل عن حل الدولتين هو دولة واحدة ديمقراطية يعيش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود بحقوق متساوية، وهو طرح بدأ يجد أصداءً له في الساحة الفلسطينية في ضوء تضاؤل فرص تحقيق حل الدولتين وإصرار اليمين الإسرائيلي الاستيطاني على تدميره.

لقد أسقط  لقاء  ترامب – نتنياهو الرهان الأخير على إنقاذ حل الدولتين بعد تحرر الطرفين من الالتزام به، وخصوصًا الطرف الأميركي الذي يوفر موقفه غطاءً دوليا لليمين الاستيطاني الإسرائيلي، وهو يدمر هذا الحل ويفرض حقائق ديمغرافية جديدة على طريق الضم البطيء أو الزاحف.

صحيفة 'هآرتس' أشارت في افتتاحيتها إلى شخصية ريفلين المتناقضة، والتي تنعكس في طرحه الصهيوني المتطرف من جهة والديمقراطي من جهة ثانية، فقد لبس الوجه الصهيوني المتطرف عندما قال وهو يقصد فلسطين التاريخية 'صهيون' كلها لنا، والوجه الليبرالي الديمقراطي، عندما قال إن الضم يعني منح مواطنة كاملة لكل من يسكن في تلك الأراضي، ودعا إلى نظام واحد ينسحب على جميع من يسكنها من إسرائيليين وفلسطينيين، وتحدث عن جميع مناطق الضفة الغربية، وليس فقط على مناطق 'ج' التي تشمل غالبية الأرض ويسكنها عدد قليل من الفلسطينيين مقارنة أو نسبة لحجمها الكبير، كما يسعى بينيت وحزبه 'البيت اليهودي'.

هو، ريفلين، كما وصفه الكاتب غدعون ليفي، يبدو شمعون ريكلين ( إعلامي متطرف من تيار الصهيونية الدينية الاستيطانية) عندما يتنكر للحقوق القومية للفلسطينيين، وعزمي بشارة عندما يمنحهم حقوق مواطنة كاملة ومتساوية (دولة كل مواطنيها)، والنتيجة هي دولة ثنائية القومية وديمقراطية أيضا.

والسؤال الذي يتبادر الى الذهن هو، هل 'ثورة ريفلين' كما ينعتها ليفي، تبشر فعلا بنهاية الصهيونية بمفهومها القديم والقبيح، كما يقول وبداية حركة جديدة تطمح لإقامة نظام عادل في 'دولة اليهود' وتحويلها إلى ديمقراطية ككل الديمقراطيات.

من يقترح الضم ومنح حقوق مواطنة كاملة ومتساوية من البحر إلى النهر، كما يقول ليفي، يقترح عمليا دولة واحدة علمانية ديمقراطية، ومن يقترح فرض القانون الإسرائيلي على الكثير من الأرض والقليل من السكان الفلسطينيين، كما يسعى بينيت، يؤسس أيضا لدولة من البحر الى النهر ولكن بنظام أبرتهايد، لن يدوم طويلا. 

ملف خاص | 50 عامًا على حرب حزيران



تابعنا:

Instagram