طلابنا وامتحانات النجاعة والنماء

طلابنا وامتحانات النجاعة والنماء

سهيل كيوان

في كلّ عام، تثار نسبة التحصيل التي ينجرها الطلاب بالمدارس، في امتحانات النجاعة والنماء للصفوف الابتدائية والإعدادية (الميتساف)، الذي تجريه وزارة التربية والتعليم، فتدخل إدارات وطلاب المدارس والأهالي في حالة تأهب وقلق قبل وبعد الامتحانات، والويل الويل إذا كانت العلامات منخفضة.

تقول سيدة عربية تعمل مراقبة مثل هذه الامتحانات، بين العرب واليهود، إنها كُلّفت بمراقبة الامتحان في مدرسة يهودية وأخرى عربيّة، وفوجئت بالفرق في التعامل مع هذه الامتحانات بين العرب واليهود، سنذكر هذه الفروقات، ليس لشعور بالنقص أمام اليهود، ولكن لنعرف ونرى الفرق، لأهمية الموضوع.

في اليوم المقرر، وصلت هذه السيدة كالعادة، وحسب القانون قبل ساعة من موعد الامتحان، فانتابتها الدهشة هي ورفيقاتها، فقد كان الهدوء مخيما على المكان حتى خلن أن الطلاب متغيبون.

تقول، 'دخلت بعد استئذان البواب، السكون يلف المكان حتى رأيت الساحة الكبيرة التي تحتضن المعلمين والطلاب معا، فوقفت وتابعت بفضول ما يجري' .
الطلاب جالسون على الأرض والمديرة واقفة وتخاطبهم، 'أحبائي الامتحان ليس كل شيء، النجاح أو الرسوب ليس نهاية العالم ولا آخر المطاف، أحبائي أريد منكم أن تحافظوا على هدوئكم وأن تتصرفوا وفق العادة، من يستطع فليحلل الامتحان، ومن لا يستطع فليحاول، ومن لا يستطع بالمرة فليفرح لأنه حاول، والآن أحبائي نأخذ شهيقا عميقا ثم زفيرا مع الكثير من الاسترخاء'.

ثم تقدم معلم وقدم قطعة شوكلاطة لكل طالب، وكذلك للمراقبات، ثم تمنت المديرة النجاح للجميع وقالت تفضلوا الآن إلى الصفوف لتقديم الامتحان.
رحبت بها المديرة، وعرّفتها على الطاقم الذي سيرافقها وتمنت لها النجاح بمهمتها واختفت.
دخلت الصفوف، لتجد الطلاب ينتظرون بهدوء وعلى كل طاولة، وُضعت بطاقة صغيرة ملونة عليها اسم الطالب وتحت اسمه 'تمنياتي لك بالنجاح' مع 'سمايل'.
دخلت المعلمة بهدوء وقرأت التعليمات، لا المديرة ولا المعلمون يقتربون من الصفوف، سوى المعلمات اللواتي يساعدن على النظام والهدوء، يدخلن الصفوف يحملن  الماء والشطائر للطلاب، ويسمحون للطلاب الممتنعين عن إجراء الامتحان بالخروج من الصف، ويدخلونهم إلى المكتبة للقراءة، ولا يجادلون طالبا ولا يحثونه على البقاء لإتمام حل الامتحان.

بانتهاء الوقت المحدد، شكرتها المديرة ورفيقاتها، وتمنت النجاح لطلابها، وتمنت على الوزارة أن تلتفت لاحتياجات طلابها إذا ما كانت نسبة النجاح مرضية، وأن تسعى جاهدة لمنح الطلاب مساعدة في العام القادم.

هذا ذكّرها ببعض المدارس العربية، التي راقبت الامتحان فيها فتقول، أحلّق وسط طابور الأهالي الوافدين مع أولادهم لاجتياز الامتحان، أذكر وجوه  بعض الطلاب المصفرّة الخائفة القلقه تومئ تارة للأعلى وتارة للأسفل معلنة الموافقة على تعليمات الأمهات المرافقات، 'ركّز مليح... حلّ بجدية... لا تلتهي... لا تخرج قبل نهاية الامتحان المعلمة، قالت إنه الامتحان مهم جدا ومصيري ولازم تنجح' وتتذكر طالبا يأبى الدخول إلى المدرسة وهو يبكي ويقاوم بجسده الضعيف، وأمه تدفعه إلى الداخل، والمعلمة تتوسل إليه تارة بأعصاب هادئة، وتارة فاقدة أعصابها، وبعد بضع دقائق تنتهي المعركة بانتصار الوالدة والمعلمة فيدخل مرغمًا، وطالبة تسألها 'هل هذه العلامة ستكون حقًا علامة الشهادة الفصلية كما أخبرتنا المعلمة'.

دخلت الصف باسمة، فوجدت الطلاب متذمرين منهكين من كثرة التمرينات التي تدربوا عليها لهذا اليوم، وتتذكر طالبا يهرول كل خمس دقائق، إلى الحمام والمعلمه توبخه 'شو السيرة بطّل يحلى لك الحمام غير اليوم موّتني، عشرين مرة بالساعة'، ومعلمة أخرى تصيح على طالب، 'بتقدرش تصبر عالأكل شوي؟ يلا الوقت صار بده يخلص من شان ربك خلّص، إسا حِلّ الامتحان وبعدين إعمل شو ما بدك'.

 أما المعلمون فيحاولون الدخول إلى الصفوف ليتوسلوا الطلاب بأن يحلوا وينجحوا حتى يظهروا تفوقهم من خلال نتائج طلابهم، والمدير يدخل في حالة ضغط كلما تذكر أن النتيجة النهائية ستعلن أمام الجميع، وستصبح النتائج مادة للحوار على وسائل التواصل الاجتماعي، ولن يبقى أحد إلا وسيدلي بدلوه، ويا ويله من ظلام ليله، إذا كانت النتائج منخفضة، أو تفوّقت مدرسة أخرى في البلدة على مدرسته، أما الطلاب، فيعيشون في دوامات كثيرة ينتظرون من ينقذهم ومن يتفهمهم، ومن يعي جيداً كيف يقرأ حاجاتهم ودواخلهم، ويطمئنهم بأن هذا الإمتحان ليس نهاية الكون، صحيح هناك أهمية لكل امتحان، ولكن ممنوع أن نتصرف وكأنه نهاية الدنيا، علينا أن نغرس في طلابنا وأبنائنا محبة التحصيل ولكن بدون هذا الرعب الذي ننزله عليهم وعلى إدارات المدارس في فترات الامتحانات.

ملف خاص | 50 عامًا على حرب حزيران



تابعنا:

Instagram