معالم تركية في الطريق

معالم تركية في الطريق

رامي منصور

مهما تكن تداعيات ومآلات نتائج الاستفتاء التركي الأخير، والقلق المشروع من سلطوية رجب طيب إردوغان، فإن ما يهمنا هنا، هو الاستفادة من تجربة حزب سياسي غير إسلامي لكن 'روحه إسلامية' (ويجب التشديد على أن حزب العدالة والتنمية ليس حزبا إسلاميًا ولا حركة إسلامية، لكنه نما في بيئة إسلامية ومحافظة)، وتصالحه مع مجتمعه ودولته ونظامها العلماني.

(١)

ما يلفت الانتباه هو أن إردوغان نفسه مر بمراحل تطور سياسي انتقل فيها من العداء المطلق للعلمانية إلى التصالح معها بل الدعوة لها، كما حصل خلال زيارته للقاهرة في أعقاب فوز محمد مرسي برئاسة مصر. وعاد وكرر هذا الموقف في لقاء تلفزيوني مع علي الظفيري قبل شهور في برنامج 'المقابلة' على قناة 'الجزيرة'. وأكد خلال اللقاء أن العلمانية بالنسبة له لا تعني علمانية الفرد أي عدم تديينه، وإنما حياد الدولة تجاه العقائد المختلفة. وهو موقف قد يساعدنا على فهم العداء الشديد الذي كان يكنه للعلمانية الأتاتوركية التي كانت علمانية عقائدية استئصالية غير مؤسسة على العقل، بل على الانتماء القومي التركي المتعصب والعداء للتراث والحضارة والثقافة الإسلامية، التي هي ثقافة معظم الشعب التركي، بمن فيه الأكراد.

واللافت أيضًا، أنه ينظر إلى حزب العدالة والتنمية في العالم العربي على أنه حركة إسلامية أو تيار إخواني، وهو غير ذلك كليا، حتى وإن كانت قياداته متدينة وتنتمي إلى التيار الإسلامي. وينظر الإسلاميون إلى إردوغان على أنه 'القائد الإسلامي'. وفي هذا السياق قال الدكتور يوسف القرضاوي في برنامج 'المقابلة' ذاته، إنه لا يعارض موقف إردوغان من العلمانية وقال إنه يؤيده أكبر تأييد، وقال عنه إنه 'رجل مأمون، يفكر ويستشير، ويسأل ويتعلم من الحياة والناس والتجارب، وليس رجلا منغلقا. المنغلقون هم الذين يخيفون'.

وشدد القرضاوي على ميزة هامة لدى إردوغان ولدى راشد الغنوشي زعيم حركة 'النهضة' التونسية، وهي أن لديهما التجربة الحياتية والخبرة والاطلاع الواسع، وذلك في إشارة غير مباشرة إلى أن إخفاق الإخوان المسلمين في مصر نبع من قلة الخبرة والتجربة لدى قيادات الإخوان. وروى أن عبد الفتاح السيسي غرر بمرسي واستغل بساطته وعدم خبرته، بأنه كان يسأل زوجته (السيسي يسأل زوجته هو) إن كان الأولاد قد صلوا وإذا صلوا جماعة، وفيما كان رد مرسي بهز الرأس والقول الحمد لله الحمد لله. وبهذه البساطة تمكن السيسي من نيل ثقة الرئيس مرسي، أو على الأقل الثقة الشخصية.

وهذه القصة التي يرويها القرضاوي عن علاقة السيسي ومرسي تكشف إلى حد كبير أهمية انفتاح الأشخاص والقيادات على التجارب الحياتية والانفتاح على الآخر والاستفادة من تجاربه.

(٢)

ما يهمنا هنا هو الاستفادة من التجربة التركية لدى التيار الإسلامي في الداخل، وفي فلسطين عمومًا، لأن التيار الإسلامي في فلسطين يشكل (في غزة تحديدا) رأس الحربة ضد الاحتلال سواء من خلال حركة حماس أو الجهاد الإسلامي.

وإذا ما تتبعنا كتابات أنصار للتيار الإسلامي في الداخل على شبكات التواصل الاجتماعي، فنجد في كثير من الأحيان تكرار مقولات وشعارات إخوانية مصرية للتجربة التركية، مثل مهاجمة العلمانية والديمقراطية، ليصل إلى شعارات معادية للداخل أي المجتمع مثل معاداة النضال النسوي إلى درجة العداء للمجتمع وتسخيف كل من يخالف الرأي وإلخ... ولم يستطع هؤلاء (وهنا يجب عدم التعميم بكل تأكيد) على إعمال فكرهم وتقديم إسهاماتهم واجتهاداتهم والإفادة من تجربتهم التي تتمثل بتأسيس تيار إسلامي في حالة احتلال كولونيالي وفي حالة مواطنة في دولة علمانية تعرف نفسها يهودية.  

هذا النقل لأمراض الحركة الإسلامية الإخوانية في مصر كنت قد تطرقت إليه في مقال سابق عن معاداة الزعيم جمال عبد الناصر لدى شخصيات إسلامية لدينا دون أي مبرر لهم، بل إن عداءهم منسوخ ويقدّم انتماءهم الحركي الحزبي على انتمائهم وهويتهم الوطنية.

وهذا النقل خطير في تبنيه مصطلحات مثل 'المجتمع الجاهلي' الذي كتب عنه سيد قطب، وقال فيه إن 'هذا المجتمع الجاهلي الذي نعيش فيه ليس هو المجتمع المسلم'، في موازاة تجاهل شبه متعمد لفكر حسن البنا الأكثر تصالحا مع المجتمع والوطنية. وهنا يفيد اقتباس سيد قطب الذي قال 'ونحن ندعو إلى استئناف حياة إسلامية في مجتمع إسلامي تحكمه العقيدة الإسلامية والتصور الإسلامي كما تحكم الشريعة الإسلامية والنظام الإسلامي، ونحن نعلم أن الحياة الإسلامية – على هذا النحو – قد توقفت منذ فترة طويلة في جميع أنحاء الأرض، وأنَّ وجود الإسلام ذاته من ثم قد توقف كذلك. ونحن نجهر بهذه الحقيقة الأخيرة على الرغم مما قد تحدثه من صدمة وذعر وخيبة أمل ممن لا يزالون يحبون أن يكونوا مسلمين…، نرى أن الجهر بهذه الحقيقة المؤلمة – حقيقة: أنَّ الحياة الإسلامية قد توقفت منذ فترة طويلة في جميع أنحاء الأرض، وأن وجود الإسلام ذاته من ثم قد توقف كذلك – نرى أنَّ الجهر بهذه الحقيقة ضرورة من ضرورات الدعوة إلى الإسلام، ومحاولة استئناف حياة إسلامية ضرورة لا مفر منها'.

والمراجعة التاريخية تفند ادعاء سيد قطب، فالإسلام اليوم عامر في أنحاء الأرض، ويعيش المسلمون في دول غير إسلامية حياة رغيدة كريمة وحرة ويقيمون فيها الفرائض والواجبات كما يشاؤون. والإسلام لم يكن يوما غائبا إلا في ظل حكم عصبي رفع راية الإسلام هو حكم السلالة العثمانية، التي كانت سببا في غياب الإسلام عن أنحاء الأرض وتأخره عقود.

إذًا، يجب التخلص من ذهنية 'المجتمع الجاهل'، وهذا يصح أيضًا على تيارات أخرى ليبرالية وعلمانية وليست فقط الإسلامية، التي تتعامل مع المجتمعات العربية على أنها متخلفة أو ضالة وبحاجة إلى وصاية، وبدلا من ذلك يجب التصالح مع المجتمع والعمل على تطوره بالتي هي أحسن، والباب لهذا التصالح هو قبول التعددية أولا وأخيرا.

(٣)

أما في ما يخص العداء للعلمانية، فهو عداء غير مبرر، لأن رفض المفكرين الإسلاميين للعلمانية ليس مبدئيا وإنما عمليا، بأن فكرة العلمانية هي فكرة صنعت في الغرب لحل مشكلة مسيحية غريبة وهي هيمنة الكنيسة أو المؤسسة الدينية على الدولة، ونحن في الشرق المسلم ليس لدينا مؤسسة دينية مهيمنة على الدولة أو إكليروس يهيمن على الدين كما في المسيحية، أو أن 'الإسلام دين ودولة' ولا مجال فيه لفصل السلطة الدينية عن السلطة الدنيوية.

أما العلماني، فسيرد على هذا الادعاء بأن العلمانية هي حاجة مجتمعية وتاريخية للحفاظ على النسيج المجتمعي والوطني، وأن الواقع لا يتيح نظاما غير النظام العلماني بحسب التجربة التاريخية، وحتى إن كانت الفكرة العلمانية غربية وأنه الادعاء بعدم وجود مؤسسة دينية مهيمنة في الإسلام هو ادعاء صحيح.

لكن هذا الادعاء المؤيد للعلمانية على رغم من صحته فإنه سطحي بنظر المتعصبين للعلمانية، إذ يريدون العلمانية كونها علمانية وهذه محاججة غير عقلانية وإنما إيمان، فيما سيدعي آخرون من الواقعيين والبراغماتيين بأنه صحيح أن هذا التسويغ للعلمانية هو سطحي وغير مبدئي، ولكنه صالح لأنه 'يعمل' أو 'مفعوله مجرب'.

إذًا، ترشدنا التجربة التركية إلى معالم هامة في طريقنا، أولا عدم نقل الشعارات كما هي وإنما الإفادة والاستفادة من التجربة الذاتية، ثانيا التصالح مع المجتمع وعدم تجهيله وأول باب للتصالح هو القبول بالتعددية التي تأخذ شكلا سياسيا هو الديمقراطية. وثالثا، عدم معاداة العلمانية وتكرير ادعاءات غير دقيقة تاريخيا مثل أن العلمانية في تركيا هي صناعة غربية وتقديم الادعاءين المذكورين أعلاه عن غربية العلمانية، لأن هذا الكلام غير دقيق، فالعلمانية التركية قامت على أنقاض نظام سياسي ثيوقراطي تأسس على الشرعية العصبية والدينية، ويسميه إسلاميونا 'دولة خلافة' أو 'الخلافة العثمانية'. فإذا كان رفض العلمانية على أساس أن المجتمع الإسلامي ليس بحاجة له لأنه لم تهيمن فيه سلطة سياسية باسم الدين أو لم تهيمن فيه سلطة دينية، فإن الحالة التركية المسلمة تفند هذا الادعاء كليا، وتؤكد أن التجربة الإسلامية مرت بهيمنة مؤسسة دينية أو سياسية باسم الدين على الدولة وعلى أمور الناس، وهذه التجربة التي طالت قرونا ثبت فشلها، وقادت البلاد والعباد إلى أن يسقطوا تحت الاستعمار الغربي وأبقت الفكر الإسلامي في كهوف العصور الوسطى.

ليست العلمانية نمط حياة ومعاداتها من هذا الباب هو عداء سطحي، وتبني العلمانية كنمط حياة هو لا يقل سطحية عن ذاك العداء، وهي قد تكون علمانية عنصرية أو مستبدة، سواء كانت شخصا أو دولة، وفي هذا لا تختلف عن الأصولية أو التطرف الديني.

ويبدو أنه حان الوقت لاستبدال معالم سيد قطب في الطريق إلى معالم أكثر حداثة وأكثر نجاحا، وهي معالم تركية وغير تركية، حتى  نخرج من حالة تخلف المجتمعات العربية المسلمة أو 'الاستثنائية العربية' لعدم التقدم، وهو ما يستحق التطرق إليه في مقال آخر.

ملف خاص | 50 عامًا على حرب حزيران



تابعنا:

Instagram