نحو مأسسة ذكرى شهداء فلسطين

نحو مأسسة ذكرى شهداء فلسطين

سامي العلي

* لنحول طقس إحياء ذكرى مجزرة الطنطورة لتقليد سنوي رمزي نحيي فيه ذكرى شهداء شعبنا.

* أدعو إلى تنظيم مسيرة العودة الواحد والعشرين في الطنطورة.


"رأينا بالطنطورة ملجأً يحمينا من العصابات الصهيونية"، روى لي عمي المرحوم، نمر ذيب جربان، عندما سألته لماذا مكثت وعائلتك في الطنطورة مدة شهرين قبل المجزرة؟

رأى الفلسطينيون من قرى ساحل الكرمل، بقرية الطنطورة حصنًا يحميهم من آلة التدمير والتهجير والقتل الصهيونية، إبان النكبة عام 1948، إذ لجأت إليها عائلات كثيرة، عندما وصلتها أخبار تهجير قرى بالجليل وتدمير أخرى في المثلث ومنطقة بيسان والنقب، وتشريد قرى مجاورة لهم.  

"اخترنا الطنطورة لأنها كانت مركزًا ثقافيًا واجتماعيًا وتجاريًا لكل قرى جنوب حيفا من عتليت وحتى قيسارية" أضاف عمي المرحوم نمر جربان. كانت تتمتع الطنطورة بمكانة وأهمية ومركزية خاصة، بفعل المقومات الاقتصادية والاجتماعية ووفرة الموارد والازدهار الثقافي والتجاري، لجانب المقاومة والقيادة الوطنية الواعية. هذا ما دفع بعشرات العائلات للّجوء إليها، معتقدة أن العصابات لن تستهدف الطنطورة أولًا، إلى أن أيقنوا أنه تقرر شن هجوم مسلح على القرية، فخرجوا وعادوا لقراهم التي اعتقدوا أنها ستكون لقمة سائغة للعصابات قبل حورية البحر.

هذه الحقائق وكثير غيرها، بقيت سنوات محفوظة في خلايا ذاكرة الناجين من المجزرة، وفي قلوب المهجرين المثقلين بالأعباء والمآسي، الذين همسوا بعض التفاصيل حول بشاعة المجزرة للأبناء والبنات فقط، لكنها لم تُنشر أو ترى نور الرأي العام وأصابع التحقيق وآذان وعقل الباحثين والمؤرخين حتى كشف الباحث الإسرائيلي، تيدي كاتس، وفي إطار دراسته الأكاديمية، في رسالة الماجستير، عن المجزرة الفظيعة والوحشية، ليثير الرأي العام الإسرائيلي بكل ميادينه، من الشعبية والإعلامية والسياسية وحتى القضائية.

وعقب الكشف عن المجزرة، كُتبت الروايات وسُطرت الكتب والمقالات وأُعدت الأشرطة والأفلام عنها، وبقيت ذكرى المجزرة بشهدائها وآلامها في حيز التوثيق دونما إحياء فعلي محسوس يُعيدنا لترابها وشاطئها وبحرها ويرافق الناجين وأهل الشهداء لعشقهم ولحجر بيتهم وخليج بلدهم الذي ما زال يلاطم موج البحر ويسرد الحكاية.

عوامل كثيرة حالت دون إحياء الذكرى على أرض الطنطورة المهجرة، ومنها حاجز الخوف والرعب لدى أهالي الشهداء، حتى بادرت، قبل 3 سنوات، جمعية "فلسطينيات" بالتعاون مع أهالي الطنطورة المهجرين المقيم قسم منهم في قرية الفريديس، إلى تنظيم أول نشاط وطني وثقافي على أرض الطنطورة، انطلق بمسيرة عودة إجلالا للشهداء.

إن أهمية الطنطورة في منطقة الكرمل ومكانتها التاريخية في الذاكرة الجمعية الفلسطينية، تستوجب علينا إعادة هيبتها ومركزيتها في الوعي الجمعي وضمن نشاطاتنا الوطنية. إن واجبنا الأخلاقي والوطني تجاه شهداء المجزرة يلزمنا أن نحيي ذكراهم على أرضها وشاطئها. إن مهجري القرية يناشدوننا للتماثل مع مشاعرهم وجراحهم ويدعوننا لنسير معهم إلى بيوتهم المدمرة ونقرأ الفاتحة على روح الشهداء في المقبرة الجماعية.

لقد حان الوقت لرد اعتبار وهيبة الطنطورة ومكانتها في الذاكرة الفلسطينية، وحان الوقت لتحويل نشاط إحياء ذكرى شهداء الطنطورة لطقس وطني رمزي لإحياء ذكرى شهداء شعبنا أجمعين، وليكن نشاط الطنطورة السنوي، مسيرة عودة سنوية إحياء لشهداء فلسطين. ولنبدأ بمأسسة هذا الطقس الوطني المقدس، العام القادم، من خلال تنظيم مسيرة العودة الواحد والعشرين لقرية الطنطورة، ولتتخذ لجنة الدفاع عن المهجرين والهيئات التمثيلية الوطنية لجماهيرنا قرارًا وتعلن عن هذه المبادرة الهامة والفارقة في تاريخ ورواية شعبنا.  

"راجعين للطنطورة"

غدا نحيي ذكرى مجزرة الطنطورة البشعة، للعام الثالث على التوالي، بتنظيم ودعوة من جمعية "فلسطينيات" وأهالي الشهداء، وذلك من خلال نشاط وطني وثقافي ومسيرة عودة للقرية التي دمّرها الاحتلال الصهيوني عام 1948، وقتل أكثر من 200 شخص من أبنائها وشرّد النساء والأطفال ونهب الممتلكات وأخفى الجريمة الإرهابية، بإقامة مستعمرات يهودية سياحية على أنقاضها.

 تمتاز مجزرة الطنطورة عن غيرها من مذابح اقترفتها العصابات الصهيونية بحق شعبنا، بأنها نُفذت بعد الإعلان عن قيام دولة إسرائيل من قبل كتيبة عسكرية منظمة "لواء إسكندروني" وكانت أول قرية تُقصف من البحر، إضافة لعدد الشهداء الكبير، وصمود المقاومين بوجه العدوان والاستعمار والاحتلال حتى سقطوا.

لنكرم شهدائنا الأبرار ونحيي مع ذويهم ذكراهم ونبكي رحيلهم، ولنسقي بدموعنا ومشاعرنا ونشاطاتنا ومسيرتنا قبورهم ونخلد أسماءهم ونرفع راياتهم.

ننطلق نحو إنجاح النشاط ونلتقي، غدا الجمعة، على شاطئ الطنطورة.

ملف خاص | 50 عامًا على حرب حزيران



تابعنا:

Instagram