لماذا فشل اليسار في استقطاب متضرري العولمة لصالح اليمين الشعبوي؟

لماذا فشل اليسار في استقطاب متضرري العولمة لصالح اليمين الشعبوي؟

د. إمطانس شحادة*

العولمة الاقتصادية هي مصطلح اقتصادي مرتبط بشكل بنيوي مع طرح اليمين السياسي الذي نما منذ نهاية سبعينيات القرن المنصرم، ويعني، في ما يعني، كشف الأسواق وتوسيع التجارة الدولية وتسهيل حركة الاستثمارات وتوغل الشركات العالمية في كافة بقاع الأرض، أو، باختصار، انصهار الاقتصاديات المحلية باقتصاد عالمي موحد. أما من الناحية السياسية، فتعني العولمة الاقتصادية انتصار فكر الاقتصاد الحر على الاقتصاد الاشتراكي أو الشيوعي بل اندثار الأخير.

لغاية العقد الأول من الألفية الثالثة، ساد الاعتقاد أن الغرب (الشمال الغني) حقق أهدافه الاقتصادية والسياسية والثقافية من العولمة وأنه المستفيد الأكبر، لكن منذ الألفية الثالثة، شهد الاقتصاد العالمي تراجعًا وحصلت أزمات مالية عصفت بالاقتصاد الغربي المتطور وأدت إلى تراجع النمو وارتفاع البطالة وأزمات سداد ديون.  

الاستنتاج السياسي المنطقي لتعثر توسع ونمو الاقتصاد العالمي، خاصة في الدول الغربية، يفترض أن تُعاقب أحزاب اليمين صاحبة مشروع الاقتصاد الحر والعولمة من قبل الناخب الأوروبي والأميركي، خاصة من قبل الفئات الاجتماعية المتضررة، وأن يشكل ذلك رافعة لعودة أحزاب اليسار- المعارضة للعولمة أو المطالبة، على الأقل، بترويضها، إلى سدة الحكم، لكن، وعلى أرض الواقع، نجد أن اليسار الأوروبي فَشِلَ في العقدين الأخيرين بإقناع المجتمعات الأوروبية بتبني ودعم مشروعه والعودة إلى سدة الحكم، وفضّلت تلك المجتمعات خيار اليمين لقيادتها، إذ يحكم اليمين المحافظ حاليا في أهم الدول الأوروبية وفي الولايات المتحدة، وإن كان تعريف اليسار واليمين في الولايات المتحدة مختلفا بعض الشيء عن المجتمعات الأوروبية. والسؤال المطروح هو لماذا فشلت أحزاب اليسار في إقناع الناخب الأوروبي أنها الأنسب للقيادة تحت هذه الظروف؟

لماذا فشل اليسار؟

منذ تسعينيات القرن المنصرم، ساد الاعتقاد في غالبية الدراسات الأكاديمية حول تأثير العولمة على تصرف الناخبين في أوروبا، أن العولمة لعبت دورا هاما في إعادة ترتيب الخارطة الحزبية وفي تغيير أنماط التصويت. أدى هذا التأثير إلى إنتاج شرخ جديد في المجتمعات الأوروبية مبني على الربح أو الخسارة من العولمة الاقتصادية. وفقا لهذا الشرخ، نظريًا، يدعم المتضررون من العولمة الاقتصادية، وهم غالبا من الطبقات الفقيرة والشرائح ذات مستويات التعليم المنخفضة، أحزاب اليسار التي تعرض في برامجها وفكرها حماية اقتصادية من إسقاطات العولمة. أما الرابحون، فيدعمون أحزاب اليمين التي يمكن أن تعزز هذا الربح عن طريق تعزيز العولمة الاقتصادية والاندماج في الأسواق العالمية. وعادة ما يكون الرابحون من الفئات الاجتماعية ذات مستويات التعليم العالية. أي أن منطق التصرف السياسي والانتخابي مبني على معايير الربح والخسارة الاقتصادية.

إلا أن هذه التفسيرات لم تطابق الواقع نتيجة تداخل عوامل ثقافية قومية مع العامل الاقتصادي في رد فعل الناخبين، إذ روفق توسيع وتعزيز العولمة الاقتصادية بعولمة ثقافية اجتماعية، وتنامي عمليات الهجرة من دول الجنوب والشرق الفقيرة إلى الدول الأوروبية الغنية. هذه التحولات خلقت واقعا ثقافيا واجتماعيا وديموغرافيا متحولا في أوروبا- تعدد الثقافات والديانات والقوميات- وساهمت في تعالي الأصوات المطالبة بالدفاع عن الهويات القومية الجمعية وعن الخصوصيات الثقافية، خاصة لدى الشرائح الفقيرة والمتدينة ذات مستويات التعليم المنخفضة. بهذا المعنى توسعت اعتبارات الربح والخسارة لتشمل مركبات ثقافية قومية دينية ولم تقتصر على منطق الحسابات المادية فقط. صحيح أن الخشية من الخسارة الهوياتية كانت أشد لدى الطبقات المتضررة اقتصاديا، لكنها لم تقتصر عليها، بل طالت أيضا طبقات اقتصادية مستفيدة من العولمة، لكنها ذات انتماءات هوياتية وثقافية محلية قوية رفضت "التضحية" بالانتماء القومي والهوياتي مقابل اعتبارات الربح المادي.

في هذه البيئة، وخاصة بعد الأزمات المالية العالمية التي هزت اقتصادات العالم منذ العام 2008، اشتد الخطاب الهوياتي الثقافي والقومي لدى أحزاب اليمين عامة ولدى اليمين الشعبوي خاصة؛ وبات التركيز على التهديد الاقتصادي والديموغرافي والثقافي الذي يشكله "الأجانب والغرباء" على الدول الأوروبية، عاملا مركزيا في خطاب أحزاب اليمين المتطرف، الذي طالب الدولة بتوفير حماية من تهديد الاندماج الثقافي والاقتصادي وانكشاف الأسواق. بذلك أعاد اليمين الروح لمركزية الانتماءات القومية والدينية بعد تراجعها في تسعينيات القرن المنصرم. كما تراجعت أهمية القيم الديموقراطية مقابل الدفاع عن الهويات، وزادت شرعية تضييق مفهوم الديموقراطية مقابل الحاجة لتوفير الحماية ومواجهة المخاطر الخارجية والداخلية. وشددت هذه الأحزاب على أهمية منع تآكل الانتماء الجماعي وانصهار القوميات المحلية مقابل الانتماءات الأممية العابرة للقوميات كحالة الاتحاد الأوروبي.

في هذا الواقع لم ينتبه اليسار الأوروبي، الذي تبنى جوانب كبيرة من طرح اليمين الاقتصادي، خاصة المصالحة مع انكشاف الأسواق والاندماج الاقتصادي العالمي، إلى أهمية مراجعة طرحه الاقتصادي وإلى أهمية العوامل الثقافية والقومية والحاجة الطبيعية لدى الشعوب إلى قواسم مشتركة هوياتية محلية، خاصة لدى الشرائح الفقيرة المستضعفة الخاسرة من التحولات الاقتصادية. طرح الاقتصاد الاجتماعي أو العودة إلى دولة الرفاه لم تشفع لأحزاب اليسار بإقناع الفئات المتضررة اقتصاديا دعمها في الانتخابات. ناهيك أنه حتى في الحالات القليلة التي وصلت فيها أحزاب اليسار إلى سدة الحكم، مثل اليونان والبرتغال وإسبانيا، فشلت في فرض سياسات اقتصادية جديدة والعودة إلى نهج الاقتصاد الاجتماعي وسرعان ما تراجعت عن وعودها الاقتصادية بسبب الإملاءات الاقتصادية الوافدة من الاتحاد الأوربي والمؤسسات المالية العالمية، واستعملت أدوات اقتصادية ناتجة عن تزاوج بين النظام الاقتصادي الرأسمالي مع بعض آليات دولة الرفاه. هذا التزاوج أعاق نمو يسار جديد جريء وواضح يقنع الجمهور بضرورة مواجهة جشع الأسواق وسيطرة رأس المال ويطرح مشروعا اجتماعيا واضحا؛ وفشلت في التعامل مع الخوف والتهديد على الهويات القومية والثقافية والدينية.

إذًا، إحدى الأدوات الأساسية لفهم تراجع أحزاب اليسار وتعزيز مكانة أحزاب اليمين في العقد الأخير تكمن في تحليل رد فعل المجتمعات الأوروبية، والمجتمع الأميركي مؤخرا، على العولمة وإسقاطاتها السياسية والانتخابية وفشل اليسار في طرح برامج وسياسات فعلية جديدة مغايرة وأجوبة واقعية لأسئلة الهوية.

هذا الواقع يتطلب وقفة جدية وإعادة نظر في مكانة فكر وطرح اليسار عامة والأوروبي تحديدا، ويبرز الحاجة الملحة للتعامل مع مسائل الهويات القومية والثقافية وخشية الشعوب من تآكل الخصوصية القومية المحلية. أي الحاجة إلى بناء تيار يساري قومي ديموقراطي، يوفر حماية للهويات القومية وللثقافات المحلية- وعدم الاكتفاء بالطرح الاقتصادي والاجتماعي- يشدد على القيم الديموقراطية والمنظومات الديموقراطية لمنع السقوط نحو أنظمة شعبوية فاشية. على اليسار إقناع المجتمعات بواقعية النظام الاقتصادي المختلط، الذي يروض جشع الأسواق ورأس المال دون أن يلغي نجاعة الأسواق في خلق التنمية الاقتصادية، والحفاظ على الخصوصية القومية والثقافية دون أن يحولها إلى سيف مشهور "لمحاربة" التهديدات الخارجية والداخلية، الحقيقية والمتخلية، وإعادة التشديد على أهمية القيم الديموقراطية كأفضل نظام يحمي المواطنين من بطش الأنظمة واستبداد السلطة. حينها، قد يعود اليسار ليشكل بديلا واقعيا لجنون اليمين المتطرف.

* أمين عام التجمع الوطني الديموقراطي

ملف خاص | 50 عامًا على حرب حزيران



تابعنا:

Instagram