ماذا ترك الجيل الهابط للجيل الصاعد!

ماذا ترك الجيل الهابط للجيل الصاعد!

سهيل كيوان

كلما سمعنا عن حادثة عنف جديدة نعرب عن دهشتنا ونَصفُ الجيل الصاعد بأقذع الألفاظ.

تعالوا نفحص على أرض الواقع ماذا تركنا للأجيال الصاعدة التي نقرّعها ونتّهمها بأقذع التهم.

أورثنا الأجيال الصاعدة قرى وبلدات وتجمعات أشبه بالمخيمات، اكتظاظ سكاني وشوارع ضيقة، اعتداءات من قبل الناس على الطرق العامة، لأننا لم نجد من يردعنا في بلدياتنا طمعًا بالأصوات.   

أورثناهم تجمعات بدون خرائط هيكلية، أو أنها خرائط قديمة لم تجدّد منذ عقود، لا تفي بحاجتنا الطبيعية.

كثيرون منا باعوا الأرض للسلطات أو لسماسرة أو بادلوا فيها مع دائرة أراضي إسرائيل بنسب سخيفة، مثل عشرة دونمات في الوعر مقابل دونم واحد داخل المسطح.

عرفنا سماسرة الأراضي وسكتنا عليهم بل حاولنا استرضاءهم.      

لم نترك للأجيال الصاعدة مناطق خضراء داخل تجمعاتنا ولا نوادي ومؤسسات كافية ليقضوا أوقاتهم فيها وينفسوا طاقاتهم من خلالها.

نتنازل للسلطات بسهولة عن الأرض عندما تريد إقامة مشروع، ونقبل بتعويض سخيف، ولكننا نسرق الطريق العام ونشعل حربًا لأجل عشرين سنتمترا مع جيراننا.

نحن نريد الحقوق من خلال استجواب الإجابة عليه معروفة سلفًا، لأن هذا أسهل بكثير من النضال الحقيقي المواجه.

نريد لغيرنا أن يتظاهر وأن يجلب لنا الحقوق دون أن نحرك ساكنا، بل ونحذر أولادنا من المشاركة، ونشتم ونسخر ممن يتحرّكون.   

معظمنا لا يريد لأبنائه وبناته المشاركة في النضال لأجل الحقوق، نريدهم أن يواصلوا تعليمهم وعملهم بدون منغصات، ونحذرهم من الاقتراب من العمل السياسي كما لو كان نارًا سيكتوون بها، فحوّلنا النضال لأجل الحقوق وكأنه العائق في الحصول على الحقوق، نريد الحقوق بدون ثمن.

علمناهم أن النجاة فردية ولا شأن لهم بالآخرين ما داموا قادرين على النجاة بأنفسهم.    

أورثناهم العصبيات العشائرية والحزبية، وعدم الإصغاء للرأي الآخر، والاستهزاء بالمختلف بدلا من حثهم على احترام المختلف كجزء من نسيجنا الجمعي.

معظمهم لا يعرف ما هو المطلوب منه وما هو الجيد أو السيء، قلنا لهم لا نريد شرطة في قرانا ولا خدمة مدنية ولم نُفهمهم بالضبط لماذا وكيف، ولم نقدم لهم البدائل.

أورثناهم النفاق والتقرب من المسؤولين للحصول على وظيفة أو عمل، ولم نعلمهم تحصيل حقهم بكبرياء.

قلنا لهم معك قرش تساوي قرشًا، ولم نقل لهم قرأت كتابًا تساوي وعيًا، أفهمناهم أن قيمتك هي بما تستطيع اقتناءه واستهلاكه، بموديل سيارتك وبما ترتدي من (الموتجيم) الباهظة.

عقدنا مقارنات سخيفة بلا نهاية أمامهم، ماذا قدم فلان في عرس ابنه من طعام وماذا قدم فلان، وهذا كرّس لديهم قيمة المظهر على الجوهر.         

 نادرًا ما نحثهم على القراءة أو على تعلم فن من الفنون مثل التمثيل والعزف والرسم والنحت، لأنه لا يعود عليهم بفائدة اقتصادية سريعة ومباشرة.

أدخلنا إلى رؤوسهم أن الناس وحوش يتربصون بهم ويريدون الانقضاض عليهم في لحظة ما، وأنه لا يوجد أناس طيبون، والعلاقات كلها مبنية على المصالح.

أفهمناهم بأن العرب وراء الحدود خونة ومتسولون ولصوص ومجرمون ومهما فعلت إسرائيل فينا تبقى أفضل، فرفعنا جدارًا بينهم وبين أبناء قوميتهم، وجعلناهم راضين بالفتات.

علمناهم إلقاء مسؤولية ما يجري لهم ولنا على شماعة اسمها الملوك والزعماء العرب الذي خانوا فلسطين، أو على هذه الحركة أو تلك وتجاهلنا مسؤوليتنا.

علمناهم أنه لا يوجد شرفاء وخلطنا الصالح بالطالح، حتى جعلناهم يشكّون بعضهم ببعض.

علمناهم تقييم الناس من خلال الموقع الجغرافي الذي يسكنون فيه، فمن يسكن في الكرمل ليس كمن يسكن في حي فقير، حتى لو كان ساكن الكرمل نصابًا دوليا وقاتلا.

لم نحثهم على مكارم الأخلاق وعلى صلة الرحم، بل أن البعض "يزعل" من ابنه إذا وصل رحمًا من دون موافقته، أو عمل خيرًا كتبرع لجمعية أو لمحتاج دون أن يخبره.

هاجمنا وشككنا بالجمعيات ولجان الزكاة والأحزاب والنشطاء والحركات السياسية وعضوية البرلمان ولجنة المتابعة بأن هدفها رواتب ومصالح وسرقات فزرعنا فيهم عدم الثقة بكل هؤلاء.  

منحنا أبناءنا الذكور شعورًا بأنهم أفضل وأهم لنا من أخواتهم الإناث، من خلال فرص التعليم وتقسيم الميراث هذا إذا وُجِد، وأن من حق الشقيق الذكر تأديب شقيقاته وتهديدهن وحتى ضربهن، ما لم يلتزمن الدستور الذي يفصّله لهن كما يشاء.

عندما يقول لنا أحد أبنائنا الذكور إنه على علاقة بفتاة ما نبتسم ونمنحه الشعور بالنصر والرجولة، وإذا علمنا بأمر مشابه بالنسبة للبنت، غضبنا وحرّضنا شقيقها عليها وعاقبنا والدتها على التربية السيئة.

نتقبل بارتياح أو بلا مبالاة إذا علمنا أن ابننا يحب فتاة من غير دينه وملته، ولكن إذا علمنا أن الابنة أحبت شابًا من غير الملة أقمنا قيامتها.  

أورثناهم أن التسامح مع من أخطأ معنا ضعف ونذالة، وأن الرجولة بالتفوق الجسماني والرد العنيف.                  

أورثناهم تخوين الآخرين واستصغار شأنهم، فهناك "مهمة نضالية" كبيرة لدى البعض هي تخوين الآخر وشيطنة المختلف المنافس، فلا يوجد شيء اسمه مبادئ وقناعات وأفكار متحررة، حتى صاروا يرون أكثر الناس خونة.

لم نربهم على عدم التدخل في الشؤون الخاصة للآخرين واعتبارها عيبًا خطيرًا فصاروا فضوليين بصورة مستفزة.  

نحكي أمامهم قصص الشعور بالنقص أمام اليهودي وكأنها إنجازات، فنسرد بمتعة كيف استغرب اليهودي أنني عربي لأنني فعلت كذا وكذا، وأن أحدهم لم يصدق بأنني عربي بسبب تصرفاتي الراقية، حتى زرعنا فيهم عقد النقص أمام اليهود والأجانب.

اعتبرنا من يحاول رفع سقف أدائنا النضالي مغامرًا ومخربًا للعمل الوطني، وأنه متطرف ويزيد من كراهية اليهود والسلطة لنا.  

بعد هذا ننتظر من الأجيال الصاعدة أن يكونوا متسامحين على طريقة غاندي وفلاسفة على طريقة جان جاك روسو وغير مزعجين ومسالمين وطيبين مثل حمام مكّة ومغردين كالبلابل، إنهم ضحايانا مثلما نحن وهم ضحايا السلطة، فإذا أردنا أن نصلح الجيل الصاعد علينا البدء نحن الجيل الهابط بأنفسنا.