القدس هاجس إسرائيلي

القدس هاجس إسرائيلي

سليمان أبو إرشيد

ما زالت القدس، ورغم طي ملف أزمة البوابات الإلكترونية في الحرم، تشكل بالنسبة لإسرائيل، عود الكبريت الذي من شأنه إشعال وتأجيج الانتفاضة القادمة، أو ربما برميل البارود الذي يتسبب بالانفجار القادم والذي قد يتجاوز فلسطين إلى محيطها العربي والإسلامي.

هذا التخوف الإسرائيلي هو ما جعل حكومة نتنياهو تتراجع تحت وقع أقدام أهل القدس وصمودهم، الذي فاجأ الفلسطينيين قبل أن يفاجئ الإسرائيليين، حيث سطروا صفحات مضيئة في البطولة والتضحية خلال المنازلة التي دارت على مدى أيام وأسابيع مع الاحتلال، دفاعا عن أقصاهم وحرمهم وكرامة مدينتهم المقدسة.

لقد حصدت إسرائيل ما زرعته مفردات سياستها من عزل وحصار وقمع ضد الإنسان المقدسي، الذي حولته على حد تعبير الصحفي الإسرائيلي نير حسون، في كتابه الذي صدر حديثا تحت عنوان "أورشليم"، إلى إنسان فقير يعاني من اضطهاد كبير ومتواصل من قبل الأجهزة السياسية والإدارية الإسرائيلية، فهو "يسكن في بيت "غير قانوني"، مهدد بالهدم، ويتعلم أولاده في غرف تدريسية غير صالحة تابعة لمدرسة جرى تعيين مديرها من قبل "الشاباك"، وفرضت رقابة على كتبها التدريسية من قبل البلدية، يسكن في شارع بلا اسم ولا يوجد رصيف بجانب بيته...، يعرف هو وأولاده جيدا رائحة الغاز المسيل للدموع وجميع أنواع الرصاص الإسفنجي والقنابل الصوتية...، يقع وضعه القانوني تحت طائلة التهديد الدائم وتقع هويته الوطنية خارج دائرة القانون... ولا يمتلك حق التصويت لأي برلمان كان".

قصة "أورشليم" التي رواها نير حسون، وصفها الوزير الإسرائيلي الأسبق، أبراهام بورغ، في مقال نشرته "هآرتس"، بأنها أحسنت سرد قصة "المدينة الـموحدة - مقسمة" التي وقعت خلال الـ50 سنة الأخيرة في الهاوية التي تفصل بين البلاغة المحرجة عنها، والواقع البائس في شوارعها.

القدس - العاصمة الفلسطينية، استهدفت من قبل إسرائيل منذ اليوم الأول لاحتلالها، فعزلتها عن محيطها الفلسطيني أولا عبر تغيير وضعيتها القانونية، بواسطة سحب السيادة الإسرائيلية عليها وبواسطة عزلها عبر الحواجز والجدران لاحقا، وثانيا بممارسة سياسة إفقار وتطهير عرقي ضد أهلها، مقرونة بمحاولات تهويد المكان عبر الدخول في شرايين حياته الأكثر حساسية (الأحياء المتاخمة للبلدة القديمة - سلوان والشيخ جراح والبلدة القديمة ذاتها)، وصولا إلى موقع القلب منه، ألا وهو المسجد الأقصى المبارك.

في هذا السياق، يشير وارن سبيلبرغ، في مقاله بصحيفة "هآرتس"، أن حياة الشبان الفلسطينيين بالقدس مشبَّعة بالذل والحرمان، والفرص الضائعة، ويحتل الأقصى في حياتهم الشخصية كما في هويَّتهم الجمعية، مكانة خاصة، حيث يمدهم بالشعور بالانتماء والمقصد والمعنى.

سبيلبرغ، وهو باحث أميركي من أصول يهودية، أجرى دراسة حول الشباب في القدس، بدعم من منظمة اليونيسيف، يقول إن المدارس شديدة الازدحام، وتعاني من خلل إداري، كما يسيطر عليها مناخٌ من العنف المدرسي، فيما تبلغ نسبة التسرب بين المراهقين الذكور أكثر من 50%، كذلك يعاني هؤلاء الشباب من انعدام أماكن العمل ومساحات الترفيه أيضًا، ويشير إلى الازدحام السكاني، بسبب القيود المفروضة على تراخيص البناء، الأمر الذي يزيد من التوتُّر بين العائلات، ويغيب العديد من الآباء عن بيوتهم، لأنَّ عليهم ممارسة أكثر من عمل واحد لإعالة أسرهم، بينما اختار آخرون العمل خارج فلسطين، ويقبع البعض الآخر بالسجون.

ويصف الباحث حياة الشباب الفلسطيني بأنها قاسية ومخيفة، ففي البلدة القديمة وفي الأحياء المجاورة بالمدينة المقدسة، توقِف قوات الأمن الإسرائيلية الشباب الفلسطيني يوميًا، وتستجوبهم، وتطالبهم بإبراز أوراق هُويتهم.

ويعاني شباب القدس، كما يقول، من فقدان الهُوية، فهُم معزولون وفاقدون للاتصال الثابت مع الضفة الغربية الأحسن حالًا، والتي تمتلك مصادر أغنى تُغني هوّيتها الثقافية والدينية والحال كذلك، يجد المقدسيون عزاءهم في الإسلام، بصفته منبع الهُوية الوحيد ذي المعنى في حياتهم، كما يجدونه في رمز الإسلام الثابت، المسجد الأقصى. وفي هذا الصدد يقول سبيلبرغ، إن كُل شاب أجريت معه مقابلة تقريبًا يضع المسجد الأقصى في مركز أفكاره وآماله، ويرون أي تهديدٍ للوصول إليه بمثابة عملية إبادة لذواتهم الروحية والنفسية.

ولا تشذ قراءة الباحثين للواقع المقدسي، عن تقديرات أجهزة الأمن والمخابرات الإسرائيلية، التي تحذر من كون الحرم القدسي نقطة احتكاك حساسة قابلة لإشعال انتفاضة ثالثة ذات أبعاد قومية ودينية، وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى كون القدس عاملًا موحدًا، كونها تقع في منطقة الحياد بين الضفة وغزة والـ48، وتشكل، بما ترمز إليه دينيًا وقوميًا، محل إجماع وطني، وهو الأمر الذي ظهر جليا خلال الأزمة الأخيرة.