03/08/2013 - 12:56

ألزهايمر: إن كانت هي ليست هي فمن أكون؟../ هنادي زرقه

"عندها... ألزهايمر". أذهلني التشخيص وارتبكتُ. وسرعان ما خطر في ذهني أسوأ أمرين: العيش في مجتمع يعتبر المرض النفسي عقوبة إلهية تحلُّ بآثمٍ كبير والصعوبة الكبيرة في إقناع من حولها أنها مريضة.

ألزهايمر: إن كانت هي ليست هي فمن أكون؟../ هنادي زرقه

"عندها... ألزهايمر".
أذهلني التشخيص وارتبكتُ. وسرعان ما خطر في ذهني أسوأ أمرين: العيش في مجتمع يعتبر المرض النفسي عقوبة إلهية تحلُّ بآثمٍ كبير والصعوبة الكبيرة في إقناع من حولها أنها مريضة.
"إثمنا كبير، لا نعلم كم ارتكبنا من خطايا!!" كثيراً ما ردد الزائرون.
كرهتُهم وأصررت: "ليست خَرِفَة، إنّها مصابة بمرض نفسي: ألزهايمر".
ولشدَّ ما قوبلت بسخرية مريرة، ونظرات إشفاق لئيمة من كلّ زائر!

ليست بالآثمة! لا أقول هذا من باب التصوير الرومانسي للأحبّة. ولا هي بالقديسة أيضاً! امرأة قروية بسيطة ومدبّرة، ذكية وصبورة، سريعة التعلم مع أنها لا تجيد القراءة والكتابة، لا تعرف الكره، تحب الآخرين وتفرط في مساعدتهم، الأمر الذي لُمتُهَا عليه كثيراً.

هل ثمة عدل في هذا: أن يهزمنا المرض في وقتٍ كدنا ننتهي من كلِّ متاعبنا؟ ألا يحقُّ لنا أن نستريح ونفرح؟ كلّ شيء بدا مفاجئاً على نحو مؤلم.
في البداية، راحت تنسى التواريخ والأمكنة وكيفية استخدام أدوات المنزل وأخذت تفقد أغراضها الشخصية. كان ذلك هيّناً مقارنة بما تلاه، مع المزيد من تدهور حالتها: نسيان مفردات اللغة اليومية، فقدان القدرة على تركيب جملة واحدة.

أحاول مساعدتها، فتنهرني، قائلةً: "أعرف.. أعرف".
لكنها لا تعرف.

مع استمرار التدهور، كانت حالتي تزداد سوءاً. بدأت بإعادة ترتيب حياتي على نحوٍ يتلاءم مع حالتها النفسية والصحية، وغيّرت عاداتي اليومية من زيارات وسهر، وصولاً إلى إلغاء كلّ شيء والتفرغ لها. تحولتُ بسرعة إلى فتاة أخرى لا تشبهني، فتاة غارقة في التفاصيل اليومية من طبخ وغسيل وتنظيف وهذا ما كنتُ أخشاه وأهرب منه على الدوام. لطالما راودتني أفكار غريبة في ما يخصّ مستقبلي. لطالما حلمت بأن أقضي حياتي كلها في القراءة وكتابة الشعر ومشاهدة الأفلام. بدأت بتخفيض ساعات المطالعة. واضطررتُ إلى مصاحبةَ نساء القرية، حتى انني شاركتهنَّ النميمة في أوقات كثيرة، كنت أفعل كلّ ما من شأنه أن يبقيها على اتصال بالبشر والعالم الذي يفصلها عنه باب ونسيان.

كنتُ، كلما حلّت مرحلة جديدة من مراحل المرض، أُصاب بذاك الارتباك الذي سبق أن اعتورني في البداية، وأجد نفسي مقيدة بمزيد من السلاسل التي لا أعرف منها فكاكاً.
ما الذي يجري؟

حاولت كثيراً أن أفهم آلية هذا المرض. شاهدت أفلاماً كثيرة عن المرض نفسه، وقرأت عنه الكثير، بما في ذلك حالات سريرية لأشخاص أصيبوا بهذا المرض. بيد أنّ المراجع وتلك الحالات جميعها لم تسعفني في فهم ما يحصل. ذلك أنّ لكلّ مريض قصته وسيره المرضي الذي يخصه وحده ولا يشبه أيّ حالة أخرى. هكذا، كان عليَّ أن أقرأها هي، في مرضها هي، لا أن أقرأ المرض وغيرها من المرضى. كان عليّ أن أتكيف وأبتكر طريقتي الخاصة في التعامل معها.

أي مصيبة تحلُّ بإنسان إذ يمرض في مجتمعات تعتبر المرض، خاصةً النفسيّ، عيباً أو ذَنْبَاً؟ كيف يمكن الحديث عن نهضة مجتمعية وتطور في التكنولوجيا والمعلومات، في حين يندر وجود المصحّات التي يُطْمَأَن لها، والأطباء المختصين، والجهات التي تَعنى بالشيخوخة أو تبدي حيالها أدنى احترام!! غير أن أسئلتي المتعجّبة هذه ربما كانت تصحّ قبل العام 2011. أمّا الآن، فلعلّ كلّ هذا أن يكون محض هلوسة في بلد صار مزيجاً من المسلخ والعصفورية (مشفى المجانين). فلأضحك في سرّي، أنا المحظوظة بصديقتي الطبيبة المختصة بألزهايمر، بين قلائل في سورية اختصوا في هذا المرض.

ألزهايمر! ألزهايمر! أيها المرعب!
تفتحُ الباب ليلاً لتنطلق على غير هدى مضلّةً طريق العودة. تعيد إلى الحياة أناساً فارقوها منذ زمن طويل. تناديك بأسماء مجهولة. تكلمني عنّي بوصفي غيري. تعتزل الواقع. تنكفئ في نسيانها، ويبدو المرض مثل قوقعة بطيّات وطبقات كثيرة تلفّها وتغلّفها.
تطبق الحلقة عليَّ أكثر فأكثر. ينأى الآخرون. الاختناق قريب، ممتزج بالقلق والأرق اللذين لا ينتهيان.

غَدَتْ عاجزةً عن أداء وظائفها الفيزيولوجية. باتت طفلاً صغيراً يتحرك دون وعي. طفلاً لا يجيد شيئاً سوى مواصلة الفَقْد. قد يغدو كائناً كثير الحركة فجأة، فيدخل في نوبات هياج وغضب، ما يُدْعى علمياً مرحلة "الطواف"، وفيها يقوم المريض بأفعال مكرورة لا معنى لها، كأن يجول في المنزل متخذاً من نقطة مركزاً له يبدأ الطواف حولها مثل تائه مع سورات غضب وفرط مقويّة عصبية.
"الطواف"؟! "الطواف"؟! يا للكلمة!

صور مريعة

تحضر الكعبة وقد وضع المشركون فيها أصنامهم وراحوا يطوفون ويصلّون، وما كان من طوافهم شيء على النحو المعروف للطواف، "وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً"، مجرد صفير وتصفيق وهم عراة رجالاً ونساءً. وتحضر في الإسلام، بعد أن ينتهي الحجاج من رمي الجمرات ومغادرتهم مشعر منى، ويريدون الخروج من مكة والعودة إلى بلدانهم بعد الانتهاء من المناسك، إذ يجب عليهم أن يطوفوا طواف الوداع حول الكعبة سبعة أشواط، ويصلّوا خلف مقام إبراهيم ركعتين ختاماً للمناسك ويكون آخر عهدهم المسجد الحرام قبل مغادرتهم مكة المكرمة، بعد أن كان الناس ينصرفون من كل وجه، فقال النبي محمد: "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت"، إلا انه خفف عن المرأة الحائض، وبعد الانتهاء من الطواف يخرج الحجاج من مكة عائدين إلى بلدانهم.

غير أنها، بدل أن تقصد الكعبة وتطوف حولها وترجع حاجّةً، تطوف في دائرة مفرغة، دائرة النسيان، دائرة اختلاط الليل بالنهار لا تميّز واحدهما من الآخر. وأنا أفقد اتزاني، وعليَّ في الوقت نفسه أن أتماسك وأبدو قوية، وأقابل ذلك كلّه بالعقل المنطقي الساخر،أغطي به عجزي ويأسي وغضبي وجنوني. أيّ عدل؟ وما العِظَة؟

كان عليَّ ألّا أكفّ عن تذكّر أنها فقدت ذاكرتها، وأنَّ الشخص الجالس قبالتي ليس هي، بل شخص آخر. لكني أنسى ذلك كلّه، وأسألها: "هل أنت بخير؟ أتعرفين من أنا؟" كثيراً ما أعاملها كشخص سويّ لأكتشف أنني مريضة أحتاج من يذكّرني بمرضها، وبأن هذه التي أمسك بيدها وأقودها إلى الحمام أو السرير أو الأريكة هي وليست هي، وبأنّ لديها القدرة على بلبلة هويتي أيضاً فأغدو أنا ولست أنا، لا بالنسبة إليها فحسب، بل بالنسبة إليّ أيضاً، ومن يدري بالنسبة إلى من أيضاً. في أوقات أخرى، تتوارى المشاعر في تنفيذ هذا الروتين اليومي وأغدو إنساناً آلياً يقوم بمهمات محددة كالإطعام والتنظيف، وسرعان ما يتبع ذلك تأنيب ضمير لا ينتهي إلا بالابتعاد أو مغادرة المنزل. أخبرني بعضهم أنَّ من الضروري الحزم في هذا المرض إذا ما أردنا السيطرة عليه، لكن نظراتها التائهة تهزمني.

هي هي وليست أنا، مع أنها تناديني كأنني أنا التي هي وهي التي أنا. تعتبرني إياها وتسألني عن الطرف الثالث الذي لا بد منه كي تكون. ألقي عليها الأوامر وأداري بكائي، ولا أقدر أن أتمالك أيّ شيء.

يحدث أن تقع على الأرض وتغيب عن الوعي أو تدخل سباتاً طويلاً، فأحسب في قرارة نفسي إنها النهاية، ولا أعلم إن كنتُ سعيدة أم حزينة. أتخبّط وتختلط مشاعري، لكني في الحقيقة أشعر بمرارة فقدها، وأخاف من فكرة موتها، ويغدو هاجسي اليومي مراقبة تنفسها.

لطالما فكرت بمغادرة هذه البلاد، خاصةً بعد أن غدت مسلخاً لا نهاية له. أنظر إليها بعينين داميتين: "ساعديني... يجب أن أرحل"، لكني أقول في اللحظة ذاتها: "يا لي من قاسية". أتصورها عقبة في طريقي وحاميتي في آن معاً. أشعر أني كرة روليت لا تعلم أي مسار تلج. كيف يمكنني أن أقطع حبل السرة؟؟

يتناقص عدد الزوار بمرور الوقت، يتطاول غياب الأقرباء. وهي متلفّعة بالصمت على الدوام، غير مكترثة بمن يأتي أو يرحل. لا حزن، لا فرح، لا ألم، لا لذّة, لا جوع، لا عطش، حتى إنني أنسى في أوقات كثيرة أنها متمددة على الأريكة جواري، إذ تغدو كائناً جامداً..جزءاً من الأريكة. بيد أني بتّ أحسدها على فقدان الذاكرة كلما شاهدت نشرة أخبار المسلخ أو رأيت صوره المريعة أو احتككت بأطرافه، حكّاماً وثوّاراً. يا لها من محظوظة! لا تقضّ مضجعها المذابح ولا يرهبها تفجير ولا تفكّر في المستقبل. غدا كلُّ شيء وراءها بعيداً بعيداً يصعب استرجاعه. أمّا أنا فأحاول أن أعتاد غيابها، أحاول أن أعتاد موتها وهي لا تزال على قيد الحياة، شأنها شأن بلاد غدت مسلخاً لا يريم.
"السفير"

التعليقات