يشهد المناخ الأمني التونسي منذ بداية عام 2025 حالة من التحوّل البنيوي العميق تعكس مزيجًا من الضغوط الداخلية والإقليمية التي تعيد تشكيل مفهوم الأمن الوطني في البلاد؛ إذ إنه بعد أكثر من عقد على الثورة، لم يعد الخطر الأمني مجرد مسألة حدودية أو عسكرية، بل أصبح منظومة متشابكة تجمع بين تهديدات عابرة للدولة وأخرى نابعة من هشاشتها الداخلية. تبرز الحدود الشرقية مع ليبيا كنقطة الاشتعال الأخطر في هذا المشهد، إذ لم تعد مجرد خط جغرافي يفصل بين دولتين، بل أصبحت مسرحًا لتقاطع الجريمة المنظّمة والإرهاب والتهريب والهجرة غير النظامية؛ الأمر الذي دعا الحكومة التونسية إلى تمديد المنطقة العازلة العسكرية حتى عام 2026 وإنشاء الجدار الترابي بطول 220 كيلومترًا بين رأس جدير وذهيبة، والمزوّد بأنظمة مراقبة إلكترونية وجوية، بما يجسّد انتقال تونس من مقاربة أمنية تقليدية قائمة على الاستجابة إلى نموذج جديد من التحصين الوقائي الذي يمزج بين الهندسة الميدانية والتكنولوجيا الرقمية. غير أن هذا التحصين المادي والتقني لا يحجب التحدي الأكبر المتمثل بهشاشة البنية الاجتماعية والاقتصادية في الداخل التي تغذّي من جديد جذور التطرف والعنف، على اعتبار أن المناطق الجبلية الغربية مثل القصرين وجندوبة تحوّلت إلى مساحات رمادية تتقاطع فيها البطالة والتهميش وضعف الخدمات مع خطاب ديني احتجاجي يمنح الجماعات المتشددة قدرة دائمة على التجدد والتجنيد.
نعم، تراجع الإرهاب في شكله التقليدي الهرمي، لكنه أعاد إنتاج نفسه في صورة جماعات صغيرة وخلايا نائمة يصعب رصدها أو اختراقها، ما يجعل الأمن التونسي في مواجهة تهديد لا مركزي يُنهك قدراته الاستخباراتية.
في موازاة ذلك، تحوّلت أزمة الهجرة غير النظامية إلى ملف أمني–دبلوماسي بامتياز، إذ وجدت تونس نفسها في قلب معادلة أوروبية متشابكة تجعلها في موقع الحارس الجنوبي للحدود المتوسطية؛ فالاتحاد الأوروبي، عبر سياسات التمويل المشروط، يدفع تونس نحو مزيد من عسكرة السواحل والحدود، بينما تتزايد الانتقادات الحقوقية لتعامل الأجهزة الأمنية مع المهاجرين، ما يضع البلاد في مأزق أخلاقي بين ضرورات السيادة وضغوط الشركاء الدوليين. هذا التوتر يعكس كيف أصبح الأمن التونسي ليس فقط دفاعًا عن الحدود، بل عن الصورة الدولية للدولة نفسها.
أما في الداخل، فيبرز ضعف الحوكمة الدفاعية كإحدى نقاط العطب البنيوي التي تعيق تحديث المؤسسة العسكرية والأمنية، على اعتبار أن غياب الشفافية في ميزانيات الدفاع، وضعف الرقابة البرلمانية، يجعل من سياسات التسلّح والإنفاق الدفاعي مجالًا مغلقًا أمام المساءلة، وهو ما يفتح الباب أمام الفساد الإداري وسوء توزيع الموارد.
يمكن القول إن هذا الخلل البنيوي يُضعف من قدرة الجيش على التحديث، ويزيد تبعيّته للتمويل الخارجي، ما يهدّد استقلال القرار الأمني الوطني على المدى الطويل.
وعليه، فإن المشهد الأمني التونسي اليوم لا يمكن قراءته كقائمة منفصلة من التهديدات، بل كنظام متكامل من الأزمات المتداخلة، فيها حدود غير مستقرة، وداخل هشّ اقتصاديًا واجتماعيًا، وضغوط خارجية تجعل من الأمن أداة للسياسة أكثر من كونه وسيلة لحماية المجتمع. عمومًا، فإن ما تواجهه تونس ليس فقط خطر الاختراق أو الإرهاب، بل خطر أن تتحوّل المقاربة الأمنية نفسها إلى بنية دائمة للحكم، تُعيد إنتاج عسكرة الدولة في ثوب قانوني وتكنولوجي جديد.
تشير استجابات الدولة التونسية خلال السنوات الأخيرة إلى تحوّل جذري في مفهوم الأمن الوطني، من إدارة ظرفية للأزمات إلى بناء منظومة دائمة من الاحتواء الميداني القائم على العسكرة والتكنولوجيا والتحالفات الدولية، لا سيّما وأنّ تمديد المنطقة العازلة العسكرية مع ليبيا حتى عام 2026 يأتي بوصفه التعبير الأكثر وضوحًا عن هذا التحوّل، حيث باتت الحدود الشرقية والجنوبية الشرقية للبلاد تمثّل خط الدفاع الأول عن استقرار الدولة؛ فالمنطقة العازلة التي أُنشئت لأول مرة عام 2013، ثم جرى تطويرها تدريجيًا لتشمل خنادق بعمق مترين وساترًا ترابيًا يمتد على طول 220 كيلومترًا، عام 2015، أصبحت اليوم أشبه بمختبر أمني ميداني يُختبر فيه تفاعل المؤسسة العسكرية مع المجال المدني. وقد زُوّدت هذه المنطقة بشبكة مراقبة إلكترونية متقدّمة تشمل رادارات أرضية وكاميرات حرارية وطائرات استطلاع من دون طيار، ما جعلها واحدة من أكثر المناطق تحصينًا في شمال إفريقيا، غير أنّ هذا التحصين المادي ترافق مع تحوّل اجتماعي حساس في المناطق الحدودية، إذ يرى جزء من السكان في هذه الإجراءات تهديدًا مباشرًا لأرزاقهم القائمة على التجارة الموازية وتجارة (بالمعنى الأدق تهريب) الوقود والسلع، وهو ما خلق حالة من التوتر بين الدولة والمجتمعات المحلية التي تشعر بأنها تُعامَل كمنطقة أمنية أكثر منها فضاءً للتنمية. بهذا المعنى، أصبحت المنطقة العازلة حدًا بين دولتين وفاصلًا داخل الدولة الواحدة، تُعيد رسم العلاقة بين المركز والهامش على أسس أمنية بحتة.
وفي موازاة عسكرة الحدود البرية، توسّعت الدولة في بناء شبكة تعاون دولي لتعزيز قدراتها الدفاعية. فقد كثّفت وزارة الدفاع التونسية مشاركتها في مناورات متعددة الجنسيات، كان أبرزها قمة African Maritime Forces Summit 2025، التي جمعت تونس مع الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية والإفريقية، في إطار سعي مشترك لمكافحة التهريب والإرهاب البحري. يوفر هذا الانخراط الأمني الدولي لتونس دعمًا تقنيًا وتدريبيًا متقدّمًا، شمل تطوير أنظمة الرصد الساحلي وتبادل المعلومات الاستخباراتية، لكنه في المقابل أدخلها في دائرة اعتماد متزايد على الشركاء الغربيين، الذين يربطون المساعدات الأمنية بشروط تتعلق بملف الهجرة وضبط السواحل. وهكذا أصبح الأمن البحري أيضًا جزءًا من هندسة أمنية أوسع، تُرسم ملامحها في بروكسل وروما وواشنطن بقدر ما تُدار في تونس، ما يثير جدلًا متزايدًا حول حدود السيادة الوطنية في صناعة القرار الأمني.
أما في الداخل، فقد شهدت الدولة توسّعًا ملموسًا في صلاحيات الأجهزة الأمنية تحت غطاء حماية الأمن القومي. إذ باتت وزارة الداخلية تملك سلطات واسعة في التوقيف الإداري والمراقبة الرقمية، في حين أُعيد توظيف قوانين مكافحة الإرهاب لملاحقة الصحفيين والنشطاء والمعارضين. وقد رصدت تقارير حقوقية، من بينها تقرير Human Rights Watch 2025، اتساع دائرة الاعتقالات بناءً على تهم فضفاضة تتعلق بنشر معلومات تمس هيبة الدولة أو تعرّض الأمن القومي للخطر. هذا التداخل بين الأمني والسياسي أنتج ما يمكن وصفه بـ الأمننة القانونية، وأنتج الدولة الأمنية في العهد الجديد، أي تحويل أدوات القانون إلى وسيلة للضبط الاجتماعي والسيطرة السياسية، بحيث يغدو الأمن مبررًا دائمًا لتقييد الحريات وتهميش الفاعلين المدنيين.
في ضوء هذه التطورات، يمكن القول إن الاستجابات الأمنية التونسية، رغم نجاحها النسبي في تحييد التهديدات العابرة للحدود، أنتجت في الوقت نفسه بيئة داخلية مشدودة بين مطلب الأمان وهاجس الحرية. فالمنطقة العازلة لم تعد مجرد مشروع هندسي لحماية الحدود، بل أصبحت رمزًا لتحول أوسع نحو هندسة الدولة الأمنية التي تمتد من الصحراء إلى المجال العام، حيث يتقدم الأمن على السياسة، ويُختزل الاستقرار في تحكيم العسكر والتكنولوجيا بدل المشاركة والحوكمة.
إعادة إنتاج العسكرة كآلية للسلطة
منذ عام 2021، شهدت تونس تحوّلًا بنيويًا عميقًا في منظومة الحكم بعد تركيز واحتكار السلطة التنفيذية والتشريعية عمليًا في يد الرئيس قيس سعيّد، وهو ما مثّل نقطة انعطاف مفصلية في العلاقة بين المدني والعسكري في البلاد؛ وانتقلت المؤسسة الأمنية والعسكرية من موقع الفاعل الثانوي في المشهد السياسي إلى موقع الضامن المركزي لاستمرارية النظام، لتصبح جزءًا لا يتجزأ من الهندسة الأمنية للسلطة الجديدة. هذا التحول لم يكن فجائيًا، بل جاء نتيجة تراكم طويل من الأزمات السياسية والاقتصادية التي كشفت ضعف المؤسسات المدنية، ودفعت الدولة إلى إعادة توظيف أدواتها الصلبة باعتبارها وسيلة فعّالة لضبط الفوضى واستعادة السيطرة؛ لا سيما مع تصاعد الخطاب الرسمي حول الأمن القومي و حماية الدولة من الانهيار، حيث بدأت العسكرة تتسلل تدريجيًا إلى تفاصيل الحياة الإدارية والسياسية، في ما يمكن تسميته بـ العسكرة الزاحفة التي لا تُعلن عن نفسها في شكل انقلابي، بل تتجذر ببطء عبر الأدوار الموازية التي تُمنح للجيش والأجهزة الأمنية في إدارة الشأن العام.
أصبحت المؤسسة العسكرية في السنوات الأخيرة تؤدي أدوارًا متعددة تتجاوز وظيفتها الدفاعية التقليدية، إذ كُلّفت بمراقبة الانتخابات وتأمينها، والإشراف على توزيع المواد الأساسية خلال الأزمات الاقتصادية، وتنظيم حملات الإغاثة في الكوارث الطبيعية، بل وحتى التدخل لضبط الأسعار ومراقبة السوق. وبذلك تحوّل الجيش من مؤسسة سيادية محددة الاختصاص إلى فاعل إداري واقتصادي، يملأ الفراغ الذي خلّفته المؤسسات المدنية الضعيفة أو المشلولة. غير أن هذا التوسع، رغم ما يمنحه من استقرار ميداني مؤقت، يعيد إنتاج منطق الدولة السلطوية في ثوب جديد، حيث تُختزل فعالية الدولة في حضورها الأمني لا في كفاءتها المؤسسية أو قدرتها على التمثيل الديمقراطي. فبدل أن يُعاد بناء الثقة بين المواطن والدولة من خلال إصلاحات مدنية وتنموية، تم استبدال هذه الثقة بخطاب الحماية الذي يُضفي على الأجهزة الأمنية دور المنقذ الوطني، بينما يجرّد المجتمع من دوره كشريك في صناعة القرار.
هذا التغلغل الأمني في البنية السياسية يتغذّى على مناخ من الخوف واللايقين، حيث يتم تصوير أي معارضة أو احتجاج كتهديد مباشر للدولة، فيُبرّر ذلك مزيدًا من التوسع في صلاحيات الأجهزة الأمنية.
ومع مرور الوقت، يصبح الأمن نفسه عقيدة للحكم، لا أداة لخدمته، ويغدو الخط الفاصل بين الدولة الحامية و الدولة المهيمنة باهتًا. إنّ ما يحدث في تونس منذ 2021 ليس مجرد توسع في أدوار الجيش لضمان الحدود الشرقية والجنوبية الشرقية للبلاد، بل هو عملية إعادة صياغة للشرعية السياسية على أسس أمنية، حيث تتحول القدرة على فرض النظام إلى معيار للمشروعية بدل المشاركة أو التمثيل؛ كما الحال في أي دولة شمولية Totalitarian قائمة على مبدأ "قوانين الطوارئ" (كما في سورية زمن الأسد الأب والابن). وفي ظل غياب رقابة برلمانية فاعلة وتراجع استقلال القضاء، تترسخ هذه البنية تدريجيًا لتؤسّس لنمط جديد من الحكم الهجين بين مدني في الشكل، أمني في الجوهر، تُدار فيه الدولة بمنطق الاستقرار أولًا، ولو كان الثمن تجميد المسار الديمقراطي وتآكل الحريات العامة.
في ضوء هذه التطورات، يمكن القول إن الاستجابات الأمنية التونسية، رغم نجاحها النسبي في تحييد التهديدات العابرة للحدود، أنتجت في الوقت نفسه بيئة داخلية مشدودة بين مطلب الأمان وهاجس الحرية. فالمنطقة العازلة لم تعد مجرد مشروع هندسي لحماية الحدود، بل أصبحت رمزًا لتحول أوسع نحو هندسة الدولة الأمنية التي تمتد من الصحراء إلى المجال العام، حيث يتقدم الأمن على السياسة، ويُختزل الاستقرار في تحكيم العسكر والتكنولوجيا بدل المشاركة والحوكمة.
إعادة إنتاج العسكرة كآلية للسلطة
منذ عام 2021، شهدت تونس تحوّلًا بنيويًا عميقًا في منظومة الحكم بعد تركيز واحتكار السلطة التنفيذية والتشريعية عمليًا في يد الرئيس قيس سعيّد، وهو ما مثّل نقطة انعطاف مفصلية في العلاقة بين المدني والعسكري في البلاد؛ وانتقلت المؤسسة الأمنية والعسكرية من موقع الفاعل الثانوي في المشهد السياسي إلى موقع الضامن المركزي لاستمرارية النظام، لتصبح جزءًا لا يتجزأ من الهندسة الأمنية للسلطة الجديدة. هذا التحول لم يكن فجائيًا، بل جاء نتيجة تراكم طويل من الأزمات السياسية والاقتصادية التي كشفت ضعف المؤسسات المدنية، ودفعت الدولة إلى إعادة توظيف أدواتها الصلبة باعتبارها وسيلة فعّالة لضبط الفوضى واستعادة السيطرة؛ لا سيما مع تصاعد الخطاب الرسمي حول الأمن القومي و حماية الدولة من الانهيار، حيث بدأت العسكرة تتسلل تدريجيًا إلى تفاصيل الحياة الإدارية والسياسية، في ما يمكن تسميته بـ العسكرة الزاحفة التي لا تُعلن عن نفسها في شكل انقلابي، بل تتجذر ببطء عبر الأدوار الموازية التي تُمنح للجيش والأجهزة الأمنية في إدارة الشأن العام.
أصبحت المؤسسة العسكرية في السنوات الأخيرة تؤدي أدوارًا متعددة تتجاوز وظيفتها الدفاعية التقليدية، إذ كُلّفت بمراقبة الانتخابات وتأمينها، والإشراف على توزيع المواد الأساسية خلال الأزمات الاقتصادية، وتنظيم حملات الإغاثة في الكوارث الطبيعية، بل وحتى التدخل لضبط الأسعار ومراقبة السوق. وبذلك تحوّل الجيش من مؤسسة سيادية محددة الاختصاص إلى فاعل إداري واقتصادي، يملأ الفراغ الذي خلّفته المؤسسات المدنية الضعيفة أو المشلولة. غير أن هذا التوسع، رغم ما يمنحه من استقرار ميداني مؤقت، يعيد إنتاج منطق الدولة السلطوية في ثوب جديد، حيث تُختزل فعالية الدولة في حضورها الأمني لا في كفاءتها المؤسسية أو قدرتها على التمثيل الديمقراطي. فبدل أن يُعاد بناء الثقة بين المواطن والدولة من خلال إصلاحات مدنية وتنموية، تم استبدال هذه الثقة بخطاب الحماية الذي يُضفي على الأجهزة الأمنية دور المنقذ الوطني، بينما يجرّد المجتمع من دوره كشريك في صناعة القرار.
هذا التغلغل الأمني في البنية السياسية يتغذّى على مناخ من الخوف واللايقين، حيث يتم تصوير أي معارضة أو احتجاج كتهديد مباشر للدولة، فيُبرّر ذلك مزيدًا من التوسع في صلاحيات الأجهزة الأمنية. ومع مرور الوقت، يصبح الأمن نفسه عقيدة للحكم، لا أداة لخدمته، ويغدو الخط الفاصل بين الدولة الحامية و الدولة المهيمنة باهتًا. إنّ ما يحدث في تونس منذ 2021 ليس مجرد توسع في أدوار الجيش لضمان الحدود الشرقية والجنوبية الشرقية للبلاد، بل هو عملية إعادة صياغة للشرعية السياسية على أسس أمنية، حيث تتحول القدرة على فرض النظام إلى معيار للمشروعية بدل المشاركة أو التمثيل؛ كما الحال في أي دولة شمولية Totalitarian قائمة على مبدأ "قوانين الطوارئ" (كما في سورية زمن الأسد الأب والابن). وفي ظل غياب رقابة برلمانية فاعلة وتراجع استقلال القضاء، تترسخ هذه البنية تدريجيًا لتؤسّس لنمط جديد من الحكم الهجين بين مدني في الشكل، أمني في الجوهر، تُدار فيه الدولة بمنطق الاستقرار أولًا، ولو كان الثمن تجميد المسار الديمقراطي وتآكل الحريات العامة.
العسكرة والحرية
يشكّل التوتر بين الأمن والحرية أحد أكثر الإشكاليات تعقيدًا في التجربة التونسية ما بعد الثورة، حيث تحوّلت معادلة الضرورة الأمنية إلى مبرّر دائم لتقليص المجال العام وإعادة هيكلة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس رقابية؛ إذ إنه بعد عقد من المكاسب الديمقراطية التي كرّست حرية التعبير والتنظيم، وجدت تونس نفسها منذ عام 2021 أمام تحوّل جوهري، وهو ازدياد حضور الدولة الأمنية على حساب الدولة المدنية، وتراجع واضح في مؤشرات الحرية والشفافية.
ووفقًا لتقرير Freedom House 2025، تراجعت تونس إلى مرتبة دولة حرة جزئيًا تتجه نحو السلطوية، ما يعكس انحراف المسار الانتقالي عن أهدافه الأصلية. وتبرز المفارقة في أن الخطاب الرسمي يربط الأمن بالاستقرار السياسي، في حين أن الممارسة اليومية تُظهر أن توسع الصلاحيات الأمنية يأتي غالبًا على حساب قيم المشاركة والمساءلة، فيتحوّل الأمن من غاية وطنية إلى أداة سياسية لإدارة الاختلاف وضبط الفضاء العام.
وقد ترافقت هذه التحولات مع انتشار ثقافة الخوف المؤسسية، إذ أصبح المواطن التونسي يعيش في ظل خطاب أمني دائم يختزل الوطنية في الطاعة، ويجرّم النقد باعتباره تهديدًا للاستقرار ودعمًا لأي من الحركات المسلحة على الحدود. لم تعد حالة الطوارئ هنا ظرفًا استثنائيًا، بل تحوّلت إلى حالة نفسية وسياسية تُشرعن التدخل في الحياة العامة والإعلامية. فكل احتجاج اجتماعي يُصنّف كخلل أمني، وكل خطاب معارض يُفسّر كمؤامرة على الدولة. هذه الثقافة لا تقتصر على المؤسسات الأمنية، بل تتسرّب إلى الخطاب العام والإدارات المدنية، فتُنتج نوعًا من الرقابة الذاتية الجماعية التي تحدّ من المبادرة والمساءلة، وتحوّل المواطنين إلى رعايا يراقبون أنفسهم باسم الحفاظ على الأمن. وهكذا يصبح الاستقرار الظاهري نتيجة للخوف لا للثقة، وللإكراه لا للشرعية.
يكمن الخلل البنيوي في منظومة الحوكمة الأمنية، خاصة فيما يتعلق بالشفافية والرقابة على الإنفاق الدفاعي؛ فميزانيات الدفاع والأمن الداخلي ما تزال من أكثر الملفات غموضًا في الإدارة التونسية، إذ تُدار بمعزل عن النقاش البرلماني أو الرقابة المدنية، تحت ذريعة سرّية الأمن القومي. هذا الغياب للرقابة لا يؤدي فقط إلى هدر الموارد، بل يفتح الباب أمام شبكات مصالح اقتصادية وأمنية تُعيد إنتاج نفسها داخل الدولة. وبالتالي، فإن الفساد في المشتريات العسكرية وتخصيص العقود يمثل خطرًا مزدوجًا، إذ يُضعف كفاءة الأجهزة الأمنية من جهة، ويقوّض الثقة العامة في مؤسسات الدولة من جهة أخرى، ما يُحوّل الأمن ذاته إلى مصدر للارتياب بدل الطمأنينة.
لا تكمن الإشكالية الجوهرية في تونس اليوم في وجود سياسات أمنية صارمة، بل في غياب توازن مؤسساتي يضمن أن تُمارس هذه الصرامة ضمن إطار من الشرعية الديمقراطية والمساءلة. فكلما تراجعت الشفافية، اتسعت صلاحيات السلطة التنفيذية، وتقلصت قدرة المجتمع على المشاركة في تعريف مفهوم الأمن الوطني. وهكذا تتكرّس معادلة معكوسة تُبرّر الدولة من خلالها القيود باسم الحماية، بينما تزداد هشاشتها كلما توسّعت إجراءاتها القمعية؛ فالتحدي الحقيقي أمام تونس لا يتمثل في ضمان الأمن، بل في تحويله من حالة استثنائية إلى سياسة ديمقراطية قائمة على التوازن بين الحرية والمسؤولية، بحيث يصبح المواطن شريكًا في صناعة الأمن لا مجرد موضوع له.