شكّل قرار دونالد ترامب بتجميد المساعدات الدولية الأميركية صدمة كبيرة؛ نظرًا لتداعياته الكارثية على ملايين المستفيدين حول العالم، إذ تمتد تأثيراته من برامج مكافحة الإيدز إلى تعليم الطلاب في أوغندا، وصولًا إلى إغاثة المتضررين من الفيضانات في جنوب السودان.
تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"
وبمجرد التوقيع على القرار، علّق الرئيس الأميركي فور تنصيبه لولاية ثانية وعودته إلى البيت الأبيض، كل برامج المساعدة الأجنبية لثلاثة أشهر، باستثناء المساعدة الغذائية الطارئة والمساعدات العسكرية لإسرائيل ومصر.
وستراجع إدارته على مدى ثلاثة أشهر مجمل نظام المساعدات الدولية للتثبت من أنها تستوفي شروط سياسة "أميركا أولا" التي ينتهجها، وفق قرار يبعث منذ الآن الهلع في الدول الأكثر فقرا.
وحتى لو عاودت الولايات المتحدة تقديم المساعدة بعد انقضاء هذه المهلة، فإن العاملين الإنسانيين يحذرون من تبعات بعيدة الأمد لانقطاعها، فيما يتوقع بعض المراقبين أن يقوّض هذا القرار بشكل دائم مصداقية الولايات المتحدة في وقت تعمل الصين وقوى أخرى على بسط نفوذها في الدول النامية.
وقال العضو في شبكة "كومباشن كونيكتورز" للمساعدة الإنسانية في أوعندا، بيتر وايسوا، إنه "حتى لو أعيد التمويل في نهاية المطاف، فسيكون الأمر تسبب بأضرار جسيمة". وأوضح أن "انقطاع الأدوية لأيام للمصابين بالإيدز قد يتسبب بالوفاة".
كما لفت إلى أن بعض المدارس الممولة من برنامج "التعليم للجميع" الأميركي أبلغت التلاميذ منذ الآن بعدم التوجه إلى الصفوف.
ويثير قرار ترامب مخاوف أيضا في جنوب السودان الذي يواجه وباء الكوليرا وفيضانات تركت ثلاثة آلاف شخص بلا منازل، ويعولون على المساعدة الأميركية.
وقال المدرّس في دار للأيتام في أوايل بشمال جنوب السودان، جيمس أكون أكوت، إنه "إذا لم تتم إعادة النظر سريعا في قرار قطع التمويل، ثمة احتمال فعلي بأن يبدأ الناس يموتون من الجوع والأمراض في جنوب السودان".
وأضاف "المشكلة أن المساعدة تستخدم للإغاثة الفورية وإعادة الإعمار في آن".
وكانت الولايات المتحدة لفترة طويلة أكبر مصدر للمساعدة الإنمائية في العالم وقدمت 64 مليار دولار عام 2023.
ومن أبرز برامجها في هذا المجال "بيبفار" الذي أطلقه الرئيس السابق جورج دبليو بوش لمكافحة الإيدز، ويستفيد منه بصورة مباشرة أكثر من عشرين مليون شخص مصابين بفيروس نقص المناعة البشرية المكتسب.
ويبدو أن هذا البرنامج نجا من قرار الإدارة الأميركية الجديدة بموجب استثناءات منحها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وشملت "المساعدة الغذائية الطارئة" والمساعدات "المنقذة للحياة"، بما يمكن أن يشمل توزيع أدوية للإيدز.
غير أن الصياغة المبهمة تثير كثيرا من الشكوك.
وقالت الممرضة في مالاوي، سوزي دزيمبيري، إن بعض السكان بدأوا يخزنون الأدوية التي يمكنهم الحصول عليها، وإن المنظمة المحلية "لايتهاوس" التي توفر أدوية الإيدز أغلقت أبوابها.
وفي واشنطن، قالت مساعدة برلمانية في الكونغرس تتابع ملف المساعدة الإنسانية، طالبة عدم كشف هويتها، إن وقف المساعدة حتى لتسعة أيام فقط يطال مبدئيا مليون جرعة من أدوية الإيدز، مشيرة إلى أن التعليمات لا تزال غامضة.
وأضافت "علمنا بحالات حيث كان هناك مخزون من الأدوية الجاهزة للتوزيع، وأن أوامر صدرت بإبقائها على الرفوف" بانتظار تعليمات من واشنطن.
وتابعت "كان يفترض أن يكون بيبفار خطة مارشال الأميركية" مضيفة أن" فكرة أن نقرر وقفه بمجرد الضغط على زر تظهر أننا نزقون، ولا نكترث في الحقيقة، وأن عليهم في المستقبل التطلع إلى دول مثل الصين".
وأكد روبيو عند توقيعه آخر الإعفاءات هذا الأسبوع "لا نريد أن نرى الناس يموتون"، لكنه تابع أنه سيتحتم على المنظمات المستفيدة من المساعدات تبرير نفقاتها إذ "لم نحصل في الماضي سوى على القليل من التعاون".
وأكد "علينا التثبت من أن ذلك يتوافق مع مصلحتنا الوطنية".
وأبدى البعض في واشنطن مخاوف من أن تكون هذه الأولوية الممنوحة للمساعدات "الطارئة" تخفي في الحقيقة خطة أوسع تهدف إلى قطع التمويل عن كل ما تبقى.
وقال موظف كبير في منظمة تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها (طلب عدم كشف هويته) إن "تعبير ‘مساعدة غذائية طارئة‘ نفسه ينطوي على تناقض" مضيفا "احرموا أنفسكم من الطعام لبضعة أيام وسترون" ما يعني ذلك.
ولفت إلى أن قطع المساعدات يطال بصورة خاصة مجموعات محلية لا تملك أي احتياطات مالية، وهي تحديدا من النوع الذي يسعى المسؤولون الأميركيون لتعزيزه.
وختم "هذا يعود بشكل أساسي إلى إحراق أساسات منزلكم فيما الهدف المعلن هو ترميمه".