تاريخ تبعية غرينلاند للدنمارك ودوافع ترامب للسيطرة على الجزيرة

يبيّن هذا التقرير، من وكالة "رويترز"، سبب تبعية غرينلاند لمملكة الدنمارك، والعلاقة التاريخية بين الطرفين، وموقف سكان الجزيرة من الطموحات الأميركية لضمّها.

تاريخ تبعية غرينلاند للدنمارك ودوافع ترامب للسيطرة على الجزيرة

غرينلاند (Getty Images)

أدى تكرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حديثه عن طموحه بالسيطرة على غرينلاند، المختصين إلى ذكر تاريخ تبعية غرينلاند لمملكة الدنمارك.

تغطية متواصلة على قناة "موقع عرب 48" في "تليغرام"

يعرض التقرير الطريقة التي أصبحت بها غرينلاند تابعة للدنمارك، والحكم الذاتي فيها، ومسعاها للاستقلال، والوجود العسكري الأميركي هناك.

كيف حصلت الدنمارك على غرينلاند؟

كانت شعوب الإنويت من آسيا، وأميركا الشمالية تسكن غرينلاند على فترات متقطعة، منذ حوالي 2500 سنة قبل الميلاد.

واستقر الفايكنج، بقيادة إريك الأحمر، في جنوب الجزيرة عام 985 تقريبا. مارسوا فيها الزراعة، وبنوا الكنائس.

ووصل في الوقت نفسه، تقريبا، أسلاف الإنويت الحاليين، الذين عاشوا على الصيد، وجمع الثمار، وباتت ثقافتهم هي المهيمنة، ثم طردوا المستوطنين من الفايكنج عام 1400 تقريبا.

وكان يشار إلى الإنويت في السابق باسم "الإسكيمو".

وفي عام 1916، اشترت الولايات المتحدة جزر الهند الغربية الدنماركية، التي أصبحت الآن الجزر العذراء الأميركية، مقابل ذهب بقيمة 25 مليون دولار.

وفي إطار هذه المعاهدة، قالت واشنطن إنها لن تعترض على قيام الحكومة الدنماركية بتوسيع "مصالحها السياسية، والاقتصادية، لتشمل غرينلاند بأكملها"، لتعترف بذلك، رسميا، بالسيادة الدنماركية.

ما هو وضع غرينلاند الآن؟

تحولت غرينلاند من مستعمرة إلى إقليم رسمي في عام 1953، بموجب الدستور الدنماركي، رغم عدم استشارة سكان الجزيرة آنذاك. وتتطلب أي عملية بيع تعديلا دستوريا.

وأصبح بإمكان غرينلاند، منذ عام 2009، إعلان الاستقلال من خلال عملية تستلزم استفتاء السكان، وموافقة البرلمان الدنماركي.

ورغم سعة نطاق الحكم الذاتي في الجزيرة، إلا أنه يستثني الشؤون الخارجية والدفاع، ما لم يتفق الطرفان على غير ذلك.

يبلغ عدد سكان غرينلاند حوالي 57 ألف نسمة، وتمتلك بنية تحتية محدودة، بدون طرق تربط بين بلداتها البالغ عددها حوالي 17.

العلاقات بين الدنمارك وغرينلاند

توترت العلاقات بين الطرفين بعد الكشف عن سوء سلوك تاريخي، إذ قامت السلطات الدنماركية بنقل سكان الإنويت قسرا إلى بلدات أكبر، في الخمسينيات من القرن الماضي.

الأمر الذي أدى إلى تهميش ممارسات السكان الأصليين ولغاتهم، الذين يشكلون حوالي 90 بالمئة من السكان.

كما واعتذرت الدنمارك، في عام 2022، عن تجربة في خمسينيات القرن الماضي، إذ أرسلت أطفال غرينلاند إليها.

وتظهر السجلات تركيب أجهزة داخل أرحام آلاف من النساء، والفتيات في عمر صغير حتى 13 عاما، دون موافقتهن، من 1966 حتى عام 1991، الذي سيطرت فيه غرينلاند على الرعاية الصحية.

واعتذرت الدنمارك في عام 2025 عن حملة تحديد النسل التي استمرت لعقود.

وجاء في فيلم وثائقي عام 2025 أن الدنمارك استفادت من منجم للكريوليت بين عامي 1853 و1987، دون أن يستفيد السكان المحليون من ذلك.

استخرجت، حينها، مادة الكريوليت، المستخدمة في إنتاج الألومنيوم، من غرينلاند التي تملك أكبر المكامن في العالم.

ما هي علاقة غرينلاند بالاتحاد الأوروبي؟

انضمت الجزيرة إلى الجماعة الأوروبية في عام 1973 عن طريق الدنمارك، ولم تلبث أن انسحبت منها في عام 1985 بعد الحكم الذاتي.

وتحمل الجزيرة الآن وضع "إقليم تابع للاتحاد الأوروبي في الخارج"، وتحتفظ بترتيب خاص بمصائد الأسماك.

الوجود الأميركي في غرينلاند

يبقي الجيش الأميركي على وجود دائم في قاعدة "بيتوفيك" الجوية، بموجب اتفاقية منذ عام 1951، تتيح لأميركا حرية بناء القواعد بإخطار للدنمارك والجزيرة.

واستوعبت الدنمارك تاريخيا الوجود الأميركي، لعجزها عن الدفاع عن غرينلاند، ولاستفادتها من الضمانات الأمنية الأميركية، من خلال حلف شمال الأطلسي.

لماذا يريد ترامب غرينلاند؟

قال ترامب إن الاستحواذ على الجزيرة يمثل أولوية للأمن القومي، وإن الولايات المتحدة يجب أن تمتلك غرينلاند؛ لمنع روسيا أو الصين من احتلالها.

ويمر أقصر طريق من أوروبا إلى أميركا الشمالية عبر غرينلاند، مما يجعلها مهمة لنظام الإنذار المبكر الأميركي ضد الصواريخ الباليستية.

وتقع الجزيرة في مفترق طرق جيوسياسي، وسط عسكرة للقطب الشمالي من حلف شمال الأطلسي، وروسيا، والصين.

تريد الولايات المتحدة توسيع وجودها العسكري بوسائل عديدة، من بينها الرادارات؛ لمراقبة المياه التي تستخدمها السفن والغواصات الروسية.

ولم تظهر أدلة تؤكد حاليا أن الصين وروسيا تبحران كثيرا تبحر بالقرب من سواحل غرينلاند.

بل تُظهر بيانات شحن أن معظم الملاحة الصينية، في مياه القطب الشمالي، تجري في أقصى شمال المحيط الهادي، وطريق بحر الشمال، بالقرب من روسيا.

أما معظم الملاحة الروسية، في مياه القطب الشمالي، فتجري حول سواحل روسيا نفسها.

إلا أن محللين يقولون إن غواصات روسية كثيرا ما تبحر في المياه الواقعة بين غرينلاند، وأيسلندا، وبريطانيا.

في المقابل، تقول روسيا إن الحديث عن أن موسكو، وبكين تشكلان تهديدا لغرينلاند، ليس سوى كذب، لإثارة حالة من الهستيريا.

وعموما، يشهد القطب الشمالي ازديادا في استخدامه لأغراض عسكرية، مع قيام دول حلف شمال الأطلسي، والصين، وروسيا بتوسيع نشاطاتها هناك.

وتتمتع الجزيرة، التي تقع عاصمتها، "نوك"، على مسافة أقرب إلى نيويورك منها إلى العاصمة الدنماركية كوبنهاغن، بثروات معدنية، ونفطية، وغاز طبيعي، لكن التنمية بطيئة، ولم يشهد قطاع التعدين إلا استثمارات أميركية محدودة جدا.

ماذا يريد سكان غرينلاند؟

تشير استطلاعات الرأي إلى أن غالبية سكان الجزيرة يؤيدون الاستقلال من حيث المبدأ، لكن كثيرين منهم يحذرون من التسرع، بسبب الاعتماد الاقتصادي على الدنمارك، والانكشاف المفرط على الولايات المتحدة، في حالة السعي للاستقلال بسرعة كبيرة.

ويمثل صيد الأسماك أكثر من 90 بالمئة من صادرات غرينلاند، وتغطي الإعانات الدنماركية حوالي نصف الموازنة العامة، إذ تموّل المستشفيات، والمدارس، وتدعم البنية التحتية للجزيرة الشاسعة، ذات الكثافة السكانية المنخفضة.

وقد يسمح الاستقلال بالارتباط مع الولايات المتحدة، بموجب اتفاق الارتباط الحر، على غرار الاتفاقيات مع ميكرونيزيا، وبالاو، وجزر مارشال.

يوفر اتفاق الارتباط الحر عادة: الخدمات، والحماية العسكرية الأميركية، مقابل الدخول لممارسة أنشطة دفاعية، لكن مدى استفادة غرينلاند من ذلك يتوقف على حجم الدعم، ووتيرة تنويع الاقتصاد بعيدا عن صيد الأسماك.

ما موقف الدنمارك وغرينلاند من طموحات ترامب؟

عندما عرض ترامب خلال فترته الرئاسية الأولى شراء الجزيرة، وصفت رئيسة الوزراء الدنماركية، مته فريدريكسن، العرض بأنه "سخيف".

وشددت فريدريكسن، ورئيس وزراء غرينلاند، ينس فريدريك نيلسن، في كانون الأول/ ديسمبر 2025، على أنه لا يمكن ضم غرينلاند، وأن الأمن الدولي لا يبرر مثل هذا التحرك.