أعد "عرب 48" هذه المادة بتصرف وترجمة حصرية، بالاستناد إلى تقرير في مجلة "ذي إيكونوميست" البريطانية.
تشهد السياسة الخارجية الأميركية في الولاية الثانية للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تحولا جوهريا في التعامل مع ملفات الشرق الأوسط، وتحديدا في المواجهة المباشرة التي تخوضها في هذه الأثناء مع إيران. ولا ينفصل هذا التوجه عن رؤية شخصية يسعى الرئيس لترسيخها كجزء من إرثه السياسي، إذ يبرز في قراراته الأخيرة "عامل استعجال" وضح جليا في ميله نحو الحلول العسكرية الحاسمة بدلا من المسارات الدبلوماسية طويلة الأمد.
تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"
وبينما ينشغل العالم بمتابعة تحركات القوات الأميركية في منطقة الخليج، وتترقب العواصم الكبرى مآلات المواجهة المباشرة مع إيران، يرى مراقبون أن المحرك الحقيقي لقرارات البيت الأبيض ليس مجرد حسابات "جيوسياسية" باردة، بل هو صراع حثيث يخوضه ترامب لتخليد اسمه في صفحات التاريخ.
وهو ما يفسرون به اهتمامه بمشاريع رمزية كبيرة، مثل "قوس النصر" المقترح بناؤه في واشنطن، وإعادة تسمية المؤسسات الوطنية باسمه، (تحويله اسم معهد الولايات المتحدة للسلام إلى معهد دونالد جيه ترامب للسلام)، بالتوازي مع سعيه لحسم ملفات دولية ظلت عالقة لعقود.
كما يرى محللون أن ترامب بات يدرك أن نافذة التأثير الزمني تضيق، الأمر الذي جعله لا يكتفي بالانتصارات السياسية التقليدية، ويرون أن هذا الاندفاع نحو "المجد" من شأنه أن يفسر تحوله من الصبر التفاوضي إلى الحلول العسكرية الخاطفة، بعدما كان ينتقد أوباما سابقا على "عجزه عن التفاوض"، ويحذّر من أنه سوف يهاجم إيران لهذا السبب، إذ يبدو أن ترامب نفسه استنتج أن التفاوض عملية بطيئة لا تصنع مجدا، لذا بات يبحث عن "الضربة القاضية" التي تنهي ملفات شائكة في وقت قصير نسبيا.
كما عزا المحللون جزءا من الموقف الحالي للرئيس ترامب تجاه طهران إلى أزمة الرهائن بالسفارة الأميركية، التي بدأت في تشرين الثاني/ نوفمبر 1979 واستمرت 444 يوما. ففي خطاباته الأخيرة، استدعى ترامب تلك الحادثة بوصفها دافعا أخلاقيا وإستراتيجيا للتحرك العسكري ضد إيران، وهي رؤية تعيد إلى الذهن تصريحات له في مقابلات صحافية ترجع لعام 1980، حين وصف احتجاز الرهائن بأنه "رعب" كان يستوجب ردا عسكريا، يجعل أميركا "غنية بالنفط"، فمواجهة إيران، في هذا السياق، ليست مجرد ملف أمني، بل هي تصفية حساب تاريخي مع نظام يراه متسبّبا بإهانة كبرياء أميركا.
يوضح هذا الربط بين الماضي والحاضر كيف تتشكل عقيدة الرئيس بناء على قناعات قديمة بالردع المادي، فهو يرى اليوم في الضعف الحالي لإيران وحلفائها، عقب أحداث أكتوبر 2023 والعمليات العسكرية اللاحقة، فرصة تاريخية لتوجيه ضربة قاضية تعيد صياغة موازين القوة في المنطقة. بعدما أبدى، في أيار/ مايو الماضي، تهكّما من "المنادين بالتدخل العسكري" مثل المحافظين الجدد بسبب "تدخلهم في مجتمعات معقدة لم يفهموها هم أنفسهم"، ما يسلط الضوء على التغير الجوهري في نهج الرئيس الأميركي.
ويتجلى هذه التحول أيضا في الجانب الاقتصادي، فبعد سنوات من مطالبته بضرورة "الاستحواذ على النفط" في العراق وسورية بذريعة إرسال قوات أميركية إلى الدولتَين، ثم تصريحاته المعلنة مؤخرا بالانتفاع الأميركي المباشر من النفط الفنزويلي عقب العملية الخاطفة التي انتهت باختطاف رئيسها، نيكولاس مادورو، وتبديل رأس الهرم في الحكم، يثير صمته الحالي تجاه الموارد النفطية الإيرانية تساؤلات بشأن اتخاذه إستراتيجية مختلفة، تهدف للسيطرة على الإمدادات العالمية وخفض الأسعار دون الإعلان المباشر عن ذلك.
وفي الداخل الأميركي، تثير هذه السياسات انتقادات واسعة من جانب الديمقراطيين وعدد من المحللين الإستراتيجيين، الذين يحذّرون من غياب "خطة اليوم التالي". ويشير هؤلاء إلى أن تجاهل القانون الدولي والأعراف الدبلوماسية في سبيل تحقيق انتصارات تكتيكية مبهرة، قد يضعف تحالفات أميركا التقليدية على المدى البعيد.
اقرأ/ي أيضًا | تحليل: حرب ترامب على إيران أكبر مغامراته في السياسة الخارجية