تقرير: السياحة في الأردن تعاني بسبب حرب إيران

تكبّد قطاع السياحة في الأردن خسائر فادحة في السنوات الأخيرة، بدأت مع حرب غزة، واستمرّت إلى اليوم مع حرب إيران، وتبدّت آثار الحروب المتعاقبة في قلة السياح، ما ترك كثيرًا من التجار والأدلة السياحيين دون عمل.

تقرير: السياحة في الأردن تعاني بسبب حرب إيران

البتراء - توضيحية (Getty Iamges)

أبقت السائحة الأوكرانية، رُسلانا نوفاك، على رحلتها السياحية المقرّرة إلى الأردن رغم الحرب على إيران، وفي مدينة البتراء الأثرية شبه الخالية من السياح، تقول "أنا من أوكرانيا ونحن نعرف معنى الحرب".

تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"

وتتابع نوفاك التي ارتدت زيًّا طويلًا يشبه الملابس العربية القديمة بلون أخضر، وهي تقف تحت أشعة شمس دافئة في المدينة التي تبعد نحو 230 كيلومترًا جنوب عمان، في حديث لها مع وكالة "فرانس برس"، "سمعنا عن الحرب، لكن هذه ليست مشكلة بالنسبة إلي".

وتلتقط صورًا مع صديقتها، فيما تقفان قرب جملين أمام ما يعرف بـ"الخزنة"، وهو موقع منحوت في الصخور الوردية، "البلدان المحيطة تشهد مشاكل، لكنّ الأردن بلد هادئ وآمن جدًّا، وجميل بطريقة استثنائية"، مشيرة إلى أنّ "الوقت مناسب للزيارة، في ظلّ طقس مريح وغير حارّ".

السائحة الأوكرانية، رُسلانا نوفاك (Getty Images)

وتقرّ نوفاك بأنّ إلغاء العديد من الرحلات الجوية وارتفاع أسعار التذاكر شكّلا تحديًّا لها، قائلة إنّ "سعر التذكرة 500 دولار مقارنة بـ100 دولار قبل الحرب".

وتعبّر المكسيكية، كونستانزا فينيان، التي كانت تمسك بيد ابنتها أنتونيللا ذات السبع سنوات فيما يلتقط زوجهما لهما الصور، "كنت خائفة في البداية بعد اندلاع الحرب" في 28 شباط/ فبراير بهجوم إسرائيلي أميركي على إيران، التي ردّت بدورها بقصف إسرائيل ودول خليجية، كما طالت بعض صواريخها ومسيراتها الأردن. و"حاولت إلغاء التذكرة، لكن لم تكن هناك إمكانية لاسترداد ثمنها، كما أنّ أسعار التذاكر تضاعفت" لاحقًا.

وتروي مبتسمة "قرأت وسألت في مجموعات على فيسبوك... الجميع قال إنّ الأردن آمن حتى في وقت الحرب. فقررت أن آتي، ولا أشعر بأي ندم".

وعند مدخل البتراء المدرجة على لائحة التراث العالمي لليونسكو منذ العام 1985، ظهر صفّ طويل من المركبات الكهربائية التي تستخدم لنقل السياح من بوابة الموقع إلى حيث الخزنة الشهيرة، متوقفة عن العمل.

انهيار حاد

ويجلس خالد السعيدات (36 عامًا) مع زملاء أمام محالهم لبيع التذكارات، يدخنون السجائر ويشربون القهوة والشاي في ظل عدم وجود زبائن.

ويقول بحسرة "حرب غزة أدت إلى تراجع السياحة بين 80 إلى 90 بالمئة"، لكنّ حرب إيران جعلتها "صفرًا تقريبًا".

السعيدات وزملاؤه (Getty Images)

ويضيف "نفتح محالنا، لكن لا نعلم هل سنجني قوت يومنا أم لا"، مشيرًا إلى تراكم الأعباء وأقساط البنوك على محلات ومنشآت البتراء، التي تعد الوجهة المفضّلة للسياح الأجانب في الأردن.

ويوفّر قطاع السياحة أكثر من 60 ألف وظيفة مباشرة و300 ألف وظيفة غير مباشرة في البلاد، ويسهم ب 14 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وفقًا للأرقام الرسمية.

وزار أكثر من 7 ملايين سائح الأردن العام الماضي، وبلغت الإيرادات السياحية 7,8 مليار دولار.

وتضمّ المملكة عشرات المواقع السياحية، من أبرزها أيضًا صحراء وادي رمّ التي تشبه تضاريسها سطح القمر، والمغطس حيث موقع عماد المسيح، والبحر الميت، المنطقة الأكثر انخفاضًا على سطح الأرض، وجرش.

جرش (Getty Images)

ويقول رئيس مجلس مفوضي سلطة إقليم البتراء التنموي السياحي، عدنان السواعير، إنّ البتراء شهدت بداية العام "انتعاشًا وأرقامًا كانت واعدة مع 112 ألف زائر أجنبي في أول شهرين، وهو رقم جيد جدًّا".

لكن تبددت الآمال مع اندلاع الحرب، و"كانت ردة الفعل فورية"، فتراجع "عدد زوار البتراء في آذار/ مارس ونيسان/ أبريل إلى ما بين 28 و30 ألفًا فقط".

ويضيف "انهار إشغال الفنادق من نحو 40 بالمئة في بداية العام إلى مستويات متدنية، مع إلغاءات قاربت 100 بالمئة في آذار/ مارس، و80 بالمئة في نيسان/ أبريل، ما دفع بعض الفنادق للتفكير بالإغلاق".

وتضمّ البتراء خمسة آلاف غرفة فندقية، وقد تجاوز عدد زوّارها في سنوات سابقة المليون زائر سنويًّا.

وأطلقت الحكومة برنامج "أردننا جنة" لتشجيع السياحة المحلية، لكن السواعير يقرّ بأن أثر ذلك على الإيرادات "لا يذكر".

من جولتين في اليوم إلى جولتين في الشهر

ولا يختلف الحال في جرش الواقعة نحو 51 كيلومترًا شمال عمّان، إحدى مدن الرومان العشر المعروفة باسم "الديكابوليس"، التي كانت في أوج ازدهارها في القرن الثالث الميلادي، وكانت تعرف آنذاك باسم "جراسا".

ويقول المرشد السياحي، عامر نظامي، "كنا نأمل بأن يكون هذا الموسم الأفضل منذ سنة 2020، أي منذ جائحة كورونا، لكن للأسف صفر؛ لا توجد سياحة".

ويشير إلى أنّ السياح الأجانب كانوا يأتون إلى جرش أفواجًا، بما يقارب 5000 سائح يوميًّا، لكن حاليًّا لا يتجاوز عددهم يوميًّا عدد أصابع اليد.

ويقول إنّ المرشد السياحي في جرش "يعمل جولتين على الأقل في اليوم خلال الموسم الجيد. آخر مرة عملت جولة مدفوعة الأجر في جرش كانت قبل 20 يومًا تقريبًا، ويحتمل أن يكون دوري القادم بعد أسبوعين".

ويختم نظامي متحسّرًا على "موقع الأردن الجغرافي"، قائلًا "كل ما وقعت مشكلة في أي دولة حولنا، تتوقّف السياحة هنا، رغم أنّ الأردن لا مشاكل فيه".

ووفقًا لأرقام جمعية مكاتب السياحة والسفر، كانت الحجوزات السياحية قبل الحرب تقترب من 95 بالمئة قبل أن تشهد إلغاءات كاملة، ما تسبّب بأزمة لنحو 1400 مرشد سياحي مرخص.

ويحزم إبراهيم العتمة، وهو مرشد سياحي وبائع تذكارات في جرش، بضاعته ويغادر مبكرًا شارع الأعمدة الشهير؛ إذ "لا زبائن".

ويقول الرجل الذي تزوّج قبيل الحرب، "كان لدينا أمل كبير بموسم ربيعي رائع، لكن مع اندلاع حرب إيران تبدّدت آمالنا".

ويضيف "أنفقت كل مدخراتي، كنت آمل أن يعوضني الموسم شيئًا، لكن للأسف دُمّرنا".