في "الفناء الخلفي" لواشنطن: كيف تزيد الصين نفوذها بهدوء في أميركا اللاتينية؟

أعادت بكين صياغة إستراتيجيتها في أميركا اللاتينية، منتقلةً من تمويل المشاريع العملاقة إلى استثمارات أصغر في قطاعات حيوية مثل الطاقة والنقل والأمن، ما يعزز اعتماد الحكومات المحلية عليها تدريجيًا، ويمنحها نفوذًا اقتصاديًا وسياسيًا متزايدًا، فيما تراقبها واشنطن بقلق

في

امرأة من البيرو تحمل صورة الرئيس الصيني، شي جينبينغ (Getty Images)

منذ أوائل الألفية الثالثة تتابع الولايات المتحدة بقلق تنامي النفوذ الاقتصادي والدبلوماسي للصين في أميركا اللاتينية، التي تعدّها واشنطن "الفناء الخلفي" لها. وتعددت بيانات الرفض والتهديد الأميركية إزاء تنفيذ الصين مشروعات ضخمة في دول أميركا اللاتينية، من قبيل ميناء "شانكاي" في بيرو، الذي تسيطر عليه وتديره شركة شحن صينية عملاقة، وسد "كوكا كودو سنكلير" في الإكوادور، الذي بنته الصين أيضًا. ولجأت واشنطن إلى سلاح العقوبات الدبلوماسية ضد مسؤولين في تلك الدول اللاتينية مثل إلغاء التأشيرات وفرض عقوبات، كما هددت باستخدام القوة العسكرية ضد حكومات تلك الدول.

تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"

وفي عام 2017 حذّرت إستراتيجية الأمن القومي الأميركية الصادرة في الولاية الأولى للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من أن الصين تسعى إلى "ضم المنطقة إلى فلكها من خلال استثمارات وقروض تقودها الدولة".

وفي تحليل نشرته مجلة "فورين أفيرز" الأميركية، أشارت المديرة المشاركة والرئيسة التنفيذية لمؤسسة "فانتدج بوينت ستراتيجيس" للاستشارات والمسؤولة في إدارة التخطيط السياسي بوزارة الخارجية في عهد الرئيس السابق، جو بايدن، نتاليا كوت مونتس، إلى أن الصين غيرت إستراتيجية تمددها في أميركا اللاتينية، فلم تعد تراهن على مشاريع ضخمة بمليارات الدولارات لتعزيز نفوذها في نصف الكرة الغربي، وإنما تسعى إلى ترسيخ وجودها في المنطقة من خلال دعم مشاريع أصغر حجمًا وأقل نشاطًا.

تقوم شركات صينية بتطوير مشاريع تعدين الليثيوم في العديد من المقاطعات الأرجنتينية، كما تدير جميع شبكات توزيع الطاقة في العاصمة البيروفية ليما، وتورد معدات الشرطة وأنظمة كاميرات المراقبة في العديد من البلديات بدول أميركا اللاتينية.

ورغم أن مثل هذه التحركات تبدو بسيطة وهامشية، لكنها تجعل الدول المستفيدة منها تعتمد بقدر متزايد على الصين. فعلى سبيل المثال، تعني المساعدات الأمنية التي تقدمها بكين أن العديد من مدن ومقاطعات أميركا اللاتينية تعتمد فعليًّا على الصين في مجال إنفاذ القانون والاستجابة للطوارئ، وفي حالة ليما، في مجال البنية التحتية للكهرباء.

وهذا اعتماد لم يكن في حسبان العديد من السياسيين القوميين في تلك الدول، وربما لم يتوقعوه أصلًا. وقد لا يدركون المخاطر المحتملة المرتبطة بهدف الصين، وقد يكونون غير مستعدين لإدارة تداعياته المحتملة.

وخلال العقد الثاني من الألفية الحالية، ضخت بكين مليارات الدولارات في مشاريع البنية التحتية في أميركا اللاتينية، كالموانئ والسدود الضخمة، وحتى مشروع خط السكة الحديد عابر للقارات الذي يفترض أن يربط ساحل بيرو المطل على المحيط الهادئ بساحل البرازيل المطل على المحيط الأطلسي، والذي لم يدخل حيز التنفيذ.

رصيف بحري بتمويل صيني في السلفادور (Getty Images)

جاءت هذه الاستثمارات في إطار مبادرة "الحزام والطريق" الصينية الشهيرة، التي أنفقت فيها مبالغ طائلة على مشاريع ضخمة في دول الجنوب العالمي. كانت الصين تأمل من خلال ذلك في تأمين إمدادات السلع الأساسية، وفتح الأسواق أمام الشركات الصينية، ثم تحويل ثقلها الاقتصادي إلى تحالف دبلوماسي، بما في ذلك إقناع الدول التي لا تزال تعترف بتايوان بتحويل اعترافها إلى الصين.

لكن في بداية العقد الحالي، غيّرت الصين مسارها، لا سيّما في نصف الكرة الغربي، بعد أن أدركت أن المشروعات الضخمة في هذه المنطقة باهظة التكلفة، وتثير ردود فعل جيوسياسية سلبية. لذلك اختارت التركيز على ما تسميه "مشاريع صغيرة لكنها رائعة"، باعتبارها استثمارات لا تتطلب وجودًا صينيًّا بارزًا، وفي الوقت نفسه تُعتبر استثمارات شعبية تتراكم لتنشئ ارتباطًا قويًّا بين الصين وشعوب تلك الدول.

وبالفعل حققت الصين نفوذها في مختلف الأنظمة المحلية بدول أميركا اللاتينية. ومن الأمثلة على ذلك، وفرت الشركات الصينية آلاف الحافلات الكهربائية في مدن المنطقة، وهي إضافة ضرورية في واحدة من أكثر مناطق العالم تحضرًا. كما تنقل القطارات صينية الصنع الركاب على جميع خطوط السكك الحديدية الكهربائية الرئيسية الثلاثة في العاصمة الأرجنتينية، بوينس آيرس.

والأهم من ذلك مشاركة الصين في تقديم المساعدة الأمنية الداخلية؛ فالأمن قضية سياسية رئيسة في أميركا اللاتينية، حيث يبلغ معدل جرائم القتل حوالي 20 لكل 100 ألف نسمة، أي 3 أضعاف المعدل العالمي. لذا يتعهد السياسيون مرارًا وتكرارًا باتخاذ المزيد من الإجراءات لتوفير الأمن والقضاء على الجريمة.

ثم جاءت الصين، وقدمت نفسها مورّدًا لتجهيزات الشرطة والمعدات الأمنية بأسعار معقولة.

(Getty Images)

تبدأ الدول المتلقية عادة باقتناء معدات عادية، مثل معدات مكافحة الشغب والمركبات المدرعة كالتي تبرعت بها الصين للقوات المسلحة البوليفية، والدراجات النارية التي تبرعت بها للشرطة في دول البحر الكاريبي، حيث تلبي كل صفقة احتياجات المسؤولين الذين يعانون نقص المعدات، ويتعرضون في الوقت نفسه لضغوط لإظهار قدرتهم على مكافحة الجريمة.

وفي نهاية المطاف، تتطور العلاقة لتشمل تقديم معدات أكثر تطورًا مثل أنظمة المراقبة، وقد سافر حاكم إقليم ريو دي جانيرو البرازيلي إلى الصين، ووقّع على عقود مع شركتي "هيكفيجن" و"داهوا" الصينيتين لشراء أكثر من 27 ألف كاميرا مثبتة على الجسم وفي المركبات.

وفي مدينة سيوداد خواريز المكسيكية، المتاخمة لمدينة إل باسو الأميركية، اشترت السلطات المحلية ألف كاميرا للتعرف على الوجوه من الشركتين نفسيهما (اللتين كانتا آنذاك مدرجتين على قائمة الحظر الصادرة عن هيئة الاتصالات الفيدرالية الأميركية).

وبحلول عام 2018، كانت 62% من واردات الأرجنتين من معدات المراقبة تأتي من الصين، مقابل 5% فقط من الولايات المتحدة. واليوم، تستخدم 35 مدينة على الأقل في أميركا اللاتينية أنظمة مراقبة صينية.

وبمجرد إبرام هذه العقود، يتسارع التعاون، وقد يصل أحيانًا إلى أعلى مستويات الحكومة. على سبيل المثال، بدأ تطوير نظام الاستجابة للطوارئ الوطني في الإكوادور عام 2011، عندما تعاقدت الحكومة مع شركة "سي إي إف آي إي سي" الصينية المملوكة للدولة والمتخصصة في الإلكترونيات الدفاعية، لإنشاء شبكة مراقبة تعمل بكاميرات "هواوي".

وموّل بنك التنمية الصيني المشروع بقرض قيمته 240 مليون دولار بضمان عقد بيع نفط يلزم شركة "بتروإكوادور" الحكومية في الإكوادور، بشحن 72 ألف برميل يوميًّا إلى شركة "بتروتشاينا" طوال فترة تشغيل النظام. ومع مرور الوقت، استقطب المشروع اهتمامًا رفيع المستوى من بكين، وفي عام 2016، زار الرئيس الصيني، شي جينبينغ، الإكوادور وافتتح مختبرًا أمنيًّا مشتركًا في مقر نظام الاستجابة للطوارئ الوطني في الإكوادور.

كما دأبت الصين على تدريب رجال إنفاذ القانون في دول أميركا اللاتينية، إذ استقبلت وفودًا أمنية من الأرجنتين والبرازيل وكوبا وبنما للدراسة في جامعة شرطة التحقيقات الجنائية الصينية في شنيانغ.

وفي أيلول/ سبتمبر 2024، وقّع وزير الأمن العام الصيني على اتفاقية تدريب مع مدير شرطة نيكاراغوا، تغطي مكافحة المخدرات والجرائم الإلكترونية والإرهاب. ورغم أن الولايات المتحدة مازالت تدرب أعدادًا من ضباط الشرطة في أميركا اللاتينية تفوق الذين تدربهم بكين، فإنه على عكس دورات واشنطن، ترتبط دورات الصين بتقديم كاميرات ومنصات وتعاون قضائي يعزز وجودها في البنية التحتية للأمن في تلك الدول.

وأخيرًا، فهذه المبادرات لا تحظى باهتمام كبير لدرجة أنه قد لا يدرك المسؤولون في الحكومات المركزية في أي بلد بأميركا اللاتينية، أن المدن لديهم تسند المزيد والمزيد من الخدمات تدريجيًّا إلى الشركات الصينية، وقد لا يدرك المسؤولون الأميركيون ذلك أيضًا.

وهكذا، تستطيع بكين بالاستثمار تلو الاستثمار في المنطقة دون أن يلاحظها أحد تقريبًا، إلى أن تظهر فجأة وهي تسيطر على جزء كبير من البنية التحتية الأمنية الحيوية لتلك الدولة، إلى جانب السيطرة على الكثير من قطاعات البنية التحتية الأخرى فيها، والتي قد تتحول إلى نفوذ سياسي واقتصادي قوي.