قطاع الطاقة وحدود السيادة السورية من التفاوض إلى الحسم العسكري

في واقع سورية اليوم، يبرز ملف الطاقة عمومًا والكهرباء خصوصًا، بوصفه المؤشر الأوضح على قدرة الدولة على إدارة الموارد النفطية وبناء الثقة العامة، إذ لا يزال النفط مدخلًا رئيسيًا في منظومة التوليد رغم تراجع الإنتاج...

قطاع الطاقة وحدود السيادة السورية من التفاوض إلى الحسم العسكري

(توضيحية - Gettyimages)

تُفسّر البنية الحالية لقطاع الطاقة في سورية لماذا لم يكن بالإمكان إبقاء المواجهة مع قوات سورية الديمقراطية (قسد) حول الحقول النفطية في حالة جمود دون الوصول إلى تسوية واتفاقيات نافذة وفعالة وملزمة؛ أو حتى القيام بعمل عسكري واسع لاستعادة السيطرة على المنطقة الشرقية. إلى جانب الرغبة ببسط النفوذ على كامل الأرض السورية وقطع الطريق أمام أي تحرك انفصالي، كانت استعادة حقول النفط حاجة ملحة للاقتصاد السوري ومحركًا أساسيًا أيضًا للقيام بعملية شاملة ضد قوات قسد؛ على اعتبار أن النفط يشكّل نحو ثلثي إجمالي إمدادات الطاقة، ويغذي قرابة نصف إنتاج الكهرباء، ما يجعله العامل الأكثر حسمًا في تشغيل الدولة ووظائفها الأساسية.

غير أن هذا الاعتماد يتزامن مع انهيار حاد في إنتاج النفط الخام المحلي، الذي تراجع بأكثر من 90 في المئة مقارنة بمستوياته في مطلع الألفية؛ والنتيجة هي نظام مختلّ بنيويًا فيه دولة لا يزال اقتصادها وخدماتها العامة مرتكزة على النفط، فيما قدراتها الإنتاجية في المنبع متدهورة بشدة، لا سيما بعد أن سيطرت داعش ومن ثم قسد على هذه الحقول. في ظل هذه الشروط، لم يعد التحكم الإقليمي بما تبقى من الأصول النفطية خيارًا سياسيًا أو رمزيًا، بل تحوّل إلى مسألة وجودية؛ وعندما تحركت دمشق عسكريًا في المناطق التي كانت تحت سيطرة قسد، فإنها لم تكن تسعى فقط لاستعادة إيرادات مفقودة، بل كانت تستجيب لتناقض بنيوي بين الاعتماد على الطاقة وتفتت السيادة.

من التصدير إلى العجز

يكشف التحول طويل الأمد في الاقتصاد النفطي السوري سبب تحوّل السيطرة اللامركزية إلى وضع غير قابل للاستمرار سياسيًا؛ إذ إنه في المدة بين 2000 و2010، كانت سورية منتجًا متوسط الحجم لكنه متماسك، مع طاقات تكرير متوائمة مع الاحتياجات المحلية، وحاجة السوق المحلي وفق ميزان تجاري نفطي متوازن بين الاستيراد والتصدير (صادرات نفط خام، واردات مشتقات نفطية مثل البنزين والديزل والكيروسين والفيول). ومع مرور الوقت، ودخول سورية في أتون حرب تعددت فواعلها وممولوها، تراجع إنتاج النفط الخام بصورة حادة، في مقابل ارتفاع كبير في الاعتماد على استيراد المنتجات النفطية (لا سيما من إيران وروسيا والصين)، إلى حد باتت فيه الواردات الصافية تتجاوز الاستهلاك المحلي الإجمالي. تشكل المنتجات النفطية وحدها ما يقارب أربعة أخماس واردات الطاقة، فيما تجاوز معدل نمو هذه الواردات منذ عام 2000 نسبة أربعمئة في المئة؛ ليفرز هذا الانقلاب البنيوي اقتصاد حرب مجزأ، أصبحت فيه السيطرة على المنبع، لا التكرير ولا التصدير، المصدر الأساسي للنفوذ.

بين عامي 2014 و2018، شكّل النفط الركيزة الأساسية لاقتصاد تنظيم داعش في سورية، بعد سيطرته على معظم الحقول الواقعة في شرق البلاد، ولا سيما في دير الزور والرقة؛ ورغم أن القدرة الإنتاجية النظرية لهذه الحقول كانت تتجاوز 200 ألف برميل يوميًا قبل اندلاع الحرب بصيغتها الأوسع، فإن الإنتاج الفعلي خلال فترة سيطرة التنظيم تراوح بين 40 و50 ألف برميل يوميًا فقط، نتيجة تضرر البنية التحتية وانسحاب الشركات المتعاقدة ("شيل" و"توتال")، ونقص الكوادر الفنية، واعتماد أساليب تشغيل بدائية. ومع ذلك، وفّرت هذه الكميات دخلًا ضخمًا، إذ قُدّرت العائدات النفطية للتنظيم في ذروة تمدده بما بين مليون وثلاثة ملايين دولار يوميًا، ما جعله أحد أكثر التنظيمات المسلحة تمويلًا في تلك المرحلة.

اعتمد داعش على شبكة معقّدة لتصريف النفط، جمعت بين تلبية الطلب المحلي في المناطق الخاضعة لسيطرته، وتهريب الفائض عبر وسطاء وشبكات غير شرعية؛ مع تكرير جزء من الخام في مصافٍ بدائية متنقلة داخل سورية، بينما نُقلت كميات أخرى بواسطة قوافل صهاريج عبر طرق صحراوية إلى شمال سورية وجنوب تركيا، إضافة إلى مسارات باتجاه العراق. بيع بأسعار منخفضة مقارنة بالسوق العالمية، تراوحت بين 20 و60 دولارًا للبرميل، ما جعله جذابًا في اقتصاد حرب يقوم على الندرة والعقوبات؛ لكن الأبرز واللافت للانتباه هو أن جزءًا من هذا النفط والغاز كان يُباع أيضًا عبر وسطاء محليين إلى النظام السوري لتغذية محطات الكهرباء في مناطق سيطرته، في إطار تبادل فرضته الحاجة الملحّة للطاقة، لا أي تقاطع سياسي معلن.

ومع بدء الضربات الجوية الأميركية واستهداف منشآت الإنتاج والنقل منذ أواخر عام 2016، تراجع إنتاج التنظيم تدريجيًا، سواء بفعل تدمير البنية النفطية أو بفقدان السيطرة الميدانية، وبحلول عامي 2017 و2018، انهار هذا النموذج النفطي بالكامل مع انحسار نفوذ داعش وسيطرة قسد، لتنتهي مرحلة كان فيها النفط أداة تمويل مباشر لتنظيم غير دولتي، قبل أن ينتقل الملف لاحقًا إلى صراعات جديدة بين قوى محلية ودولية على السيطرة على الموارد نفسها.

بالنسبة لقسد، أتاح هذا الواقع استقلالية مالية رغم ضآلة الأحجام المطلقة؛ أما بالنسبة لنظام الأسد، فقد أدى إلى تحمّل الكلفة السياسية لأزمات الوقود دون امتلاك السيطرة على الأصول اللازمة لمعالجتها. من هنا، استهدفت العملية العسكرية قلب هذا الانقلاب عبر إعادة توحيد سلسلة القيادة على الاستخراج والنقل والتوزيع.

تكشف الأرقام المرتبطة بقطاع النفط والغاز أن استعادة الجيش السوري لحقول العُمَر، التَنَك، كونيكو، الجفرة، الورد، التيم، السويدية، الرصافة، صفيان لا تعني نهاية أزمة الطاقة بقدر ما تمثّل محاولة لاحتوائها؛ إذ إن الحكومة (بالمعنى الإداري) التي كانت تنتج قبل عام 2011 ما بين 380 و400 ألف برميل نفط يوميًا، وبلغت ذروة إنتاجها نحو 582 ألف برميل يوميًا في التسعينيات، تعمل اليوم ضمن هامش ضيق لا يتجاوز فعليًا 30 ألف برميل يوميًا في 2023، مع خطط رسمية لرفع الإنتاج إلى 100 ألف برميل يوميًا.

مثلًا، تراجع حقل العُمَر الذي كان ينتج 80 ألف برميل يوميًا إلى نحو 20 ألفًا، وحقل التنك من 40 ألفًا إلى ألف برميل يوميًا، بينما انهار إنتاج السويدية من 116 ألف برميل إلى نحو 7 آلاف فقط. أما في الغاز، فانخفض الإنتاج من نحو 30 مليون متر مكعب يوميًا قبل الحرب إلى قرابة 10 ملايين حاليًا، مع توقّعات رسمية بالوصول إلى 15 مليون متر مكعب في 2026؛ فيما لا يزال معمل كونيكو متوقفًا رغم قدرته السابقة على إنتاج 13 مليون متر مكعب يوميًا. وبالنتيجة، تأثرت باقي قطاعات الطاقة لا سيما وأن هذا التراجع الحاد يفسر استمرار غلاء الكهرباء، إذ لا تزال منظومة التوليد تعتمد على النفط والغاز بنسبة مرتفعة، في وقت لا يكفي فيه الإنتاج المحلي لتشغيل المحطات بكامل طاقتها؛ ما اضطر الحكومة الحالية إلى الاعتماد على مسار خارجي عبر الأردن لتوريد الغاز، سواء القادم من مصر عبر خط الغاز العربي أو ضمن ترتيبات إقليمية تشمل قطر، بوصفه حلًا إسعافيًا لتغطية فجوة الكهرباء، لا بديلًا استراتيجيًا عن استعادة الاكتفاء.

المفارقة أن سورية، رغم امتلاكها احتياطيات مؤكدة تُقدَّر بنحو 2.5 مليار برميل، باتت أسيرة معادلة ندرة إنتاج وندرة تشغيل وشركات تبحث عن استثمارات في بيئة آمنة، لا ندرة موارد؛ حيث تحوّلت السيطرة على الحقول من مصدر وفرة إلى محاولة لإدارة العجز والمخاطر. وعليه، فإن استعادة هذه الحقول أعادت للدولة موردًا سياديًا وأضعفت الخصوم ماليًا، لكنها لم تُنهِ بعد الاعتماد على الغاز المستورد ولا العبء الثقيل لكلفة الكهرباء، ما لم تُستعد القدرة الإنتاجية الحقيقية وتُعاد تأهيل الحقول والمصافي والبنية التحتية بصورة شاملة.

مركزية عقدة حمص-بانياس

أدّى تدهور قطاع التكرير إلى تضييق الخيارات الاستراتيجية المتاحة أمام دمشق بشكل إضافي؛ لا سيما بعد أن انخفض إجمالي الإنتاج المكرّر بصورة حادة منذ 2024، ليستقر عند مستويات تاريخية متدنية رغم استمرار الطلب. حول هذا الانهيار مصافي التكرير، مثل حمص وبانياس، من عقد فائض إلى نقاط اختناق؛ وبالتالي، لم تعد السيطرة على الحقول النفطية شرق الفرات ذات جدوى إلا إذا اقترنت بممرات نقل آمنة ومعالجة مركزية وتصريف داخلي مريح يلبي السوق. ومن خلال استعادة أصول المنبع وتوجيه الخام إلى هذه المصافي، أصبحت قدرة دمشق أعلى على مستوى إعادة دمج النفط ضمن منظومة وطنية، لا القبول باقتصادات استخراج محلية منفصلة؛ لتقليص القيمة الاستراتيجية لشبكات التهريب والتكرير البدائي التي ازدهرت في ظل السيطرة المجزأة. عسكريًا، تطلّب هذا المسار التحكم بالمعابر النهرية ومحاور النقل؛ وسياسيًا، استلزم تفكيك قدرة قسد على تحويل النفط إلى سلطة إدارية مستقلة.

العقوبات والحيز الاستراتيجي

خلال مرحلة العقوبات المشددة على نظام الأسد ("قانون محاسبة سورية" و"قانون قيصر" و"قانون مكافحة المخدرات" والعقوبات على أفراد وكيانات)، أدى الاعتماد المتزايد على استيراد النفط والمنتجات المكررة إلى تضييق هامش المناورة أمام الدولة، وجعل إدارة ملف الطاقة خاضعة لمنطق الضرورة لا الخيار. مع تأمين الواردات لأقل من ثلث احتياجات البلاد من النفط الخام، واتساع الفجوة في المنتجات المكررة، وضعف التوريد لا سيما وأن الحلفاء (إيران والصين وروسيا) كانوا محكومين بموضوع العقوبات أيضًا، باتت منظومة الطاقة عرضة مباشرة لقيود العقوبات، واضطرابات النقل البحري، وتقلبات الضغط السياسي الخارجي؛ وبالتالي تحوّل كل حقل نفطي خارج سيطرة الدولة إلى نقطة هشاشة إضافية، إذ يدفع نحو قنوات استيراد أكثر كلفة وأشد تعرضًا للانقطاع، ويعمّق الارتهان لمسارات خارجية غير مستقرة.
ومع رفع العقوبات بقرار أميركي، وبدء انفتاح تدريجي على مسار إعادة الاندماج الاقتصادي، اتّسع الحيّز الاستراتيجي المتاح أمام الدولة السورية بصورة ملموسة. في هذا السياق، برزت الحاجة إلى إعادة تنظيم إدارة الموارد الحيوية ضمن أطر مؤسسية موحّدة، بما ينسجم مع متطلبات الاستثمار، وإعادة التأهيل، واستقرار منظومة الطاقة. ويعكس التعامل مع ملف قوات سورية الديمقراطية هذا التحوّل، حيث أُعطيت أولوية لترتيب السيطرة الإقليمية والبنيوية بوصفها شرطًا ضروريًا لتفعيل أي مسار اقتصادي أو سياسي مستدام، لا بديلًا عن التفاهمات المرحلية. ومع إعادة تعريف النفط باعتباره ركيزة سيادة اقتصادية وأداة استقرار طويل الأمد في مرحلة ما بعد العقوبات، لم يعد تأجيل الحسم العسكري خيارًا عمليًا، بل بات بوابة فعلية نحو الانتقال المنظّم نحو إدارة مركزية للموارد جزءًا من استحقاقات المرحلة الجديدة.

الطاقة ومسألة الاندماج

لا يمكن فهم فشل مسار الاندماج بين قسد ودمشق (مسار آذار 2025 ومسار كانون الثاني/يناير 2026) دون إدراك دور النفط في تشكيل اختلالات القوة؛ إذ طالما احتفظت قسد بالسيطرة على أصول طاقوية أساسية، وكأن الاندماج يعني تفاوضًا بين أطراف شبه متكافئة. الآن مع استعادة تلك الأصول عسكريًا، تحوّل الاندماج إلى عملية استيعاب إداري تحت سلطة مركزية، وأدت التنازلات الثقافية واللغوية التي طرحتها دمشق وظيفة مخارج سياسية، لا أسسًا لسيادة مشتركة. في هذه المرحلة، أصبح النفط الأداة التي أعادت الدولة عبرها تثبيت الهرمية؛ وكان القرار واضحًا عبر طرح فكرة المشاركة في المؤسسات الوطنية تأتي بعد فقدان القواعد المالية والطاقوية المستقلة، لا قبلها.

في واقع سورية اليوم، يبرز ملف الطاقة عمومًا والكهرباء خصوصًا، بوصفه المؤشر الأوضح على قدرة الدولة على إدارة الموارد النفطية وبناء الثقة العامة، إذ لا يزال النفط مدخلًا رئيسيًا في منظومة التوليد رغم تراجع الإنتاج. ينعكس أي تحسّن، ولو محدود، في توفر الخام مباشرة على استقرار التغذية الكهربائية ويخفف تدريجيًا من ضغط غلاء الأسعار الذي سببته قرارات وزارة الكهرباء الأخيرة، ما يمنح المواطنين إشارات ملموسة على جدية الإدارة الاقتصادية وليس مجرد قرارات هواة وقرارات تجريبية. يتحول قطاع الطاقة في سورية في مرحلة ما بعد النزاع، إلى واجهة يومية بين الدولة والمواطنين، وأداة لتحويل الوعود السياسية إلى تطمينات قابلة للتحقق؛ لذلك ارتبطت استعادة الآبار النفطية بإعادة تنظيم مسارات الإنتاج والنقل والتكرير ضمن منظومة موحّدة، لا بهدف تحقيق عائدات سريعة، بل لإثبات القدرة على الإدارة والانضباط المؤسسي. وفي هذا السياق، تكتسب الترتيبات الأمنية والعسكرية حول الحقول والمنشآت أهمية تتجاوز السيطرة الميدانية، ويتحول احتكار العنف والسلاح والقوة الأمنية شروطًا لجذب المستثمرين ورفع الطاقة الإنتاجية، إذ يبحث رأس المال عن بيئة مستقرة يمكن التنبؤ بها أكثر مما يبحث عن حجم الاحتياطيات وحده. وبهذا المعنى، يشكّل إدراج النفط ضمن منظومة إدارة مركزية خطوة باتجاه الخروج من اقتصاد الحرب، وبناء مسار يربط الأمن بالاستثمار، والاستثمار بتخفيف الأعباء المعيشية، واستعادة الثقة على المدى المتوسط.

التعليقات