اكتمال الانسحاب الأميركي من سورية وفرص توزيع القوة

قد تبدو أخطر عواقب الانسحاب الأميركي هي الأمن، وهذه فكرة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمسألة فراغ السلطة، إذ يفترض الانسحاب قدرة المؤسسات السورية على احتواء فلول تنظيم داعش، لكن التاريخ يُظهر أن التنظيمات المسلحة تتجدد في مناطق الضعف الانتقالي...

اكتمال الانسحاب الأميركي من سورية وفرص توزيع القوة

(توضيحية - Gettyimages)

في نيسان/أبريل 2026، أكمل الجيش الأميركي انسحابًا تدريجيًا من سورية، منهيًا بذلك فعليًا وجوده العسكري المباشر الذي دام عقدًا من الزمن في البلاد. بدأت العملية في شباط/فبراير بتسليم حامية التنف ذات الأهمية الاستراتيجية قرب الحدود الأردنية العراقية، وهو موقع لطالما شكّل قاعدة واشنطن اللوجستية والاستخباراتية في جنوب شرق سورية. وبحلول أواخر شباط/فبراير، بدأت قوافل أميركية بمغادرة قاعدة "قسرك" الأكبر في الحسكة، ناقلةً مركبات مدرعة ومعدات عسكرية باتجاه العراق، مع تفجير المعدات التي لا يمكن نقلها لضمان عدم تفكيكها، في إشارة إلى أن الانسحاب كان شاملًا من الناحية العملياتية. وفي 16 نيسان/أبريل، غادرت القافلة الأخيرة قاعدة قسرك، ودخلت قوات الحكومة السورية على الفور، لتسيطر رسميًا على ما أصبح آخر منشأة عسكرية أميركية رئيسية في البلاد.

تكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا الانسحاب في أنه تمّ من خلال انتقال تفاوضي مرتبط بإعادة دمج قوات سورية الديمقراطية، بقيادة كردية، في بنية الدولة السورية، وليس تحت ضغط ميداني أو نتيجة هزيمة عسكرية. صاغت واشنطن هذه الخطوة على أنها "مشروطة"، مؤكدةً أن التعاون في مكافحة الإرهاب ضد تنظيم الدولة الإسلامية سيستمر من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية، والدعم اللوجستي، والعمليات التي يقودها الشركاء، بدلًا من نشر القوات بشكل مباشر، وهو أمر مكلف للغاية وغير ذي جدوى، لا سيما بعد سقوط الأسد وتبدل منظومة القوة داخل سورية. هذا يعني إزالة الوجود العسكري الأميركي، لكن البنية الأمنية الأميركية تحولت إلى نموذج غير مباشر، ولم تختفِ تمامًا. وبالتالي، فهي نهاية مرحلة التدخل التي توازت مع دخول القوات الروسية إلى البلاد عام 2015، وبداية ترتيب سياسي أمني جديد في سورية، حيث تسعى واشنطن إلى تعزيز نفوذها دون وجود عسكري دائم على الأرض.

سياسيًا، يُعيد الانسحاب رسم خريطة السيادة السورية؛ فبالنسبة إلى سورية، مثلًا، يُمكّن استعادة القواعد التي كانت تحت سيطرة الولايات المتحدة الحكومة المركزية في دمشق من الترويج لرواية إعادة توحيد الأراضي بعد سنوات من التشرذم، وتعزيز رواية القيادة الشاملة والانتصار. بينما، إقليميًا، يفتح هذا الانسحاب مساحة استراتيجية لقوى مثل تركيا وروسيا ودول الخليج العربي لإعادة تقييم أدوارها العسكرية والدبلوماسية داخل سورية. أما بالنسبة إلى واشنطن، فيُمثل الانسحاب إعادة تقييم أوسع لأولويات الشرق الأوسط، من حيث تقليص التورط العسكري مع الحفاظ على النفوذ من خلال الشركاء الإقليميين والتدخلات الموجهة، لا سيما أن موقف دونالد ترامب يختصر فلسفة الانسحاب حين دافع عن قراره بالقول إنه يحترم معارضي الخطوة داخل الحزب الجمهوري، لكنه ربطها بإرادة شعبية متزايدة ترى أن الوقت قد حان لعودة الجنود الأميركيين إلى بلادهم، مؤكدًا أن الولايات المتحدة "ليست قوة شرطة" لإدارة صراعات الآخرين. وبالتالي، يكشف هذا الموقف عن تحوّل أعمق في العقيدة الأمنية الأميركية، يقوم على تقليص الانخراط العسكري المباشر في بؤر النزاع وإعادة تعريف الأولويات الأمنية وفق منطق حماية الداخل وتقليل كلفة الانتشار الخارجي؛ وبهذا طوى نيسان/أبريل 2026 صفحة الانتشار العسكري الأميركي العلني في سورية، لكنه لم يُنهِ الصراع الجيوسياسي الأوسع نطاقًا حول مستقبل سورية.

ليس الهدف هنا توصيف تحركات القوات الأميركية بحد ذاتها، لكن بطريقة ما يجب التركيز على نوع النظام الإقليمي الذي سيحل محل المظلة العسكرية الأميركية؛ على اعتبار أن الوجود الأميركي في سورية (على الأقل بعد سقوط الأسد) لم يكن مجرد مكافحة للإرهاب، بقدر ما كان أداة جيوسياسية جمّدت أجزاءً من الصراع، وحافظت على التوازن بين القوات الكردية ودمشق، وأغلقت الممرات البرية الإيرانية، وقلّصت الاحتكار الاستراتيجي الروسي للمجال الجوي والدبلوماسية السورية. تُحوّل واشنطن بانسحابها هذا فعليًا قوتها العسكرية إلى نفوذ عن بُعد؛ بمعنى أنها ستبقي على تعاون استخباراتي، وضغط بالعقوبات، واستثمار دبلوماسي بدلًا من الوجود الإقليمي. يعكس هذا عقيدة أميركية أوسع نطاقًا للانكماش الاستراتيجي في الشرق الأوسط، أي تقليل التكاليف العسكرية المباشرة مع الحفاظ على المرونة السياسية. في النظرية الاستراتيجية، يُعرف هذا بالتوازن الخارجي: النفوذ دون احتلال.

النتيجة المباشرة هي إعادة توزيع السلطة داخل سورية؛ إذ تبرز دمشق كأكبر فائز مؤسسي، إذ يعيد الانسحاب السيادة الجغرافية، إذا ما قلنا إن القواعد العسكرية، والطرق الحدودية، والمناطق المنتجة للنفط أصبحت الآن تحت سلطة مركزية أو بموجب ترتيبات مرتبطة بها. بالنسبة للرئيس أحمد الشرع، يُمثل هذا رصيدًا سياسيًا، ودليلًا على انتقال سورية من مناطق حرب مجزأة إلى إعادة توحيد الأراضي، وبالتالي الحفاظ على روايته المتعلقة بالانتقال من عقلية الفصائل إلى عقلية الدولة والمؤسسات. لكن التحول الحقيقي يتعلق بقوات سورية الديمقراطية التي يقودها الأكراد؛ فقد كانت قوتها تعتمد على الحماية الأميركية، وبدونها يتقلص استقلالها السياسي، ويصبح بقاؤها مرهونًا بالاندماج التفاوضي مع دمشق، وهذا بحد ذاته يُحوّل القضية الكردية من ملف أمني دولي إلى عملية تفاوض سورية داخلية، ويغير بنية شمال شرق سورية بأكملها.

قد تبدو أخطر عواقب الانسحاب الأميركي هي الأمن، وهذه فكرة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمسألة فراغ السلطة، إذ يفترض الانسحاب قدرة المؤسسات السورية على احتواء فلول تنظيم داعش، لكن التاريخ يُظهر أن التنظيمات المسلحة تتجدد في مناطق الضعف الانتقالي والمناطق البعيدة عن المركز، لا سيما الرقة ودير الزور والبادية السورية. إذا ظل الحكم في شرق سورية هشًا، فقد يستغل داعش هذه المساحات والثغرات الحدودية والمظالم المحلية لإعادة تنظيم صفوفه، ولن يعيد ذلك الخلافة، ولكنه قد يعيد إشعال فتيل التمرد. من هذا المنطلق، يُعد الانسحاب رهانًا كبيرًا؛ فإذا عززت سورية سلطتها، فسيكون ذلك بداية الاستقرار، وإذا تفتتت السلطة، فسيكون ذلك بداية دورة جديدة من العنف. لذا، فإن الانسحاب الأميركي ليس نهاية الصراع، وإنما بصيغة أخرى هو نقل لمسؤولية إدارته.

لكن استراتيجيًا، يُزيل الانسحاب عنصر ضبط خارجي كان يوقف الصراع بين دمشق والقوات الكردية، ويحدّ من التنافس التركي في الشمال الشرقي، ويقيّد التمدد الإيراني. ومع غياب هذا العامل، تنتقل كامل مسؤولية الأمن وإدارة الحدود واحتواء تنظيم داعش ودمج القوى المحلية إلى الدولة السورية، ما يرفع مستوى الضغط المؤسسي عليها. ويبرز الملف الكردي كأول اختبار مباشر؛ إذ يمنح مسار الاندماج مع دمشق مكسبًا سياسيًا، لكنه يظل غير محسوم ما لم يتحول إلى تسوية مستدامة. وفي حال تعثر هذا المسار، قد يتحول الصراع من مواجهة مركز مع وكلاء وخلايا نائمة إلى توتر داخلي بين المركز والأطراف. وبذلك، يمنح الانسحاب دمشق مكسبًا سياديًا واضحًا، لكنه في المقابل يرفع مستوى الاختبار المؤسسي والأمني لقدرتها على إدارة المجال السوري من دون مظلة ضبط خارجية.

أما من منظور الأمن القومي الأميركي، فيُمثل الانسحاب مفاضلة بين الكفاءة التكتيكية والانكشاف الاستراتيجي. فبالنسبة إلى واشنطن، يتمثل المكسب الفوري في حماية القوات وإعادة توزيعها استراتيجيًا؛ لا سيما أن سورية أصبحت ساحة انتشار منخفضة التكلفة نسبيًا، ولكنها مكشوفة سياسيًا؛ على اعتبار أن نحو ألف جندي يعملون في منطقة قتال مكتظة تُسيطر عليها الميليشيات المدعومة من إيران، والعمليات الروسية، والعمليات التركية، وبقايا داعش. بهذا الانسحاب، تُقلل الولايات المتحدة من خطر الخسائر في صفوف قواتها، وتُخفض التكاليف التشغيلية، وتُوفر موارد عسكرية للمسارح ذات الأولوية الأعلى، مثل الحرب على إيران ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، وردع الصين وروسيا. في التخطيط الاستراتيجي الأميركي، يعكس هذا تحديد الأولويات، التي تبدأ من تقليص الالتزامات الثانوية للتركيز على إدارة المنافسة مع الدول الخطرة. هنا نخلص إلى منطق واضح، وهو أن سورية مهمة، لكنها لم تعد على رأس أولويات الاستراتيجية الأميركية الكبرى.

لكن الخطر الأمني يكمن في فقدان الولايات المتحدة قدرتها على التدخل المباشر والسريع في العمليات في سورية لو استدعى الأمر، إذ كانت القوات الأميركية جزءًا من منظومة استخباراتية ومكافحة إرهاب تراقب شبكات داعش، وتحركات الميليشيات الإيرانية، واللوجستيات الجهادية العابرة للحدود في الوقت الفعلي. والآن، بمجرد انسحاب القوات، تتحول الولايات المتحدة من المراقبة المباشرة إلى المراقبة عن بُعد، مما يُبطئ سرعة رد الفعل. إذا أعاد داعش بناء خلاياه في شرق سورية، فقد تشن الولايات المتحدة ضربة، لكن من مسافة أبعد، بمعلومات استخباراتية محلية أقل وتنسيق أقل.