يبدو الاتفاق الإطاري الإسرائيلي-اللبناني، في ظاهره، إطارًا أمنيًا يهدف إلى إنهاء حالة الحرب المفتوحة بين الطرفين، وإعادة تنظيم الواقع الأمني على الحدود الجنوبية للبنان، ووضع مسار تدريجي لنزع سلاح حزب الله وتعزيز دور الدولة اللبنانية ومؤسساتها العسكرية. غير أن القراءة الأعمق لبنود الاتفاق والسياقات التي أحاطت به تكشف أنه يتجاوز، بكثير، حدود العلاقة الثنائية بين بيروت وتل أبيب، ويتحول إلى جزء من عملية أوسع لإعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية في المشرق العربي بأكمله. ونلاحظ أن الاتفاق يؤسس لمنطق إقليمي جديد يقوم على إعادة توزيع القوة بين الدول والفاعلين من دون الدولة، وربط الشرعية السياسية باحتكار الدولة لأدوات القوة والسيطرة على الحدود، وهي معادلة تتجاوز لبنان لتضع سورية في قلب التحولات المقبلة، ولا يكتفي بإعادة تعريف وظيفة الدولة اللبنانية ودورها.
يؤسس الاتفاق لمرحلة جديدة في التفكير الأميركي والإسرائيلي تجاه المنطقة عمومًا، وسورية ولبنان خصوصًا، تقوم على الانتقال من إدارة الصراعات عبر الحروب الدورية والمواجهات المفتوحة إلى إدارة الجغرافيا السياسية من خلال منظومات أمنية مترابطة، تبدأ من الحدود ولا تنتهي عندها. إذ إن المسألة لا ترتبط بإبعاد مقاتلي حزب الله عن جنوب الليطاني أو بمنع إطلاق الصواريخ نحو شمال إسرائيل فحسب، بل تمتد إلى صياغة المجال الأمني الممتد من البحر المتوسط حتى الحدود العراقية، ومن جنوب لبنان حتى العمق السوري. وبالتالي، تكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة لأنها تتعامل مع الأمن باعتباره شبكة مترابطة من الحدود والمعابر وخطوط الإمداد والممرات الاقتصادية، بحيث يصبح استقرار أي دولة مرتبطًا بإعادة تنظيم المجال الإقليمي المحيط بها، وليس فقط بالإجراءات الداخلية التي تتخذها حكومتها.
يفسر ذلك الإصرار الإسرائيلي والأميركي على توسيع نطاق الاتفاق من جنوب لبنان إلى كامل الأراضي اللبنانية، وعلى ربط أي انسحاب إسرائيلي بإجراءات ملموسة تتعلق بنزع السلاح وتفكيك القوة العسكرية والتنظيمية، وحتى المدنية (جمعيات ومدارس وأسواق وبنى تحتية)، لحزب الله. وإذا قلنا إن المعادلة الجديدة التي أسس لها توم برّاك في عدة مناسبات تقوم على أن الانسحاب ليس نقطة البداية، وإنما نتيجة لمسار أمني طويل، وأن مفهوم السيادة يقاس بوجود مؤسسات الدولة، والأهم بقدرتها على فرض احتكارها للقوة ومنع أي بنية عسكرية موازية من العمل داخل حدودها، فإن الاتفاق يتحول هنا من مجرد تفاهم حدودي إلى نموذج سياسي وأمني تسعى واشنطن إلى تعميمه في ساحات سورية والعراق، حيث ما تزال العلاقة بين الدولة والفاعلين المسلحين تشكل إحدى أبرز القضايا المطروحة على جدول الأعمال الإقليمي والدولي، وتمتد تداعياته إلى ساحة الخليج العربي في ظل الحرب الأميركية-الإيرانية وتبعاتها.
تكتسب سورية أهمية استثنائية في هذا السياق لأنها تمثل الحلقة التي يتوقف عليها نجاح الاتفاق أو فشله، إذا ما قلنا إنه خلال العقود الماضية، وحتى سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، تشكلت علاقة عضوية بين الساحة اللبنانية والعمق السوري، سواء على مستوى الجغرافيا، أو الأمن، أو اللوجستيات، أو التوازنات الإقليمية. واعتمد حزب الله بصورة كبيرة على الأراضي السورية باعتبارها مجالًا استراتيجيًا يربطه بإيران ويؤمن له خطوط الإمداد والتدريب والتخزين والحركة. ولذلك، فإن أي محاولة لإعادة صياغة الواقع الأمني في لبنان تقود تلقائيًا إلى إعادة النظر في وظيفة الأراضي السورية ودورها في المنظومة الإقليمية الجديدة. وتنتقل أهمية سورية هنا من كونها طرفًا متأثرًا بالاتفاق إلى كونها أحد شروط تنفيذه الأساسية؛ إذ إن المعركة الفعلية التي يتحدث عنها الاتفاق ليست معركة جنوب لبنان، وإنما معركة إعادة بناء المنظومة الأمنية التي سمحت، طوال سنوات، بتدفق السلاح والأموال والخبرات والقدرات العسكرية عبر الحدود. ومن هذا المنطلق، تصبح الحدود السورية-اللبنانية أحد أهم الملفات المطروحة في المرحلة المقبلة، لأن نجاح أي عملية لنزع السلاح داخل لبنان يرتبط بقدرة الدولة السورية على ضبط حدودها ومنع إعادة إنتاج الشبكات التي قامت عليها البنية العسكرية للحزب خلال العقود الماضية.
يفتح ذلك الباب أمام تحول كبير في طبيعة العلاقة بين دمشق والمجتمع الدولي، على اعتبار أنه خلال السنوات الماضية جرى التعامل مع سورية بوصفها ساحة أزمة تحتاج إلى إدارة أمنية وسياسية وعسكرية، بينما تفرض التطورات الجديدة مقاربة مختلفة تنظر إلى سورية باعتبارها جزءًا من الحل الإقليمي، وليس فقط جزءًا من المشكلة. وتنبع أهمية هذا التحول من أن القوى الدولية والإقليمية أصبحت تنظر إلى الاستقرار اللبناني والسوري باعتبارهما ملفًا واحدًا، وأن إعادة بناء الأمن في لبنان تحتاج إلى تعاون سوري في ملفات الحدود والتهريب وحركة السلاح والتنسيق الأمني، الأمر الذي يمنح دمشق موقعًا تفاوضيًا مختلفًا عما كان سائدًا خلال السنوات السابقة، وصولًا إلى ضغوط أميركية على دمشق للتدخل ضد حزب الله في أكثر من مناسبة.
في الوقت ذاته، تفرض هذه التحولات تحديات معقدة على دمشق الخارجة من 14 عامًا من الحرب، على اعتبار أن نجاح الاتفاق الإسرائيلي-اللبناني يضع سورية أمام ضغوط متزايدة تتعلق بإدارة الحدود، وحصر السلاح بيد الدولة، وضبط المجال الأمني، والتعامل مع شبكات النفوذ المتداخلة داخل الإقليم. كما يضعها أمام محاولات متكررة لاستدراجها إلى أدوار تتجاوز أولوياتها الوطنية، سواء من خلال دفعها إلى الانخراط في صراعات جديدة أو تحميلها أعباء ترتبط بترتيبات أمنية لا تخدم بالضرورة مصالحها الاستراتيجية. وتقود هذه المعادلة إلى إعادة تعريف مفهوم السيادة في الحالة السورية؛ لأن المطلوب من دمشق في المرحلة المقبلة ليس فقط بسط السيطرة الإدارية والأمنية على الأراضي، أو إعادة تشغيل المؤسسات، بل أيضًا تفعيل قدراتها على إدارة الحدود والمجال الأمني ومنع استخدام الأراضي السورية في الصراعات الإقليمية. وبالتالي، تصبح هذه القدرة جزءًا من معايير الحكم على نجاح الدولة السورية الجديدة، كما تصبح مدخلًا لإعادة دمجها في النظام الإقليمي والدولي، وشرطًا أساسيًا للاستفادة من الفرص الاقتصادية والسياسية التي قد تفتحها التحولات الحالية.
تتجاوز انعكاسات الاتفاق الجانب الأمني لتطال الحسابات الاقتصادية بصورة مباشرة؛ لأن إعادة بناء لبنان واستقراره ترتبطان، بالضرورة وبحكم الجغرافيا، بالدور السوري، سواء من خلال المعابر البرية، أو شبكات النقل، أو مشاريع الطاقة، أو خطوط التجارة التي تصل شرق المتوسط بالأسواق العربية. ولهذه المسألة أهمية إضافية في ظل الحديث المتزايد عن مشاريع الربط الإقليمي، ومشروع البحار الأربعة، والممرات التجارية، وخطوط النفط والغاز التي يمكن أن تمر عبر الأراضي السورية. وبالتالي، تدفع هذه التطورات باتجاه إعادة الاعتبار للموقع الجغرافي السوري باعتباره أحد أهم عناصر القوة الاستراتيجية في المنطقة، وتحويل الاستقرار الأمني إلى مدخل لاستعادة الدور الاقتصادي الذي تراجع خلال سنوات الحرب.
وتبرز هنا أهمية الموقف السوري الذي يركز على بناء العلاقة مع لبنان من منطلق الدولة إلى الدولة، وعلى تعزيز التنسيق الأمني والاقتصادي بين البلدين، وعلى التعامل مع ملف السلاح والحدود ضمن إطار مؤسساتي يمنع الانزلاق نحو مواجهات داخلية أو إقليمية واسعة؛ كون هذه المقاربة تنطلق من إدراك متزايد بأن إسرائيل تسعى إلى استثمار التحولات الراهنة لترسيخ وقائع سياسية وأمنية جديدة في لبنان وسورية، وأن أي صدام سوري-لبناني لن يؤدي إلا إلى تعزيز الموقع الإسرائيلي وتوسيع هامش الحركة أمامه.
تكشف مجمل التطورات أن المنطقة تقف أمام مرحلة انتقالية تتجاوز قضية حزب الله أو مستقبل الجنوب اللبناني؛ كون المسألة الأعمق تتعلق بإعادة تشكيل النظام الإقليمي نفسه، وبالانتقال من مرحلة قامت على محاور الصراع والردع المتبادل إلى مرحلة جديدة تقوم على إدارة الحدود والممرات والاقتصاد وشبكات النفوذ. وتقف سورية هنا باعتبارها العقدة الجغرافية التي تلتقي عندها طرق التجارة والطاقة والأمن والسياسة، وباعتبارها الساحة التي سيجري فيها اختبار قدرة النظام الإقليمي الجديد على التحول من مشروع نظري إلى واقع عملي.
على الرغم من الطرح أعلاه، تتمثل المفارقة الأساسية في أن الاتفاق الذي جرى توقيعه بين لبنان وإسرائيل قد يكون، في جوهره، اتفاقًا حول مستقبل سورية أكثر مما هو اتفاق حول مستقبل لبنان؛ كون تنفيذ معظم بنوده يرتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بما سيجري على الأراضي السورية، وبقدرة دمشق على إدارة الحدود، وبموقعها داخل التوازنات الإقليمية الجديدة، وبالدور الذي ستختار أن تلعبه في مرحلة إعادة رسم خرائط النفوذ والمصالح في المشرق. ولذلك تبدو سورية، في هذا الاتفاق، الطريق الموازي في مسار إعادة هندسة الأمن الإقليمي، والساحة التي ستحدد نتائجها ما إذا كان الاتفاق يشكل بداية استقرار طويل الأمد، أم محطة جديدة في سلسلة الصراعات التي عرفتها المنطقة خلال العقود الماضية.