ماكرون في دمشق: "اعتراف غربي بسورية الجديدة"

الرئيس الفرنسي يبدأ زيارة غير مسبوقة إلى دمشق، هي الأولى لرئيس دولة غربية كبرى منذ تولي السلطة الجديدة في سورية، وسط تركيز على إعادة الإعمار، وملفات الأقليات، ومكافحة تنظيم "داعش"، ودور سورية الإقليمي.

ماكرون في دمشق:

ماكرون والشرع (أرشيفية - Getty Images)

بدأ الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، مساء الإثنين، زيارة غير مسبوقة إلى دمشق، هي الأولى لرئيس دولة غربية كبرى منذ تولي الرئيس السوري، أحمد الشرع، السلطة أواخر عام 2024، بعد الإطاحة بنظام الأسد، في خطوة تحمل دلالات سياسية واقتصادية واسعة في مسار عودة سورية إلى الساحة الدولية.

تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"

ولم تعلن باريس عن زيارة ماكرون قبل هبوط طائرته في العاصمة السورية، على الأرجح لأسباب أمنية، في وقت لا تزال فيه سورية تواجه تحديات كبيرة في تثبيت الأمن والاستقرار بعد 13 عامًا من الحرب، وبعد أيام من تفجير استهدف مقهى في دمشق، الخميس، وأسفر عن مقتل 10 أشخاص.

وقال ماكرون، عبر منصة "إكس"، فور وصوله: "آتي لأؤكد التزام فرنسا إلى جانب الشعب السوري. من أجل سورية ذات سيادة، موحدة بتعدديتها وفي سلام مع جيرانها. فلنفتح معًا صفحة جديدة من الاستقرار والسلام".

واستقبل وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، الرئيس الفرنسي في دمشق، قبل أن يتوجه الأخير إلى عشاء عمل مع نظيره السوري. وفي مستهل الزيارة، زار ماكرون الجامع الأموي في دمشق برفقة الشرع.

ورحّب الشرع، في مقابلة بثتها قناة "بي أف أم تي في" الفرنسية، بدور فرنسا "البناء" في سورية، معتبرًا أنها كانت من "أصدقاء الشعب السوري" خلال سنوات الثورة، و"داعمة لمسار الثورة السورية، لنيل الشعب حريته وكرامته من استبداد النظام السابق". وقال إن زيارة ماكرون "تُشكّل تطورًا مهمًا في العلاقة بين البلدين".

وتعد هذه أول زيارة لرئيس فرنسي إلى سورية منذ زيارة الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي عام 2009، قبل القطيعة التي أعقبت القمع الدموي للثورة في عام 2011، ثم تحولها إلى حرب مدمرة أودت بحياة أكثر من نصف مليون شخص. كما أن ماكرون هو أول رئيس دولة في الاتحاد الأوروبي يزور دمشق منذ الإطاحة بالأسد.

وكان ماكرون أول رئيس غربي يستقبل الشرع في باريس، في أيار/ مايو 2025، رغم انتقادات اليمين واليمين المتطرف الفرنسيين على خلفية الماضي الجهادي للرئيس السوري. وبعد باريس، زار الشرع واشنطن في تشرين الثاني/ نوفمبر، حيث التقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قبل أن تُرفع العقوبات الأوروبية والأميركية المفروضة على سورية.

ووصفت وكالة الأنباء السورية الرسمية "سانا" زيارة ماكرون بأنها "تاريخية"، وعدّتها "محطة مفصلية في مسار استعادة سورية حضورها الدولي"، وتجسيدًا لانتقال العلاقات السورية الفرنسية إلى "مرحلة جديدة تقوم على الاحترام المتبادل والشراكة المتكافئة".

ويرافق ماكرون في زيارته عدد من كبار المسؤولين التنفيذيين في شركات فرنسية، بينهم رئيس مجلس إدارة شركة "سي إم إيه-سي جي إم"، رودولف سعادة، والرئيس التنفيذي لشركة "توتال إنرجيز"، باتريك بويانيه، في مؤشر إلى تركيز الزيارة على إعادة الإعمار واستئناف الاستثمار.

وقال الشرع إن سورية تفتح "بوابة الاستثمار لإعادة الإعمار"، واصفًا ذلك بأنه "فرصة غنية جدًا للشركات الكبرى الباحثة عن الفرص الاستثمارية". وأضاف أن بلده يحتاج إلى شراكات واسعة في قطاعات عديدة بعد "هدم كبير جدًا خلال فترة الحرب التي استمرت 14 عامًا"، مشيرًا إلى فرص في البنى التحتية والسياحة والزراعة والصناعة.

وكشف الشرع أن سورية تعمل على عقد كبير لشراء ثماني طائرات "إيرباص"، فيما كانت دمشق قد وقعت، في أيار/ مايو 2025، عقدًا لمدة 30 عامًا مع شركة "سي إم إيه-سي جي إم" لتطوير وتشغيل ميناء اللاذقية بقيمة 230 مليون يورو. كما وقعت في أيار/ مايو 2026 مذكرة تفاهم مع "كونوكو فيليبس" الأميركية و"توتال إنرجيز" الفرنسية و"قطر للطاقة" لاستكشاف النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية.

ومن المقرر أن يعقد ماكرون محادثات غير رسمية مع الشرع مساء الإثنين، تليها محادثات رسمية الثلاثاء ومؤتمر صحافي مشترك. وشدد الإليزيه على أن "سورية الجديدة لن تكون شريكًا لنا إلا بشرط أن تؤخذ تعدديتها بالكامل في الاعتبار"، مؤكدًا أن باريس "صارمة" في هذا المطلب. وأضاف: "لا مجال لأن تحل سلطة إقصائية محل سلطة إقصائية أخرى".

ويبحث ماكرون والشرع كذلك ملف مكافحة تنظيم "داعش"، الذي انخرطت فيه السلطات السورية بعد انضمامها إلى التحالف الدولي بقيادة واشنطن، إضافة إلى ملف الجهاديين الفرنسيين الموجودين في سورية. وكانت فرنسا قد تعرضت عام 2015 لهجمات كبيرة تبناها التنظيم، وخُطط لها من سورية.

وفي هذا السياق، يبرز أيضًا مصير قوات سورية الديمقراطية (قسد)، التي قادها الأكراد وتلقت دعمًا غربيًا، بينها دعم فرنسي، وكانت رأس حربة في قتال التنظيم، قبل توقيع اتفاق دمج مع دمشق مطلع العام الحالي.

ويرى السفير الفرنسي السابق والخبير في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، دوني بوشار، أن زيارة ماكرون تعكس رغبة في "تقوية النظام الجديد في سورية"، في وقت "تبذل إسرائيل في المقابل كل ما بوسعها لإبقاء سورية ضعيفة ومجزأة"، وبالتوازي مع توجسها من النفوذ التركي الداعم للشرع.

وبعد دمشق، يتوجه ماكرون مساء الثلاثاء إلى أنقرة للمشاركة في قمة حلف شمال الأطلسي، حيث يلتقي الأربعاء الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، ومن المتوقع أن يحضر الملف السوري في المباحثات. كما يلتقي الشرع، على هامش القمة، الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وفي الملف اللبناني، تبدي باريس تباينًا مع رغبة عبّر عنها ترامب مرارًا بأن تؤدي سورية دورًا في "التعامل" مع حزب الله المدعوم من إيران. وقالت الرئاسة الفرنسية إن ما تنتظره من سورية "بكل بساطة هو أن تحترم جارها لبنان"، معربة عن ارتياحها للمواقف التي أعلنتها دمشق بهذا الشأن، في وقت أكد الشرع أنه لا يعتزم التدخل في لبنان.