السعودية: اعتقالات وإقالات واحتجاز أمراء على وقع دعوات التظاهر

السعودية: اعتقالات وإقالات واحتجاز أمراء على وقع دعوات التظاهر
من تظاهرة مناهضة للحرب على اليمن (أ ف ب)

تبدو السّعودية وكأنها فوق صفيح ساخن؛ فاعتقالات رجال دين بارزين دفعةً واحدة، وتحريض على آخرين، واحتجاز أمراء "صغار" في الأسرة الحاكمة، والخوف من "الأمراء الكبار"، أكثر، منع صحافيين من الكتابة، وفشل الحكومة في توفير احتياطي القمح المطلوب أبرز ما ميّز الأخبار الواردة من السعوديّة بعد عيد الأضحى المبارك وانتهاء "موسم" الحجّ، على وقع دعوات لاحتجاجات عارمة الجمعة المقبل، بدعوة من "حراك 15 سبتمبر"... وآخر ما ورد: اكتشاف "خليّة إرهابيّة" من سعوديين وأجانب.


تتشابه الأخبار الواردة من السّعوديّة مع الأخبار الواردة من مصر أثناء الدعوات لتظاهرات "جمعة الأرض" أو "جمعة الغلابة"، كأن السعودية تتعامل مع وصفة مصريّة للتخلّص من الحراك الذي لم يغادر مواقع التواصل الاجتماعي، بعدُ، من كتائب إلكترونيّة تشن هجمات "رخيصة" في مواقع التواصل الاجتماعيّ، موّحدة الصّور والتعبيرات، وتستهدف أشخاصًا بعينهم، إلى إعلان مفترض عن القبض عن "خلايا إرهابية" تتجسس لصالح "دولة معادية".

اعتقال وجوه الصّحوة

لكن أكثر ما شغل الرّأي العام السّعودي هو اعتقال وجوه تيّار "الصّحوة" الديني، وأبرزهم سلمان العودة، عوض القرنيّ وعلي العمريّ، ليلة السبت-الأحد، مع تحريض كتائب مقرّبة من النظام السّعودي على اعتقال دعاة بارزين آخرين، مثل محمّد العريفي.

كانت نشأة تيار "الصّحوة" في ثمانينيّات القرن الماضي، واشتدّ عوده في التسعينيات مطالبًا بإصلاح سياسيّ في المملكة التي تتبنى نظاما متشددًا يقوم على السمع والطاعة والولاء السياسيّ لأبناء الملك عبد العزيز والدّيني لأبناء الشيخ محمّد بن عبد الوّهاب، وهو تزاوج سياسي يقوم على المصاهرة والجهويّة والخطاب السياسي؛ وزُجَّ بأبرز قادة تيار الصحوة في السجون أبرزهم سلمان العودة، الذي بقي في السجن قرابة 5 سنوات، ثم أفرج عنه بعد "المناصحة" التي قام بها دعاة مقرّبون من السلطات السّعوديّة في السّجون.

يكتسب الخطاب الديني السعودي أهميّة قصوى، إذ منعت السلطات السّعودية أي خطاب ديني يبتعد عن الخطاب الديني المحدّد والمضبوط جدًا في تزاوج ديني وسياسي بين آل سعود وآل الشيخ، منذ بداية الدولة السعودية الثالثة بدايات القرن الماضي.

حركة "الصّحوة" ليست الخطاب الديني الوحيد الذي واجه حكم آل سعود، إذ انقلب رجال الدين الذين سخّرهم الملك عبد العزيز (وكان لقبه حينها "السلطان") من أجل التجنيد الديني للسيطرة على الحجاز والأماكن المقدّسة وإسقاط المملكة الحجازيّة (1925)، عليه، إذ قادوا ما عُرف تاريخيًا بـ"ثورة الإخوان" التي استمرت عامين وشنّت غزوات على العراق والكويت أولًا (1929-1930)، ولاحقًا قادت حربًا طويلة ضد الدولة السعودية الوليدة، التي لاقت معارضة حتى ممّن ساهموا في نشوئها، وكادت تكلّف آل سعود عرشهم ودولتهم.

أدركت السلطات السّعودية، حينها، أهميّة التخليّ عن الخطاب الديني الرّسمي، وأسست، بعد التخلص من حرب الإخوان، ما يعرف حاليًا باسم "المملكة العربيّة السّعوديّة"، متخليّة عن اسم "سلطنة نجد والحجاز وتوابعها"، في محاولة للتغلب على الجهوية والقبلية.

لاحقًا، عادت السّعودية إلى الخطاب الديني، لكن خارجيًا، مع إعلان الجهاد ضد الاتحاد السوفياتي في أفغانستان وشن حملات دينيّة لتجنيد الدّعاة رأسها، للمفارقة، الملك سلمان بن عبد العزيز، وهو ما تطوّر، بعد ذلك، إلى جماعة "القاعدة" التي انقلبت على النظام السّعودي نفسه.

إذًا، تولي السعودية أهميّة خاصّة للدعوة الدينية وترفض أن تخرج من سيطرتها أو من خارج "الزّواج المقدّس" بين آل الشيخ وآل سعود.

احتجاز أمراء من الأسرة الحاكمة

تأكّدت خلال الأسبوع الماضي، وفق مغرّدين سعوديين، أنباء اعتقال أعضاء في الأسرة الحاكمة، منهم الأمير عبد العزيز بن فهد، مع أنباء أن وليّ العهد المعزول، محمد بن نايف، لا زال تحت الإقامة الجبرية في قصره منذ عزله في تمّوز/يوليو الماضي.

عمد الملك عبد العزيز إلى التزوّج من عدد كبير من النساء من أجل بناء علاقات مصاهرة مع كافة قبائل شبه الجزيرة العربيّة وصل حتى 37 زوجة أنجب منهم قرابة 70 ولدًا، وخلال ثمانين عامًا هي السّعودية، شهدت الأسرة المالكة خلافات حامية الوطيس بين أفرادها، من تنافس محموم على العرش بين الملكين سعود وفيصل، وما يعني ذلك من تنافس بين قبائل أخوال الملكين، انتهت بخلع الأول من منصبه، وتحييد أبنائه عن المناصب ردحًا من الزّمان، وثمّ اغتيال الثاني من قبل عضو في الأسرة الحاكمة.

انشغلت "المؤسسة" الملكيّة في السّعودية في ضبط توازن الأجنحة داخل الأسرة المالكة، إلا أن جناح السديريّين منذ وصول الملك فهد إلى الحكم ظل الأقوى لتماسكه دون الأجنحة الأخرى، وهنا تكمن خطورة الخلاف بين محمد بن سلمان ومحمّد بن نايف، إذ أن كليهما ينتميان إلى الجناح نفسه، جناح السديريّين، ما يُنبئ بانقسامه، لأوّل مرّة، خصوصًا مع اعتقاله، مؤخرًا، الأمير عبد العزيز بن فهد، وهو أيضًا من جناح السديريّين.

كل هذه الخطوات، التي ساهمت في تفرقة أجنحة الأسرة المالكة السّعوديّة، ساهمت، كذلك، في تأخير وصول محمّد بن سلمان إلى سدّة الملك في السّعوديّة، بعد وصوله إلى منصب ولي ولي العهد، أولًا، مستغلا حرب اليمن، التي لا زالت تراوح مكانها وقتلت آلاف المدنيّين، ومنصب وليّ العهد، ثانيًا، مستغلا الحصار على قطر.

حراك 15 سبتمبر

أثناء غمرة هذه الأحداث (الاعتقالات)، وسعي محمّد بن سلمان للوصول إلى العرش، ظهرت دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي، وتحديدًا "تويتر" (الأوسع انتشارًا في السّعوديّة)، لتظاهرات في الخامس عشر من أيلول/سبتمبر الجاري، ونشرت مطالب واضحة ووجّهت رسائل إلى جنود القوّات المسلّحة.

ولا يعرف من يقود دعوات الحراك، حتى الآن، إلا أنه لقي دعمًا من معارضين شهيرين مقيمين في المنفى، مثل مضاوي الرّشيد، سعد الفقيه والمغرّد الشهير "مجتهد"، وآخرين.

وجاء في رسالة الحراك إلى جنود القوات المسّلحة "إخواننا في الجيش، شاهدنا بين الحين والآخر بعضكم يظهر في اليوتيوب يستجدي أصحاب القرار لسداد ديونٍ أو يستنجد لأنهم يطردون أهله من بيتهم. هذا الوضع لا يمكن احتماله، ولا نرضاه لكم، الشعب قرّر أن يتحرّك من أجلكم ومن أجل العاطلين والفقراء ومن أجل المعتقلين والمظلومين ومن أجل المحرومين من السّكن ومن أجل إزالة كل ظلم ومحاربة كل فساد"، وفقًا لحساب الحراك في "تويتر".

وقد لاقت دعوات التظاهر صداها، لا في الشارع حيث لم يأتِ بعد موعد استحقاقها لسبر غور قدرة النّاس على التغيير الحقيقي، إنما في المؤسسة الحاكمة التي شنّت حملات اعتقال واسعة جدًا، ضمّت بالإضافة إلى الواردين أعلاه (تيار "الصّحوة" والأمراء) إنما شعراء، مثل الشاعر زياد بن نحيت، لامتداحه فنانًا قطريًا، وإيقاف الكاتب جمال خاشقجي عن الكتابة في صحيفة "الحياة"، الذي أنجده وجوده في الولايات المتّحدة من الاعتقال، وفق مراقبين.

ومع استشعار السلطات السعوديّة الخطر من الحراك المقبل، خصوصا مع ازدياد الأوضاع الاقتصاديّة سوءًا، وبالتالي ازدياد التململ الشعبيّ، لأسباب عديدة: تراجع أسعار النفط، الصفقات الضخمة مع الولايات المتّحدة الأميركيّة واستقبال الرّئيس الأميركي، دونالد ترامب، الفخم والمكّلف جدًا في العاصمة، الرّياض، خصخصة المطاحن ونيّة الحكومة رفع الدّعم عن الطحين (وفق صحيفة "الرّياض" الرّسمية، اليوم، الثلاثاء)، التكلفة الباهظة لحرب اليمن ونشر جنود فيديوهاتٍ لهم وهم يستجدون السلطات لإعالة أسرهم، شراء محمد بن سلمان يختا بلغت تكلفته 550 مليون دولار، قضاء الملك سلمان رحلة فخمة في المغرّب كلّفت أكثر من 100 مليون دولار، وإزالة قرية مقنعة قرب مكّة، التي يسكنها الفقراء والمعدمون، عن الوجود، العام الماضي.

كما شهدت المنطقة الشّرقية، الغنية بالنفط الفقراء سكانها، تظاهرات عارمة مستمرّة منذ أعوام، إذ لم تنجح السّعودية منذ الثورة ضد "أرامكو"، أو ما عرفت بـ"انتفاضة عمال الظهران" عام 1952، بإشعار المواطنين شرقيّ المملكة بأنهم مواطنون في دولة كل مواطنيها، إنما ظلّت تميّز ضدّهم لأسباب دينية أولًا، وقبلية ثانيًا.

أمّا المناطق الجنوبيّة، فهي رغم عامين ونصف العام من الحرب المستمرة على اليمن، إلا أنّها لا زالت تعاني من هجمات متكرّرة من الحوثيين وحليفهم اللدود، الرّئيس المخلوع، علي صالح، الذي تستقبل الإمارات أنجاله، ومنعت السعوديّة الإطاحة به.

كما فشلت السّلطات السعوديّة في خلق حالة تجييش شعبي ضد قطر بعد إعلان الحصار عليها، مثلما نجح الحال حين أعلنت عاصفة الحزم بداية عام 2015، على العكس، بل إن ذلك أثار حنقا، ولو مكتوما بين السّعوديّين، نجحت السلطات في إخفائه بعد سنّها قوانينَ تجرّم التضامن مع قطر، مثلما حصل مع الصّحافي السّعودي العامل في قناة "الجزيرة"، عليّ الظفيريّ.

الوصفة المصريّة: الإرهاب أولا، الإرهاب دائمًا

لم يتكون التململ الشعبي السعودي من الأحداث الأخيرة فقط، إنما هو نتيجة تراكمات سياسيّة واجتماعيّة ودينيّة واقتصاديّة، نتيجة الفشل في بناء دولة حديثة، تقوم على الفصل بين السلطات، وأنها لكل مواطنيها، لا على أساس تحالفات قبيلة وشرعيّة دينية، كشفت عنها الأحداث الأخيرة، التي يبدو أنها أثارت قلقًا مصريًا.

يخال المطّلع على الشأن المصري أن الوصفة المصريّة للتخلص من الحراكات المناهضة تركز إلى محور أساسيّ هو التحذير من التعرّض لهجمات إرهابيّة في يوم التظاهر.

وهو ما جرى، إذ أصدرت السلطات السعوديّة بيانا، ليل الإثنين الثلاثاء، قالت فيه إنها أحبطت هجوما إرهابيًا وألقت القبض على مجموعات تتجسس لصالح جهات أجنبيّة (لم تسمّها).

قد تكون الوصفة المصريّة سريعة التحضير، وشبه مضمونة، لكن عواقبها، بالتأكيد، وخيمة.

ما الذي سيحدث في 15 سبتمبر؟

لا أحد يعرف؛ ربما يخرج الناس إلى الشارع وربّما لا، لكن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو السيناريو الذي حدث عام 2011، حين دعا السعوديّون، متأثرين برياح الرّبيع العربيّ العاتية، إلى التظاهر، وفي اليوم ذاته، الذي حدد للتظاهرن عاد الملك السابق، عبد الله بن عبد العزيز من الخارج وألقى فيه خطابا قدّم فيه الكثير من الامتيازات المالية والاقتصادية للمواطنين ونجح في أخماد الاحتجاجات في الرّياض ونجد ولو إلى حين.