من الرياض إلى تل أبيب: مقاتلات F-35 تشعل جدل التفوّق العسكري في الشرق الأوسط

يكشف هذا الملف أن صفقة  إف 35 ليست مجرد عملية بيع سلاح، بل هي مفصل تاريخي يعيد صياغة العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية، ويختبر حدود النفوذ الإسرائيلي في واشنطن...

من الرياض إلى تل أبيب: مقاتلات F-35 تشعل جدل التفوّق العسكري في الشرق الأوسط

(Getty)

يشير إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن نيته المضي قدمًا في بيع مقاتلات إف خمسة وثلاثين إلى المملكة العربية السعودية إلى لحظة فاصلة في تاريخ السياسة الدفاعية الأميركية في الشرق الأوسط، إذ يمثل هذا القرار تحولًا عميقًا في معادلة التوازنات الإقليمية، واستجابة مباشرة لتطلعات الرياض نحو تحديث قوتها الجوية وتثبيت موقعها كقوة مركزية في الخليج. وفي الوقت ذاته، يشكل القرار اختبارًا حادًا لواحد من أقدم الثوابت في السياسة الخارجية الأميركية، وهو ضمان الحفاظ على التفوق الجوي النوعي الإسرائيلي الذي ظل منذ نهاية الستينيات حجر الأساس في هندسة الأمن الإقليمي من المنظور الأميركي. بدا واضحًا منذ اللحظة الأولى أن قرار ترامب لم يكن خروجًا عابرًا عن الإجراءات المعتادة، بل خطوة محسوبة جاءت في سياق زيارة ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، إلى البيت الأبيض يوم 18 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، حيث ارتبطت الصفقة بسياق دبلوماسي أوسع يشمل الترتيبات الأمنية، والتعاون الدفاعي، وحتى احتمالات التطبيع غير المعلن بين الرياض وتل أبيب، وهي ملفات تعيد تشكيل المشهد الإستراتيجي في الشرق الأوسط.

إصرار على تطوير سلاح الجو

من اللافت أن السعودية كانت قد رفعت خلال 2025 طلبًا مباشرًا للبيت الأبيض للحصول على 48 قطعة من المقاتلة المتقدمة، بصفقة بمليارات الدولارات، ليبدأ البنتاغون بالعمل لعدة أشهر على دراسة الجوانب التقنية والتنظيمية للصفقة قبل أن يتدخل العامل السياسي ويعجّل بإعلان ترامب، الأمر الذي يؤكد أن واشنطن تتعامل مع الطلب السعودي بوصفه جزءًا من إعادة تشكيل العلاقة الإستراتيجية بين البلدين، وليس مجرد صفقة سلاح أخرى. هذه ليست أول صفقة ضخمة تنجزها الرياض مع واشنطن، إذ سبقتها في أيار/ مايو 2025 صفقة تسليح بلغت 142 مليار دولار أميركي على مدى سنوات، ضمن خطة استثمار أوسع يعادل 600 مليار دولار أميركي؛ وصفقة أخرى بقيمة 460 مليار دولار عام 2018، وأخرى بقيمة 110 مليار دولار عام 2017. وفي حال تمت الصفقة، فإن الرياض ستمتلك ما يعادل سربين متكاملين، وهو ما يعكس حجم الرهان السعودي على نقل سلاحها الجوي إلى مستوى الجيل الخامس، وطي صفحة الاعتماد الحصري على المقاتلات التقليدية التي شكّلت عماد القوة الجوية لعقود مثل تورنيدو ويوروفايتر تايفون.

ولعلّ ما يزيد في حساسية الملف هو أن مقاتلات إف 35 ليست مجرد تطوير لطائرة قتالية، بل هي منصة متكاملة للحرب الشبكية، تجمع بين التخفي والقدرة على التشويش والحرب الإلكترونية، وتستطيع الاندماج مع الأقمار الصناعية والطائرات دون طيار والأنظمة الأرضية في شبكة واحدة، ما يجعل امتلاكها عاملًا مغيرًا لقواعد الحروب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ولهذا، فإن دخول المملكة العربية السعودية إلى نادي مالكي هذه الطائرة يعني أن الكتلة العسكرية العربية الأكثر وزنًا تتحول فجأة إلى طرف يمتلك قدرة هجومية ودفاعية لم يكن متاحًا لأي دولة عربية في السابق، وهو أمر لا يمكن لإسرائيل أو لجماعات الضغط الصهيوني - الأميركي تجاهله.

موقف إسرائيل وجماعات الضغط

جاء الرد من الأوساط الصهيونية في واشنطن سريعًا وعنيفًا عبر المنظمة الصهيونية الأميركية التي أعلنت عن رفض قاطع لمجرد التفكير في المصادقة على نقل المقاتلة إلى السعودية، ووصفت الأمر بأنه تهديد مباشر للأمن الإسرائيلي، بل وذهبت إلى القول إن هذه الخطوة قد تمثل واحدة من أخطر عمليات نقل التكنولوجيا العسكرية في التاريخ الأميركي الحديث، لأنها تضع تكنولوجيا شديدة الحساسية في متناول دولة لا تمتلك علاقات رسمية مع إسرائيل، ويمكن لطائرة من هذا الطراز الوصول إلى المجال الجوي الإسرائيلي خلال دقائق معدودة، وهو ما يربك حسابات الردع التي تعتمد عليها إسرائيل منذ ما يقارب عقدًا كاملًا حين كانت الدولة الوحيدة التي تشغل هذا النظام.

يستند هذا الرفض إلى الإطار القانوني الأميركي الذي يضمن التفوق النوعي لإسرائيل، والذي تأسس منذ عام 1968 في عهد ليندون جونسون، قبل أن يتحول إلى التزام قانوني ملزم خلال عهد رونالد ريغان، وتتوالى الإدارات الأميركية على الحفاظ عليه؛ لا سيما بعد أن شهدت السنوات الأخيرة تعزيزًا لهذا الالتزام حين أُقر قانون جديد يؤكد على ضرورة أن تتمتع إسرائيل دائمًا بتكنولوجيا عسكرية أكثر حداثة وتفوقًا من أي سلاح يمكن بيعه لدول الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، فإن مجرد النقاش حول نقل إف 35 للسعودية يثير مخاوف لدى جماعات الضغط الصهيونية التي تحاول التأثير على الكونغرس لمنع الصفقة، خصوصًا بعدما شهدت علاقات واشنطن والرياض توترات سياسية منذ عام 2018 بسبب قضية الصحافي جمال خاشقجي، والتي استُخدمت في الكونغرس مرارًا لمحاولة تعطيل صفقات السلاح.

لكنّ الاعتراض الصهيوني لا يقتصر على جماعات الضغط، بل يمتد إلى داخل إسرائيل نفسها، إذ إن إسرائيل حاولت إقناع إدارة ترامب بوضع شروط صارمة على الصفقة، من بينها ربط نقل الطائرة بمسار تطبيع سعودي -إسرائيلي، وتحديد مناطق انتشار الطائرات في قواعد سعودية بعيدة عن البحر الأحمر خوفًا من اقتراب المدى العملياتي للطائرة من إسرائيل، إضافة إلى مطالبة واشنطن بمنح إسرائيل حزمة تعزيزات إضافية تشمل تطويرات جديدة لأسطول إف 35 لديها للحفاظ على التوازن النوعي. يعني هذا الموقف، عمومًا، أن إسرائيل، رغم إدراكها للتحول الجيوسياسي العميق المحيط بالسعودية وبالخليج عامة، لا تزال ترى في التفوق الجوي الذي تمتلكه و تسعى إلى تعزيزيه في كل فرصة خط دفاع أول، لا يمكن التفريط فيه حتى لصالح دولة تُعد اليوم أقرب حليف عربي للولايات المتحدة.

ويكتسب هذا الجدل أهمية إضافية في ظل انهيار صفقة التطبيع الكبرى التي حاولت إدارة بايدن السابقة هندستها عبر الجمع بين السعودية وإسرائيل في إطار اتفاق شامل يتضمن إف 35 ومظلة دفاعية أميركية ومشاريع نووية مدنية، وهي صفقة انهارت بسبب التعقيدات السياسية، فيما أعاد ترامب اليوم إحياء أحد أركانها بشكل منفرد، من دون ربطه بتنازلات دبلوماسية سعودية تجاه إسرائيل، الأمر الذي يثير غضب تل أبيب ودفع بعض المسؤولين الإسرائيليين إلى وصف الخطوة بأنها تنازل مجاني يقدّمه ترامب للرياض دون مقابل إستراتيجي لإسرائيل.

مقتضيات فوضى الإقليم

تتداخل هذه العوامل مع مشهد إقليمي يتغير بسرعة وفوضى أمنية وعسكرية مربكة، حيث باتت السعودية ترغب في بناء قدرات تؤهلها للتعامل مع بيئة إستراتيجية متقلبة تشمل تمدد النفوذ الإيراني، وتغير طبيعة الصراع في اليمن، وتطور القدرات العسكرية للجهات غير الحكومية، و تمدد واضح لإسرائيل في المنطقة لا سيما بعد انهيار نظام بشار الأسد في سوريو، و انخراط المنطقة في الحرب ضد الإرهاب و مكافحة التنظيمات المتطرفة و أبرزها "داعش"؛ إضافة إلى رغبتها الواضحة في بناء منظومة دفاع جوي وصاروخي متكاملة تتوافق مع رؤيتها للمكانة الإقليمية في مرحلة ما بعد 2030. وفي المقابل، ترى واشنطن أن تعزيز القوة السعودية عبر تقنية أميركية هو أفضل وسيلة لمنع السعودية من الانجراف نحو موسكو أو بكين، اللتين تقدمان عروضًا مغرية في مجال الطائرات المسيّرة، والمقاتلات الحديثة، وأنظمة القيادة والسيطرة.

يكشف هذا الملف أن صفقة إف 35 ليست مجرد عملية بيع سلاح، بل هي مفصل تاريخي يعيد صياغة العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية، ويختبر حدود النفوذ الإسرائيلي في واشنطن، ويعيد ترتيب موازين القوى في المنطقة بطريقة تجعل من السعودية مركزا جويا متقدما قادرًا على ممارسة الردع والحفاظ على توازن القوى في الخليج، على الرغم من وجود قواعد أميركية فيه، وفي الوقت ذاته يضع إسرائيل أمام معادلة جديدة تحتاج فيها إلى إعادة تقييم إستراتيجيتها تجاه الرياض.

ما بين الرفض الإسرائيلي، والانفتاح الأميركي، والطموح السعودي، يظل هذا الملف علامة على بداية مرحلة جديدة في الشرق الأوسط، مرحلة يتراجع فيها الخط الأحمر الإسرائيلي التقليدي، ويتقدم فيها تصميم الرياض على دخول عصر الجيل الخامس، فيما تسعى واشنطن إلى رسم خريطة تحالفات جديدة تجعل من التكنولوجيا سلاحًا للنفوذ، ومن السلاح أداة لإعادة إنتاج هندسة الأمن الإقليمي لسنوات مقبلة.

التعليقات