يُفهم التصدع بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة على نحوٍ أدق ليس بوصفه انهيارًا ظرفيًا في التنسيق أو خلافًا سياسيًا عابرًا، بل بوصفه نتيجة نضوج مسار انفصال استراتيجي داخل تحالف لم يُبنَ أصلًا على رؤية مشتركة للنظام الإقليمي. نشأ هذا التحالف بعد عام 2011 من تلاقي مخاوف متشابهة متمثلة بالخوف من الاضطراب الإقليمي، والعداء للحركات الإسلامية، والقلق من التمدد الإيراني؛ غير أنه أخفى، منذ البداية، تباينًا عميقًا في تصور السلطة، وأدوات النفوذ، وحدود التدخل. دأبت السعودية على التصرّف بوصفها فاعلًا حافظًا للنظام، يضع وحدة الدولة، والتراتب الهرمي، والاستقرار طويل الأمد في صدارة أولوياته، حتى لو جاء ذلك على حساب الحسم السريع أو النتائج الفورية. في المقابل، سلكت الإمارات مسارًا متدرجًا نحو الانفصال عن النهج السعودي التقليدي في إدارة الإقليم، مطوّرة نموذجًا أمنيًا وعسكريًا ومصلحيًا أكثر استقلالية، يقوم على المرونة، وسرعة الحركة، وتراكم النفوذ عبر الشبكات والوكلاء بدل الارتكاز على الدولة المركزية وحدها.
ومع مرور الوقت، لم تعد الإمارات تكتفي بلعب دور الشريك الأصغر داخل المظلة السعودية، بل سعت إلى ترسيخ نفسها بوصفها فاعلًا إقليميًا قائمًا بذاته، يمتلك القدرة على التمويل، والتسليح، وفتح جبهات عسكرية جديدة، وإدارة صراعات متزامنة خارج الإطار السعودي؛ ليثير هذا التحول قلقًا متزايدًا في الرياض، ليس فقط بسبب تباين الأهداف، بل لأن الإمارات باتت قادرة عمليًا على إنتاج وقائع عسكرية وسياسية مستقلة، ودعم قوى انفصالية أو شبه انفصالية في أكثر من ساحة، من اليمن إلى سورية، مرورًا بأجزاء من أفريقيا والقرن الأفريقي. من منظور سعودي، لم يعد الأمر يتعلق باختلاف في الأساليب، بل بخطر بنيوي يتمثل في صعود نموذج إماراتي قادر على تفكيك الدول، أو إعادة تشكيلها وتشكيل أنظمة الحكم فيها، خارج أي إطار إقليمي منضبط، وبما يهدد مبدأ الاستقرار الذي تراهن عليه الرياض كشرط أساسي لأمنها القومي ولمشاريعها التحولية الكبرى.
ظلت هذه التناقضات قابلة للاحتواء ما دام الإقليم في مرحلة إدارة أزمات واحتواء حرائق؛ لكن مع دخول المنطقة مرحلة إعادة الهيكلة، فيها انهيار دول، وإعادة رسم خرائط النفوذ، وانتقالات ما بعد الحروب والثورات، وظهور ممرات تجارية وأمنية جديدة، برز التناقض على حقيقته؛ فالسعودية ترى في هذه المرحلة لحظة إعادة بناء للنظام الإقليمي وفق منطق الدولة المركزية وضبط الفاعلين، بينما ترى الإمارات فيها فرصة تاريخية لتكريس نموذج نفوذ مرن، عابر للحدود، لا يتقيد بوحدة الدول ولا بتراتبية إقليمية ثابتة. عند هذه النقطة، لم يعد ممكنًا كبح التناقضات الداخلية للتحالف، لأن ما يجري لم يعد خلافًا على ملف أو ساحة، بل صدامًا بين تصورين متباينين جذريًا لكيفية إدارة القوة، وصناعة النفوذ، وحدود اللعب في الإقليم.
السودان، وصوماليلاند، وجغرافيا النفوذ
ظهر أول خط صدع لا رجعة فيه بين السعودية والإمارات خارج شبه الجزيرة العربية، تحديدًا في السودان والقرن الأفريقي، حيث تباينت المقاربتان على نحوٍ كاشف لطبيعة التحول الإماراتي؛ حيث تعاملت الرياض مع السودان بوصفه دولة عازلة استراتيجية تمثل عمقًا حيويًا لأمن البحر الأحمر، وضبط الهجرة، واستقرار الملاحة، فاستثمرت في الوساطة السياسية والحفاظ على الحد الأدنى من تماسك الدولة حتى في ذروة الحرب الأهلية. في المقابل، نظرت أبوظبي إلى السودان كساحة نفوذ مفتوحة، منخرطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في دعم فاعلين مسلحين، وعلى رأسهم "قوات الدعم السريع"، بما أتاح لها التأثير في موازين القوة على الأرض بغضّ النظر عن تفكك المؤسسات أو كلفة الانهيار الشامل. هذا الانقضاض جعل من الإمارات الخطر الأول على السوداني، وفق نتائج المؤشر العربي الذي أعده المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات؛ بما ينبئ أن الدور الإماراتي في السودان لا يقل عن دور أية جهة استعمارية أخرى في المنطقة. أما من منظور سعودي، لم يكن هذا مجرد اختلاف في التكتيك، بل نقل السودان من ملف أمني-سياسي قابل للإدارة إلى بؤرة تفجير إقليمي تهدد تماسك الضفة الغربية للبحر الأحمر، وتفتح الباب أمام عسكرة الفضاء الساحلي المحيط بالمملكة.
ينسحب هذا المنطق ذاته على صوماليلاند، حيث عزز الانخراط الإماراتي العميق مع كيان انفصالي مخاوفَ الرياض من أن التفكك بات أداة واعية في الاستراتيجية الإماراتية، لا نتيجة عرضية للصراعات؛ على اعتبار أن الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري لصوماليلاند، مقرونًا بالاستثمار في موانئها وبنيتها التحتية، لم يُقرأ سعوديًا بوصفه نشاطًا اقتصاديًا معزولًا، بل كمحاولة لبناء نفوذ سيادي موازٍ خارج إطار الدولة الصومالية، يتيح لأبوظبي التحكم في عقد الملاحة والمعابر البحرية والموانئ وأهمها ميناء بربرة. ويزداد القلق السعودي حين يُربط هذا الحضور بمحاولات إماراتية لبناء قواعد عسكرية وتأمين موطئ قدم دائم قرب مضيق باب المندب، بما يمنحها قدرة غير مسبوقة على التأثير في أحد أخطر الشرايين البحرية العالمية.
وتتعاظم خطورة هذا المسار حين يوضع ضمن صورة أشمل لطموح إماراتي واضح بالاستئثار التدريجي بالساحل الغربي للبحر الأحمر، من خلال شبكة مترابطة من الاستثمارات والنفوذ تمتد من موانئ مصر، إلى السودان، وصولًا إلى الصومال وصوماليلاند؛ إذ إنها ليست تحركات منفصلة، بل حلقات في مشروع جيو-اقتصادي وأمني يسعى إلى التحكم بالموانئ، وإدارة المعابر، وتأمين سلاسل الإمداد، بما يحوّل البحر الأحمر من مجال نفوذ مشترك إلى فضاء تنافسي شبه مغلق. بالنسبة للسعودية، يمثل هذا المسار تهديدًا مباشرًا لفكرة البحر الأحمر كعمق استراتيجي عربي جماعي، ويقوّض تصورها لدور الدولة المركزية في ضبط السواحل والممرات الحيوية.
من هنا، لا ينبع القلق السعودي فقط من دعم الإمارات لقوى مسلحة أو كيانات انفصالية، بل من اكتمال نموذج متكامل يسمح لأبوظبي بفتح جبهات صراع جديدة، وتمويلها، والتحكم بإيقاعها، من دون الحاجة إلى غطاء إقليمي جامع. في هذا التباين، أي بين مقاربة سعودية تسعى إلى تثبيت الدول ومنع سابقة التفكك، ومقاربة إماراتية تفضّل السيطرة على العُقَد والموانئ حتى لو جاء ذلك على حساب وحدة الدول، توقّف البلدان عن كونهما شريكين متكاملين، وتحولا إلى منافسين يعملان وفق منطقين جيوسياسيين متعارضين، حيث لم يعد البحر الأحمر مجال تعاون، بل ساحة صراع مفتوح على النفوذ والهيمنة.
على مستوى أعمق، تبلورت المنافسة مكانيًا في البحر الأحمر وسياسيًا عبر مسار التطبيع مع إسرائيل. تنظر السعودية إلى البحر الأحمر باعتباره ممرًا أمنيًا استراتيجيًا، حيويًا لصادرات الطاقة، وسلامة الملاحة، والعمود الفقري اللوجستي لرؤية 2030. أما الإمارات فترى فيه شريانًا اقتصاديًا يربط الموانئ والجزر ومسارات التجارة من الخليج إلى شرق أفريقيا؛ ومع توسّع البصمة البحرية لأبوظبي، أخذت الرياض تدرك المشهد على أنه تطويق أكثر منه شراكة. وزاد التطبيع مع تل أبيب من حدّة هذا التوتر؛ إذ قدمت الإمارات الاصطفاف مع إسرائيل بوصفه مُضاعِفًا استراتيجيًا، في التكنولوجيا والاستخبارات والوصول إلى واشنطن وتعزيز النفوذ والدعم في المنطقة بواقع تفوق القوة العسكرية الإسرائيلية المدعومة غربيًا والمؤمنة بغطاء دبلوماسي عالٍ يسمح لها بالتحرك لضرب أهداف "مشروعة" وفق رؤية تل أبيب؛ لا سيما وأن هدف تل أبيب هو تطويق عمليات مضادة لأنشطتها الحربية والتجارية والأمنية في البحر الأحمر؛ بينما رأت السعودية في التطبيع مسألة تتعلق بهندسة الإقليم ومركزيته. لم تكن القضية لدى الرياض هي التطبيع بذاته، بل ما إذا كانت أبوظبي تُدرج إسرائيل شريكًا بنيويًا في صياغة النظام الإقليمي العربي من دون أولوية سعودية. وعندما تقاطع الاصطفاف الإماراتي-الإسرائيلي مع سورية والبحر الأحمر وسياسات الهوية، عزّز ذلك مخاوف الرياض من أن أبوظبي تعيد رسم خريطة النفوذ بطرق تتجاوز الهرميات الخليجية التقليدية.
سورية وإعادة تدوير النظام وتسليح الأقليات
كشفت الساحة السورية، على نحوٍ أوضح من أي ملف آخر، العمق الأيديولوجي والاستراتيجي للخلاف بين الرياض وأبوظبي، إذ انتقلت المقاربة السعودية تدريجيًا نحو براغماتية سياسية تسعى إلى إعادة إدماج سورية عربيًا، وتثبيت الاستقرار، ودفع انتقال مُدار، ولو غير مثالي، يحد من التفكك والتدويل ويقلص مساحات الفوضى ويدعم رؤية الحكومة الجديدة، لا سيما وأن ولي العهد السعودي تبنى الحكومة الجديدة ورعى مسارات رفع العقوبات الغربية عن دمشق بما يسمح لها بالنهوض من جديد. في المقابل، تبنت الإمارات مسارًا مختلفًا قوامه إعادة تدوير النظام؛ عبر إعادة شرعنة هياكل حقبة الأسد، والإبقاء على قنوات نشطة مع بقايا الأجهزة الأمنية، والعمل على تجميد أي تحوّل سياسي حقيقي من شأنه تفكيك منظومة الحكم القديمة مع الضغط على الاقتصاد من خلال فرض استثمارات لا سيما في الساحل وريف دمشق. هذا التباين لم يكن اختلافًا في السرعة أو الأدوات، بل صدامًا بين رؤيتين؛ واحدة ترى الاستقرار نتاج إصلاح تدريجي وضبط للفاعلين، وأخرى ترى الاستقرار في تثبيت الأمر الواقع وإدارته.
تجلى هذا المسار الإماراتي بصورة أكثر حدّة عبر احتواء شخصيات وقيادات سورية مرتبطة بالنظام السابق، سياسيًا وماليًا وأمنيًا، وتوفير ملاذات وشبكات حماية لها، بما في ذلك شخصيات اقتصادية بارزة مثل رامي مخلوف وعائلة قاطرجي ومحمد حمشو الذي عاد وفق تسوية اقتصادية مع الحكومة الجديدة؛ إلى جانب مسؤولين وقادة سابقين جرى استيعابهم ضمن فضاء نفوذ غير رسمي. لم يُقرأ هذا الاحتواء سعوديًا بوصفه إجراءً إنسانيًا أو استثماريًا، بل كجزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى الإبقاء على مفاتيح تعطيل داخل المشهد السوري، تسمح بالتأثير في مسار الدولة الجديدة، أو على الأقل بإبقاء قدرتها على النهوض رهينة شبكات قديمة عابرة للحدود. ومن هنا، برزت مخاوف سعودية من أن يتحول هذا الاحتواء إلى منصة لدعم جهات تحريضية تعمل بصورة مباشرة أو غير مباشرة على تقويض الحكومة السورية الجديدة، وزعزعة شرعيتها، وإعادة إنتاج الاستقطاب الأهلي والسياسي.
ويمتد هذا النهج إلى ما هو أقسى عبر توظيف سياسات الهوية بوصفها أداة نفوذ؛ إذ انخرطت الإمارات، بدرجات متفاوتة، في التواصل مع نخب ومناطق ذات كثافة أقليات، لا سيما ضمن الأوساط الدرزية والعلوية، حيث جرى التعامل مع الانتماء الطائفي لا بوصفه واقعًا اجتماعيًا يحتاج إلى طمأنة واندماج وطني، بل كرافعة جيوسياسية قابلة للتسليح السياسي؛ وهذا ما كشفته التسريبات الأخيرة التي أظهرت تعاونًا إماراتيًا في موضوع السويداء عبر رجال أعمال دروز مقيمين في الإمارات. من منظور الرياض، يمثل هذا المسار عودة إلى نموذج شديد الخطورة، يقوم على تفكيك المجتمع من الداخل عبر إعادة شحن الهويات، وهو نموذج ترى السعودية أنه يقود حتمًا إلى عدم استقرار طويل الأمد، ويستدعي تدخلات خارجية متجددة، ويُبقي الدولة ضعيفة وقابلة للابتزاز.
ولهذا، لم يكن الرفض السعودي لهذا النهج نابعًا من خلاف على سورية بحد ذاتها، بل من قراءة أوسع لمخاطر تعميم هذا النموذج؛ إذ إنه منذ عام 2017، عملت الاستراتيجية السعودية على نزع الطائفية عن السياسة الإقليمية، إدراكًا منها أن تعبئة الهويات حتى حين تبدو مضبوطة وقابلة للارتداد نحو الداخل الخليجي نفسه، وتهدد فكرة الدولة الوطنية الجامعة. في المقابل، أعادت المقاربة الإماراتية إحياء منطق إدارة الصراعات عبر الأقليات والشبكات، وهو منطق ترى فيه الرياض تشابهًا مقلقًا مع أساليب قوى إقليمية أخرى لطالما سعت السعودية إلى تحجيمها.
في المحصلة، وضعت سورية أبوظبي في موقع أقرب إلى الحفاظ على جمود سلطوي مُدار، منه إلى المساهمة في إعادة بناء نظام إقليمي مستقر. وعمّق ذلك الانطباع السعودي بأن الإمارات باتت أكثر ارتياحًا لإدارة الفوضى وتوجيهها، بل وحتى الاستثمار فيها، ما دامت قادرة على تشكيل مساراتها والتحكم بمفاصلها. بهذا المعنى، لم تعد سورية مجرد ملف خلافي، بل تحولت إلى مرآة تعكس تصادُم نموذجين؛ نموذج يسعى إلى إعادة تأسيس الدولة وضبط الانقسامات، ونموذج يرى في الانقسام ذاته أداة نفوذ قابلة لإعادة التدوير والاستخدام.
اليمن كنقطة انكشاف لا كسبب
لم يصنع اليمن القطيعة السعودية-الإماراتية؛ بل كشفها؛ على اعتبار أن ما بدأ حربًا مشتركة ضد الحوثيين انتهى إلى نهايتين متناقضتين. سعت السعودية إلى دولة يمنية موحدة قابلة للضبط، تُحيّد تهديدات الحدود وتحمي العمق الاستراتيجي؛ في المقابل، ركزت الإمارات على الجنوب، حيث الموانئ والجزر والقوى المحلية، معتبرة اللامركزية آلية نفوذ فعالة لا مخاطرة. وعندما انتقل المجلس الانتقالي الجنوبي من كونه وكيلًا عسكريًا إلى مشروع سياسي، صار التناقض غير قابل للاستمرار؛ وردّت الرياض لا بهدف هزيمة المجلس الانتقالي هزيمة نهائية، بل لإعادة تأكيد التراتبية وفرض خطوط حمراء حيث يتقاطع التفكك مع المصالح السعودية الجوهرية. وهكذا غدا اليمن الساحة التي تحوّل فيها تنافس مُدار إلى مواجهة مكشوفة؛ إذ لم ينهَر التحالف الخليجي، لكنه لم يعد قائمًا ككتلة استراتيجية موحدة. ما تبقّى هو علاقة تُدار بالحسابات لا بالثقة، وبالتنسيق لا بالاصطفاف. باتت المنافسة بنيوية لا ظرفية، لم تعد قابلة للتفادي، بل للاحتواء، وستظل آثارها تظهر أينما تنافست رؤيتا النظام والتفكك على الهيمنة في الإقليم.
التعليقات