أزمة مضيق هرمز: كيف أثرت على إيرادات الدول المصدّرة للنفط؟

بينما استفادت دول مثل السعودية وعُمان من ارتفاع الأسعار وإمكانية التصدير عبر طرق بديلة، تكبّدت العراق والكويت وقطر خسائر كبيرة بسبب تعطل صادراتها، وأظهرت البيانات تراجع إيرادات العراق والكويت بنحو ثلاثة أرباعها، مقابل ارتفاع إيرادات إيران ودول أخرى.

أزمة مضيق هرمز: كيف أثرت على إيرادات الدول المصدّرة للنفط؟

سيّاح في العاصمة العمانية مسقط يتنزهون قرب مضيق هرمز (Getty Images)

نشرت وكالة "رويترز" العالمية للأنباء، تحليلًا خاصًا أجرته بالاستناد إلى بيانات صادرات نفط دول الخليج وإيراداته في ظل إغلاق مضيق هرمز، وخلصت إلى أن إغلاق المضيق وما نتج عنه من قفزة في أسعار النفط العالمية، منح إيران والسعودية وسلطنة عُمان مكاسب مالية غير متوقعة، في حين خسرت دول مصدّرة أخرى مليارات الدولارات بسبب افتقارها إلى مسارات شحن بديلة

تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"

وتشهد أسواق الطاقة ارتفاعًا حادًا في الأسعار منذ إغلاق إيران للمضيق، الذي وفّر معبرًا لخُمس صادرات النفط والغاز الطبيعي المُسال عالميًا قبل الحرب، وتتلاحق التحذيرات العالمية من أزمات اقتصادية غير مسبوقة، فكيف تؤثر أزمة إغلاق المضيق على الدول المصدّرة للنفط في المنطقة؟

عائدات النفط تحددها الجغرافيا

في حين يواجه جزء كبير من العالم موجة تضخم وأضرارًا اقتصادية جرّاء ارتفاع أسعار الطاقة، فإن أثر ذلك على الدول المنتجة للنفط في المنطقة رهين موقعها الجغرافي.

وبالرغم من سيطرة إيران على المضيق، فإن عُمان والسعودية والإمارات بوسعها تجاوز هذا ​الممر عبر خطوط أنابيب وموانئ أخرى.

وفي المقابل، تعطّل تصدير نفط العراق والكويت وقطر، إذ تفتقر هذه الدول إلى مسارات بديلة للوصول إلى الأسواق العالمية.

وقال مسؤول إيراني في حديث مع "رويترز" بعد أحدث تهديد لترامب، إن إيران لن تفتح المضيق مقابل وقف مؤقت لإطلاق ​النار. ورفضت طهران المُهَلَ السابقة التي حددها ترامب، قائلة إنها لن تقبل الإذلال.

فيما ذكر بعض المحللين، أن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران عزّزت بشكل أو بآخر من قوة طهران.

وقال الباحث ⁠في مركز "تشاتام هاوس" للأبحاث، نيل كويليام، "بما أنه تم إغلاق مضيق هرمز، فيمكن إغلاقه مرارًا، وهذا يمثّل تهديدًا كبيرًا للاقتصاد العالمي... خرج المارد من القمقم".

ووصفت وكالة الطاقة الدولية الحرب، بأنها أكبر صدمة للعالم حتى الآن فيما يتعلق بإمدادات الطاقة، وأشارت إلى توقف إنتاج أكثر ​من 12 مليون برميل يوميًا في المنطقة، وإلحاق أضرار بنحو 40 منشأة للطاقة.

وخلص تحليل أجرته "رويترز" لبيانات صادرات آذار/ مارس، إلى أن الإيرادات التقديرية الاسمية لصادرات النفط لكل من العراق والكويت هبطت بنحو ثلاثة أرباعها على أساس سنوي.

وفي المقابل، ارتفعت إيرادات إيران ​37%، وعُمان 26%. وزادت إيرادات السعودية النفطية 4.3%، فيما انخفضت إيرادات الإمارات 2.6%، إذ عوّضت قفزة الأسعار انخفاض الكميات.

وتستند هذه التقديرات إلى أحجام الصادرات الواردة من شركة "كبلر"، المتخصصة في تتبع حركة الشحنات، وبيانات مبادرة البيانات المشتركة للنفط، "جودي"، حيثما توفرت، مضروبة في متوسط أسعار خام برنت، ومقارنة بمستوياتها قبل عام.

واستُخدم خام برنت في تحليل "رويترز" للتبسيط، إذ إن تسعير كثير من هذه الخامات يستند حاليًا إلى خامات قياسية أخرى يجري تداولها بعلاوات سعرية كبيرة فوقه.

إيرادات أعلى للسعودية

بالنسبة للسعودية، يعني ارتفاع الأسعار زيادة في الإتاوات والضرائب التي تحصّلها من شركة النفط الحكومية "أرامكو"، المملوكة في معظمها للحكومة، ​ولصندوق الثروة السيادي للمملكة (صندوق الاستثمارات العامة).

ويُعد هذا الارتفاع إيجابيًا للمملكة على وجه خاص، لا سيّما بعد الإنفاق الكبير على مشاريع تهدف إلى تنويع مصادر دخلها بعيدًا عن النفط، ما أدى إلى تفاقم عجز الموازنة.

خط أنابيب سعودي

خط أنابيب شرق-غرب، الذي يبلغ طوله 1200 كيلومترًا، هو أكبر خطوط الأنابيب في السعودية ، وبُني في ثمانينيات القرن الماضي خلال الحرب العراقية الإيرانية لتجاوز مضيق هرمز.

ويربط الخط حقول النفط الشرقية بميناء ينبع ‌على البحر الأحمر، ⁠ويعمل بكامل طاقته الإنتاجية الموسعة البالغة 7 ملايين برميل يوميًا.

وتستهلك "أرامكو" حوالي مليونَي برميل يوميًا في السوق المحلي، تاركة نحو 5 ملايين برميل يوميًا للتصدير.

وتشير بيانات الشحن، إلى أن متوسط شحنات ميناء ينبع بلغ 4.6 مليون برميل يوميًا خلال الأسبوع الذي بدأ في 23 آذار/ مارس، وهو ما يقارب طاقته القصوى، رغم الهجمات التي استهدفت الميناء في 19 آذار/ مارس.

كما تشير بيانات "كبلر" و"جودي"، إلى أن صادرات الخام السعودية الإجمالية انخفضت 26% على أساس سنوي في آذار/ مارس، لتصل إلى 4.39 مليون برميل يوميًا. ومع ذلك، زادت الأسعار المرتفعة من قيمة هذه الصادرات بنحو 558 مليون دولار مقارنة بالعام السابق.

وكانت الرياض قد زادت صادراتها في شباط/ فبراير إلى أعلى مستوياتها منذ نيسان/ أبريل 2023، تحسبًا لهجوم أميركي على إيران.

وعلى الرغم من ميزة الربط بين الشرق والغرب، ذكر كويليام أن السعودية لا ​تزال عرضة لمزيد من الهجمات من إيران أو من حركة الحوثي على بنيتها التحتية للطاقة في الغرب، والسفن العابرة ⁠لمضيق باب المندب.

العراق تكبّد أكبر انخفاض في الإيرادات

حظيت الإمارات بحماية نسبية بفضل خط أنابيب حبشان-الفجيرة الذي تتراوح طاقته ما بين 1.5 مليون و 1.8 مليون برميل يوميًا، والذي يتجاوز المضيق.

ومع ذلك، انخفضت قيمة صادراتها النفطية بأكثر من 174 مليون دولار على أساس سنوي في آذار/ مارس. وتعرضت الفجيرة لسلسلة من الهجمات أدت إلى توقف عمليات الشحن.

ومن بين منتجي النفط بالخليج، فإن العراق هو الأكثر تضررًا من ​حيث انخفاض الإيرادات، إذ تراجعت 76% لتصل إلى 1.73 مليار دولار، وتليه الكويت بانخفاض قدره 73% لتصل إلى 864 مليون دولار.

وأعلنت شركة تسويق النفط العراقية، "سومو"، في الثاني من ​نيسان/ أبريل أن إيرادات الخام في ⁠آذار/ مارس سجّلت نحو مليارَي دولار، وهو رقم قريب من تقديرات "رويترز".

ومن المرجح أن يشهد كِلا البلدين انخفاضًا حادًا في نيسان/ أبريل، بعدما تحسنت إيراداتهما في آذار/ مارس بفضل شحنات تمكنت من الإبحار في الأيام الأولى للحرب. فيما عبرت ناقلة محملة بالنفط الخام العراقي مضيق هرمز مؤخرًا، بعد إعلان إيران إعفاء العراق من القيود.

وقالت نائبة رئيس قسم التصنيفات السيادية في "مورنينغ ستار دي.بي.آر.إس"، أدريانا ألفارادو، إن حكومات الخليج لديها خيارات لتعزيز مواردها المالية، إذ يمكنها الاعتماد على المدخرات المالية أو اللجوء إلى الأسواق المالية لإصدار أدوات دين.

وأضافت "باستثناء البحرين، تتمتع دول الخليج بهامش مالي ⁠كافٍ للتعامل مع ​الصدمة، إذ يبلغ الدين الحكومي مستويات معتدلة تقل عن 45% من الناتج المحلي الإجمالي".

أما على المدى الطويل، فلا يزال التأثير غير واضح.

وضغطت شركات نفط ​وسياسيون في الغرب من أجل زيادة الاستثمار في الوقود الأحفوريّ، في محاولة للتحوّط من صدمات الإمداد، لكن بعض المحللين يرون أن الطاقة المتجددة توفر الحماية الأمثل.

وفي هذا السياق، أعلنت شركة "توتال إنيرجيز" الفرنسية وشركة "مصدر" للطاقة المتجددة المدعومة من الحكومة الإماراتية، عن ​مشروع مشترك بقيمة 2.2 مليار دولار لتسريع نشر الطاقة المتجددة في 9 دول آسيوية، وذلك الأسبوع الماضي.