أعلن فصيلان عراقيان بارزان، هذا الأسبوع، وضع ألويتهما المسلحة المنضوية في هيئة الحشد الشعبي تحت إدارة الدولة العراقية، في خطوة تعكس الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة على بغداد لضبط سلاح الفصائل المقرّبة من إيران، وتأتي في ظل تحولات تشهدها موازين النفوذ بين واشنطن وطهران داخل العراق.
تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"
ورحّب المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية والعراق، توم برّاك، بالخطوة، معتبرا أنها "ستسهم في بناء النظام"، كما أشاد بمبادرة رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، الذي تعهّد منذ توليه منصبه الشهر الماضي بحصر السلاح بيد الدولة.
وتأتي هذه التطورات في وقت حققت فيه واشنطن مكاسب سياسية واقتصادية في العراق، مقابل تراجع النفوذ الإقليمي لطهران منذ اندلاع الحرب على غزة عام 2023، ثم الحرب الإسرائيلية الأولى على إيران عام 2025، والحرب الثانية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في شباط/ فبراير الماضي.
وفي هذا السياق، يكرر "الإطار التنسيقي"، الذي يضم أحزابا شيعية مقرّبة من إيران وبعضها يمتلك أجنحة مسلحة تصنفها الولايات المتحدة "منظمات إرهابية"، تأكيد دعمه لمبدأ "حصر السلاح بيد الدولة" وفصل هيئة الحشد الشعبي عن الأطر السياسية والحزبية والاجتماعية.
وتأسست هيئة الحشد الشعبي عام 2014 من فصائل مسلحة شاركت في قتال تنظيم "داعش"، قبل أن تتحول لاحقا إلى جزء من المؤسسة العسكرية العراقية، إلا أنها لا تزال تضم ألوية تابعة لفصائل موالية لإيران تحتفظ بهوامش حركة مستقلة.
ومن أبرز الفصائل التي أعلنت "فك الارتباط" بين ألويتها المسلحة وهيئة الحشد الشعبي، والتزامها بحصر السلاح بيد الدولة، عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي.
ويتزعم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي الخاضع لعقوبات أميركية، والذي يعد أحد أبرز قادة الإطار التنسيقي وصاحب أكبر كتلة برلمانية داخله. وقد عززت الحركة نفوذها السياسي بعد حصولها على 27 مقعدا في الانتخابات النيابية الأخيرة، فيما تشير مصادر مقرّبة من الفصائل إلى أنها ابتعدت تدريجيا عن طهران ولم تشارك في الحرب الأخيرة.
في المقابل، تتمسك الفصائل الأكثر قربا من إيران بسلاحها، وعلى رأسها كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء، وهي فصائل فقدت عشرات القادة والمقاتلين في ضربات أميركية خلال السنوات الماضية.
وأعلنت كتائب حزب الله استعدادها لشراء الأسلحة التي قد تسلّمها الفصائل الأخرى للدولة، فيما يُعد أبو آلاء الولائي، الأمين العام لكتائب سيد الشهداء، أحد أبرز قادة الإطار التنسيقي.
وخلال الحرب الأخيرة، أكدت حركة النجباء "وفرة الخزين الإستراتيجي للصواريخ والمسيّرات في إيران خصوصا ومحور المقاومة عموما"، مشددة على استمرار عمليات الإنتاج والتطوير.
وبعيدا عن الفصائل الموالية لإيران، أعلن زعيم التيار الشيعي الوطني، مقتدى الصدر، إلحاق فصيل "سرايا السلام" التابع له بمؤسسات الدولة.
آلية التسليم
وقال مسؤول أمني عراقي لوكالة "فرانس برس" إن آلية حصر السلاح بيد الدولة "لا تزال غير واضحة"، رغم بدء بعض الفصائل باتخاذ خطوات عملية في هذا الاتجاه.
وأعلنت عصائب أهل الحق تشكيل لجنة تتولى وضع "الأفراد والأسلحة والآليات والمعدات والوسائل اللوجستية كافة" تحت إشراف مباشر لرئيس الوزراء.
كما أعلنت كتائب الإمام علي تشكيل لجنة لمتابعة عمليات الجرد والتسليم والنقل بإشراف الزيدي، إلى جانب لجنة أخرى تعنى بشؤون الأفراد وإعادة دمجهم في مؤسسات الدولة.
ووفقا لمصدر مقرّب من الفصائل، فإن ذلك يعني انتقال جميع القرارات المتعلقة بألوية الفصيلين داخل الحشد الشعبي إلى رئيس الوزراء من الناحية الإدارية.
ويرى الباحث في الشؤون العراقية تامر بدوي أن نجاح المبادرة يتطلب "تدقيقا تشرف عليه الحكومة والجهات الفاعلة غير الحكومية"، محذرا من أنها قد تبقى جزءا من "مشاكل هيكلية أوسع تؤثر على قطاع الأمن في العراق" إذا لم تقترن بإجراءات فعلية.
ويؤكد مصدر آخر مقرّب من الفصائل أن عصائب أهل الحق باتت تعتبر العمل السياسي والمشاركة في الحكومة أكثر أهمية من العمل العسكري، وتسعى إلى توجيه رسائل طمأنة إلى الولايات المتحدة.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع مفاوضات لتوزيع تسع حقائب وزارية لا تزال شاغرة في حكومة الزيدي من أصل 23 وزارة، أبرزها وزارتا الداخلية والدفاع.
في المقابل، ترفض الفصائل المتمسكة بسلاحها مناقشة الملف ما دامت قوات أجنبية منتشرة في شمال العراق ضمن التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، الذي يفترض أن تنتهي مهمته في أيلول/ سبتمبر المقبل.
بين واشنطن وطهران
وسعى العراق خلال العقدين الماضيين إلى الموازنة بين علاقاته مع الولايات المتحدة وإيران، اللتين تتمتعان بنفوذ سياسي واقتصادي وأمني واسع منذ الغزو الأميركي عام 2003.
وعقب الهجمات التي استهدفت مصالح أميركية خلال الحرب الأخيرة، علّقت واشنطن المدفوعات النقدية لعائدات النفط العراقي، التي كانت تديرها بموجب اتفاقية تعود إلى مرحلة ما بعد الغزو، كما جمدت جزءا من مساعداتها الأمنية.
وقال مسؤول أميركي الشهر الماضي إن واشنطن تنتظر "إجراءات ملموسة" من حكومة الزيدي لإبعاد الفصائل المسلحة عن مؤسسات الدولة قبل استئناف المساعدات.
في المقابل، يتطلع الزيدي، الذي ينحدر من خلفية مصرفية واقتصادية، إلى جذب استثمارات ومشاريع خدمية من شركات أميركية، بحسب مصدر مقرّب من الإطار التنسيقي.
وقال قيادي في عصائب أهل الحق إن الولايات المتحدة تسعى إلى تسليم الفصائل "المسيّرات والصواريخ البالستية خصوصا" بسبب قدرتها على الوصول إلى إسرائيل، مضيفا أن الحركة "تؤيد حصر السلاح بما يحقق أمن الدولة وليس بما يحقق أمن إسرائيل".
ويرى بدوي أن الولايات المتحدة تريد رؤية نتائج ملموسة على الأرض، متسائلا عما إذا كانت تسعى إلى تغييرات حقيقية أم إجراءات شكلية.
أما إيران، فيقدّر الباحث أنها تسعى إلى منح حلفائها أكبر قدر ممكن من الوقت، وأنها "لن تسمح بنزع سلاح حلفائها المحليين بالقوة"، وهو خيار لا يبدو أن الحكومة العراقية تدرسه في الوقت الراهن.