تكتسب زيارة الرئيس الصيني، شي جين بينغ، إلى مصر التي تبدأ اليوم الثلاثاء أهمية تتجاوز بعدها الثنائي، إذ تأتي بعد 10 سنوات من آخر زيارة له إلى القاهرة، وفي ظل تحولات اقتصادية وأمنية إقليمية ودولية متسارعة، وتنافس متصاعد بين بكين وواشنطن.
تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"
ويرى 4 خبراء مصريين وصينيين بينهم دبلوماسيون سابقون أن الزيارة تمثل نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من الشراكة الإستراتيجية بين البلدين، التي أُعلن عنها في 2014، ستترجم إلى اتفاقيات اقتصادية وصفقة مقاتلات صينية محتملة، وتأكيد على استقرار المنطقة.
واتفقوا على أن القاهرة تجيد تطبيق سياسة الاتزان الإستراتيجي في علاقاتها مع الدول الكبرى، وبالتالي لن تثير الزيارة حساسية مفرطة لدى واشنطن.
وتأتي الزيارة في ظل ظروف اقتصادية وأمنية إقليمية وعالمية متوترة، وترقب أميركي لمسارات تحرك بكين اقتصاديا في المنطقة.
محطة تاريخية
وفي تقريرها بشأن الزيارة، أكدت الهيئة العامة للاستعلامات المصرية أن العلاقات بين البلدين "تشهد محطة تاريخية، تعكس عمق الشراكة الإستراتيجية" بينهما.
وقالت "تأتي زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر لتتوج مسارا طويلا من التعاون المتنامي بين البلدين"، وذلك بعد أيام من انطلاق مناورة عسكرية جوية بينهما.
وسجل حجم التبادل التجاري بين مصر والصين نحو 20.78 مليار دولار في نهاية عام 2025، مقارنة بنحو 17.37 مليار دولار في عام 2024، محققا نسبة نمو بلغت نحو 19.6%.
دفع الشراكة
ويقول سفير مصر الأسبق لدى الصين ونائب رئيس الجمعية المصرية الصينية، علي الحفني، إن اللقاء يعد الـ15 الذي يجمع بين الزعيمين، مع الأخذ في الاعتبار أن الرئيس عبد الفتاح السيسي زار الصين 8 مرات.
وتوقع الحفني، الذي يشغل منصب الأمين العام للمجلس المصري للشؤون الخارجية، أن تقدم الزيارة لمصر الكثير لدفع الشراكة الإستراتيجية على أرض الواقع، وتفتح الباب لمزيد من الصفقات والاتفاقيات ومذكرات التفاهم، ومزيد من العمل الجاد في الاستثمار وتوطين الصناعة في مصر وتعزيز قدرتها على التصدير، متوقعا توقيع عدة وثائق.
وعن قدرة القاهرة على تنويع علاقاتها في ظل تجاذبات واشنطن وبكين، قال الحفني "لقد نجحت مصر في سياسة الاتزان الإستراتيجي منذ أن تولى الرئيس عبد الفتاح السيسي منصبه في 2014، وتتبع هذه السياسة بكل احترافية حتى في ما يتعلق بالصين والولايات المتحدة، وتحاول أن تنأى بنفسها عن أي تأثيرات ناجمة عن التنافس بين الدولتين".
إعادة صياغة الشراكة
بدوره، قال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد حجازي، إن "الزيارة فرصة لإعادة صياغة أجندة الشراكة المصرية – الصينية بما يتناسب مع متغيرات النظام الدولي واحتياجات التنمية في البلدين".
وأردف قائلا "خاصة وأن الزيارة تأتي في العام 2026 الذي تحتفل فيه مصر والصين بمرور 70 عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما في 30 أيار/ مايو 1956، وصولا إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية الشاملة التي أُعلنت عام 2014".
وبعد 10 سنوات من زيارة الرئيس الصيني، يرى حجازي أن الزيارة بداية مرحلة جديدة من الشراكة، مؤكدا ضرورة ألا تقتصر على زيادة حجم التجارة أو عدد المشروعات الصينية في مصر فحسب، بل أن تحول مصر إلى قاعدة صناعية ولوجستية صينية موجهة إلى الأسواق الإفريقية والعربية.
ودعا حجازي إلى توسع كبير في الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والطاقة الجديدة والمتجددة، والهيدروجين الأخضر، وتحلية المياه، وإدارة الموارد المائية، والزراعة الحديثة، والصناعات الدوائية، والمعدات الطبية، والنقل الكهربائي، والتعليم التكنولوجي، على أن تشمل المجموعة الجديدة المحتملة من مذكرات التفاهم واتفاقات التعاون بين البلدين هذه المجالات.
تطوير التشاور السياسي
أما في البعد السياسي، فيمكن، بحسب حجازي، تطوير مستوى التشاور المصري الصيني بشأن الأزمات التي تشهدها المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وإعادة إعمار غزة، وأمن البحر الأحمر، وحرية الملاحة، وأمن الطاقة، ومستقبل النظام الإقليمي.
وفي المقابل، تستطيع مصر أن تكون حلقة وصل مهمة بين الصين والقارة الإفريقية، وفق المتحدث.
صفقة عسكرية محتملة
من جهته، أوضح عضو "الجمعية الصينية لدراسات الشرق الأوسط"، نادر رونغ هوان، أنه بعد 3 أشهر من الذكرى الـ70 لإقامة العلاقات، وفي ظل الظروف والأنشطة المتوترة التي تشهدها المنطقة، تبدأ الزيارة إلى القاهرة الثلاثاء.
وأضاف قائلا "يبرز مع الزيارة دور الصين في تقديم الدعم والتعاون لمصر عبر عدة مسارات إستراتيجية، يتصدرها التنسيق السياسي، وجهود الوساطة المشتركة لتعزيز استقرار المنطقة، إلى جانب التوسع في مشاريع البنية التحتية والإنشاءات الكبرى الجارية في مصر".
وشهد التعاون الاقتصادي، بحسب نادر رونغ هوان، "نموا ملحوظا من خلال ضخ الاستثمارات الصينية، ووجود مئات الشركات الصينية العاملة في السوق المصرية، لا سيما في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس".
وتوقع أن تقدم الصين لمصر دفعة لنقل تقنياتها المتقدمة في مجالات الطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي، لتعميق التعاون بين البلدين في هذه المجالات، ودفع الشراكة الإستراتيجية الشاملة نحو آفاق أرحب.
وعلى صعيد التعاون العسكري والاتفاقات المحتملة، يتوقع نادر رونغ هوان أن يمتد التعاون ليشمل تدريبات مشتركة بين القوات الجوية للبلدين، بما يعزز السلام والاستقرار في المنطقة، مع احتمال التوصل إلى صفقة لشراء مقاتلات صينية لصالح الجانب المصري.
وعن قدرة القاهرة على تنويع علاقاتها في ظل تجاذبات واشنطن وبكين، يرى المحلل الصيني أن مصر تنتهج إستراتيجية التوازن وتعددية الشراكات الدولية.
واعتبر أن مصر تقف على مسافة متوازنة بين القوى الكبرى: الولايات المتحدة والصين وروسيا، دون انحياز، ما يقوي العلاقات ويعود بالنفع على الجميع.
تحول هيكلي منتظر
قال كبير الباحثين في معهد "تايهي" الصيني، إينار تانغين، إن مصر تأمل أن تحدث زيارة شي جين بينغ تحولا هيكليا في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، خصوصا أن توقيتها يأتي في ظل ضغوط عالمية، وتختلف عما كانت عليه قبل 10 سنوات.
وتسعى القاهرة إلى التصنيع المحلي، ونقل التكنولوجيا المحلية، وتطوير شبكات الطاقة المتجددة، والتصنيع الموجه للتصدير، وتنظر بكين إلى مصر باعتبارها مركزا للإنتاج والخدمات اللوجستية ذا موقع إستراتيجي مميز يصل عدة قارات بعضها ببعض، بحسب إينار تانغين.
التوازن الإستراتيجي
وأكد تانغين أن الصين تقدم للقاهرة شيئا لا تستطيع واشنطن وشركاؤها الخليجيون تكراره، يتمثل في الاستثمار الصناعي طويل الأمد، المقترن بتطوير البنية التحتية المحلية، ونقل التكنولوجيا، والتمويل المرن، والوصول إلى السوق المحلية الصينية.
ويتوقع تانغين أن تسفر الزيارة عن توقيع مجموعة شاملة من الاتفاقيات الثنائية عبر قطاعات اقتصادية، مع حفاظ القاهرة على تعاون مع بكين بدلا من الدخول في التزامات دفاعية مشتركة رسمية.
فيما ستكون ملفات الاستقرار في قطاع غزة والضفة الغربية والمنطقة ككلّ محورا رئيسا للقاهرة، يحظى بدعم مستمر من بكين، وفق المتحدث.
وستواصل مصر الحفاظ على توازن إستراتيجي بين بكين وواشنطن، وفق ما يرى تانغين، موضحا أن القاهرة تعول على الولايات المتحدة في أنظمة الدفاع الأساسية، والتعاون الأمني، والانخراط في الأسواق المالية الغربية، وتعتمد على شركائها في الخليج للاستثمار المباشر، وعلى أوروبا للتجارة الثنائية، وعلى الصين للتصنيع والبنية التحتية والتكنولوجيا والتمويل المرن بالعملة المحلية.