كواليس قرار الحرب على إيران: كيف استدرج نتنياهو ترامب إلى خطة "منفصلة عن الواقع"

تكشف كواليس قرار الحرب على إيران أنه جاء عقب عرض قدّمه نتنياهو في البيت الأبيض، روّج فيه لإمكانية تحقيق نصر سريع وتغيير النظام، رغم تقديرات أميركية اعتبرت ذلك "منفصلًا عن الواقع"، فيما حسم ترامب موقفه متجاهلًا التحفّظات الاستخباراتية.

كواليس قرار الحرب على إيران: كيف استدرج نتنياهو ترامب إلى خطة

صورة ترامب ونتنياهو في شوارع لوس أنجلوس عقب إعلان الحرب على إيران (Getty Images)

تكشف معطيات جديدة عن كواليس قرار الإدارة الأميركية الانخراط في الحرب على إيران، مركّزة على دور رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، في الدفع نحو الخيار العسكري، من خلال عرض مفصّل قدّمه في البيت الأبيض، تضمّن تقديرات ووعودًا بنتائج حاسمة، بعضها وُصف داخل واشنطن لاحقًا بأنه "غير واقعي".

تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"

وبحسب ما أوردته صحيفة "نيويورك تايمز"، في تقرير يستند إلى كتاب مرتقب للصحافيين المتخصصين في تغطية شؤون البيت الأبيض، جوناثان سوان وماغي هابرمان، فإن الرواية تستند إلى مقابلات موسّعة مع مصادر مطّلعة، وتسلّط الضوء على النقاشات الداخلية التي سبقت قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، شن الحرب.

عرض نتنياهو: أربع مراحل لإنهاء النظام الإيراني

وفي 11 شباط/ فبراير، وصل نتنياهو إلى البيت الأبيض، حيث عقد اجتماعًا مغلقًا مع ترامب وفريقه في غرفة العمليات (Situation Room)، قدّم خلاله عرضًا مصنّفًا عالي السرية بشأن إيران، بمشاركة رئيس الموساد، دافيد برنياع، ومسؤولين عسكريين إسرائيليين شاركوا عبر الاتصال المرئي.

وبحسب التقرير، طرح نتنياهو خطة تقوم على أربعة محاور رئيسية:

  • "قطع الرأس" – أي اغتيال المرشد الإيراني
  • إضعاف قدرات إيران العسكرية
  • اندلاع انتفاضة داخلية
  • تغيير النظام وتنصيب قيادة بديلة

وجاءت هذه الجلسة ضمن زيارة قُدّم موعدها، إذ كان من المقرر أن يلتقي نتنياهو بترامب في واشنطن في 18 شباط/ فبراير، قبل أن تُعجَّل المحادثات في ظل تجدد المفاوضات مع إيران والتقارير آنذاك بأنها بدأت تحقق بعض التقدم.

من اجتماع ترامب ونتنياهو في البيت الأبيض في 11 فبراير الماضي (GPO)

وخلال العرض، طرح نتنياهو تقديراته بشأن مسار العملية، معتبرًا أن الأهداف المطروحة قابلة للتحقيق ضمن عملية مشتركة، وأن الظروف في إيران "ناضجة لتغيير النظام"، وأن الضربة العسكرية قد تفتح الطريق أمام إسقاط الحكم القائم.

وعود بنصر سريع... ومعطيات حاسمة

وقدّم الفريق الإسرائيلي للجانب الأميركي، بحسب التقرير، تقديرات تفيد بإمكانية تدمير برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني "خلال أسابيع"، وأن النظام سيضعف إلى حدّ يمنعه من إغلاق مضيق هرمز أو توجيه ضربات مؤثرة للمصالح الأميركية.

كما أشار العرض الذي قدمه نتنياهو إلى أن الاحتجاجات الداخلية ستتجدّد، وأن عمليات القصف المكثف، بالتوازي مع دور استخباري للموساد في "تأجيج الاضطرابات"، قد تخلق الظروف لإسقاط النظام. وشمل السيناريو أيضًا احتمال دخول مقاتلين أكراد من العراق لفتح جبهة برية شمالية، بما يسرّع انهيار النظام.

وفي ختام العرض، قال ترامب لنتنياهو: "يبدو ذلك جيدًا بالنسبة لي"، في إشارة فسّرها الأخير على أنها موافقة مبدئية على المضي نحو العملية.

التقييم الأميركي: ما يمكن تحقيقه وما وُصف بالوهمي

في اليوم التالي، عقد اجتماع أميركي داخلي لتقييم العرض الإسرائيلي، حيث قُسّمت الخطة إلى أربعة أجزاء، وخلص التقييم إلى أن: الهدفين الأول والثاني (اغتيال القيادة وإضعاف القدرات العسكرية) قابلان للتحقيق.

أما الهدفان الثالث والرابع (الانتفاضة وتأجيج احتجاجات داخلية وتغيير النظام) فقد اعتُبرا "منفصلين عن الواقع"، وبحسب التقرير، استخدم مدير وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) جون راتكليف توصيفًا حادًا، واصفًا سيناريو تغيير النظام بكلمة واحدة: "هزلي".

فيما علّق وزير الخارجية ماركو روبيو قائلًا: "بكلمات أخرى، هذا محض هراء". كما أبدى عدد من المسؤولين الأميركيين شكوكًا بشأن الخطة، بينهم نائب الرئيس جي دي فانس، الذي عارض بشدة فكرة الحرب الشاملة، محذرًا من تداعياتها على الاستقرار الإقليمي والموارد الأميركية.

كما أشار رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، إلى أن الإسرائيليين "يميلون إلى المبالغة في عرض خططهم"، مضيفًا: كما أن "خططهم ليست دائمًا محكمة بشكل جيد".

في المقابل، أوضح أن الحرب قد تستنزف مخزونات الأسلحة الأميركية بشكل كبير، خاصة في ظل الالتزامات القائمة في أوكرانيا وإسرائيل.

ترامب: تجاهل التحفّظات والتركيز على الأهداف العسكرية

رغم هذه التحفّظات، أبدى ترامب اهتمامًا واضحًا بتنفيذ الجزأين الأول والثاني من الخطة، أي استهداف القيادة الإيرانية وتفكيك قدراتها العسكرية، معتبرًا أن مسألة "تغيير النظام" ليست شرطًا لاتخاذ قرار الحرب.

وقال خلال النقاشات إن تغيير النظام سيكون "مشكلتهم"، دون توضيح ما إذا كان يقصد الإيرانيين أو الإسرائيليين. كما بدا مقتنعًا بأن الحرب ستكون "سريعة وحاسمة"، وهو تقدير عزّزته، بحسب التقرير، قراءته للضربات السابقة على إيران.

وفي ما يتعلق بديناميكيات اتخاذ القرار وانقسام الداخلي في إدارة ترامب والانحياز للرئيس، أفاد التقرير بأن النقاشات داخل الإدارة عكست تباينًا في المواقف:

  • وزير الدفاع، بيت هيغسيث، كان من أبرز الداعمين للعمل العسكري
  • روبيو أبدى تحفظًا جزئيًا، مفضّلًا الضغط بدل الحرب
  • مستشارة البيت الأبيض سوزي وايلز أبدت قلقًا من تداعيات الحرب
  • فانس عارضها بشكل واضح

ورغم ذلك، يشير التقرير إلى أن الجميع "انحاز في النهاية إلى حدس الرئيس"، من دون محاولة جدية لثنيه عن قراره، ما يعكس غياب أصوات معارضة فاعلة داخل دائرته الضيقة، في ظل حرص ترامب على إقصاء شخصيات كان ينظر إليها باعتبارها "مستقلة" أو "إشكالية".

اتخاذ القرار النهائي

وفي 26 شباط/ فبراير، وفي ذروة المفاوضات مع إيران والتي أشارت التقارير والتصريحات الأميركية حينها إلى أنها تحرز "تقدما ما"، عقد اجتماع نهائي في غرفة العمليات، حيث عرض ترامب القرار على الحاضرين، قبل أن يقول: "أعتقد أننا بحاجة إلى القيام بذلك".

وبعد أقل من 24 ساعة، وعلى متن الطائرة الرئاسية، أصدر أمره النهائي: "المصادقة على ‘الغضب الملحمي‘ (التسمية الأميركية لعملياتها في إطار حربها المشتركة مع إسرائيل على إيران). لا تراجع. بالتوفيق".

يُظهر التقرير، أن رؤية ترامب المتشددة تجاه إيران كانت أقرب بكثير إلى موقف نتنياهو مما كان يعتقده بعض مستشاريه، وأن هذا التقارب لعب دورًا حاسمًا في دفع الولايات المتحدة نحو الحرب.

وفي الوقت الذي أبدت فيه أجهزة الاستخبارات تحفظات واضحة على بعض عناصر الخطة التي عرضها نتنياهو وكذلك تقديراته ومعلوماته الاستخباراتية، فإن القرار النهائي استند إلى مزيج من العلاقة مع نتنياهو وقناعة سياسية، وثقة بقدرات عسكرية، وتقدير بأن المخاطر الناتجة عن "عدم التحرك" تفوق مخاطر الحرب.