أشرف الجيش الأميركي خلال الأشهر الأخيرة على شبكة واسعة من عمليات نقل النفط بين السفن قبالة سواحل عُمان والإمارات، بهدف الحفاظ على تدفق صادرات الطاقة الخليجية رغم القيود الإيرانية على الملاحة في مضيق هرمز، فيما أفادت مصادر بأن المروحية الأميركية التي أسقطتها طهران كانت تشارك في هذه العمليات.
تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"
وبحسب تحقيق أجرته وكالة "رويترز" استنادا إلى 11 مصدرا مطلعا وبيانات شحن وصور أقمار اصطناعية، فإن العملية تعتمد على نقل الشحنات من ناقلات صغيرة تعبر المضيق إلى ناقلات عملاقة تنتظر خارج المنطقة، ضمن نظام يخضع لإدارة ومراقبة أميركية مباشرة.
وقالت إن العملية تجري في موقعين رئيسيين، أحدهما قبالة سواحل الفجيرة في الإمارات والآخر قبالة ميناء صحار العُماني، وقد شاركت فيها منذ أوائل أيار/ مايو ما لا يقل عن 92 سفينة.
وأظهرت صور أقمار اصطناعية راجعتها الوكالة تنفيذ عشرات عمليات نقل النفط بين السفن بصورة متزامنة، فيما رُصد حتى 11 حزيران/ يونيو ما لا يقل عن 17 زوجا من السفن تنفذ عمليات نقل في الموقعين.
وبحسب ثمانية مصادر، من بينها متعاقد أمني شارك في تلك المهمات، فإن الجيش الأميركي يسيطر بالكامل على العملية، فيما تتولى طائرات مسيّرة ومركبات بحرية مسيّرة ومروحيات مراقبة حركة السفن وتوجيهها.
دور لطائرة أباتشي أسقطتها إيران
ونقلت الوكالة عن أربعة مصادر، بينها مسؤول أميركي سابق مطلع على الحادثة، أن المروحية الأميركية من طراز "أباتشي" التي أسقطتها إيران في التاسع من حزيران/ يونيو كانت تشارك في هذه العملية.
وقالت المصادر إن الولايات المتحدة شنت غارات ردا على إسقاط المروحية، فيما أعلن مسؤولون أميركيون لاحقا إنقاذ فردي طاقمها بواسطة زورق مسيّر.
وأشارت "رويترز" إلى أنها لم تتمكن من التحقق بشكل مستقل من المهمة المحددة التي كانت تنفذها المروحية عند إسقاطها.
ووفقا للمصادر، تنطلق الناقلات إلى نقاط تجمع قبل دخول المضيق، ثم تبحر تباعا بفوارق زمنية ومسافات تتراوح بين ثلاثة وأربعة كيلومترات بين كل سفينة وأخرى.
وأضافت المصادر أن السفن تخفض إضاءتها وتوقف أجهزة الإرسال والاستقبال المستخدمة عادة لتحديد المواقع والإبلاغ عن الحركة البحرية.
كما تعتمد العملية على سلسلة من نقاط الإحداثيات التي تسمح للجيش الأميركي بمتابعة السفن طوال رحلتها.
وعند عبور المضيق، تتوقف الناقلات الصغيرة إلى جانب ناقلات نفط عملاقة تنتظر خارج المنطقة التي أعلنت إيران أنها تقع ضمن نطاق إدارتها البحرية الجديدة، لتبدأ عمليات نقل الشحنات التي تستغرق بين 24 و40 ساعة.
وبعد إفراغ الحمولة، تعود الناقلات الصغيرة عبر المضيق، بينما تتابع الناقلات العملاقة رحلتها إلى الأسواق العالمية.
أسلوب إيراني بإدارة أميركية
ولفتت "رويترز" إلى أن هذه الآلية تشبه إلى حد كبير الأسلوب الذي استخدمته إيران لسنوات للالتفاف على العقوبات الغربية عبر إخفاء مصدر النفط من خلال عمليات النقل بين السفن.
وقال رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، مايكل فرومان، إن الولايات المتحدة باتت تستخدم أساليب تشبه تلك التي طورتها سابقا دول مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران لتجاوز القيود والعقوبات.
وأضاف أن إرسال السفن مع إطفاء أجهزة التتبع والإرسال يمثل أحد أبرز هذه الأساليب.
90 مليون برميل منذ أيار
واستنادا إلى تحليل أكثر من 12 صورة فضائية وبيانات شحن تجارية، قدّرت "رويترز" أن الشبكة البحرية نقلت ما لا يقل عن 90 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات النفطية منذ مطلع أيار/ مايو.
ورغم ضخامة الرقم، فإن هذه الكميات تبقى أقل بكثير من مستويات التصدير التي كانت تمر عبر مضيق هرمز قبل الحرب، والتي بلغت في المتوسط نحو 20 مليون برميل يوميا.
وكانت إيران قد فرضت قيودا واسعة على الملاحة في المضيق بعد اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية ضدها، ما أدى إلى تعطيل غير مسبوق لإمدادات الطاقة العالمية وارتفاع معدلات التضخم وأسعار النفط.
وقال الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إن مضيق هرمز سيعاد فتحه الجمعة المقبلة بموجب اتفاق الإطار الذي أعلنته واشنطن وطهران، إلا أن تفاصيل الاتفاق لم تُنشر بعد.
وأفاد التقرير بأنه ليس من الواضح ما إذا كانت التفاهمات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران ستؤدي إلى وقف عمليات النقل البحرية التي تشرف عليها واشنطن.
مخاطر متزايدة على الملاحة
ونقلت الوكالة عن مسؤولين وخبراء في قطاع الشحن تحذيرات من أن النظام الجديد يفاقم المخاطر البحرية بسبب إطفاء أجهزة التتبع وعدم الإبلاغ عن حركة السفن عبر القنوات المعتادة.
وقال مصدر أمني بحري إن نقص المعلومات الموثوقة قد يزيد احتمالات التصادم بين السفن التي تبحر ليلا بإضاءة محدودة وسرعات لا تسمح بمناورات سريعة.
كما حذر نوام رايدان، المتخصص في شؤون المخاطر البحرية، من أن إيران قد تلجأ في أي وقت إلى استخدام المسيّرات أو الزوارق الحربية لمنع حتى هذه السفن من عبور المضيق.
شركات خليجية ودولية مشاركة
وأظهرت سجلات الشحن التي راجعتها "رويترز" أن شركات خليجية ودولية تشارك في العملية، فيما شكلت الصادرات الإماراتية جزءا كبيرا من الشحنات المنقولة.
وقالت ستة مصادر إن شركة بترول أبوظبي الوطنية "أدنوك" من أبرز المشاركين في عمليات النقل، كما شاركت شركة ناقلات النفط الكويتية في عدد من الشحنات.
وأظهرت البيانات سحب نحو 2.3 مليون برميل من النفط الخام من إحدى ناقلات الشركة الكويتية قبالة ميناء صحار في السادس من حزيران/ يونيو، قبل أن تتابع ناقلة أخرى طريقها نحو الصين.
ولم ترد الحكومتان الإماراتية والكويتية، ولا شركة "أدنوك"، على طلبات التعليق التي وجهتها "رويترز".
ورأى رايدان أن الآلية الحالية لا تمثل حلا طويل الأمد، مضيفا أن ما يجري "حل مؤقت لظروف استثنائية".