أفرجت محكمة الصلح في بئر السبع، عن المواطن الإسرائيلي الذي أطلق النار على مركبة الشاب البدوي أيوب محمد طوخي (22 عامًا) ما أدى إلى مقتله قرب في منطقة نيتسانا قرب الحدود مع مصر، الأسبوع الماضي، وقررت وضعه قيد الإقامة الجبرية بشروط مقيّدة، في وقت تتواصل فيه التحقيقات التي باتت ترجح أن الضحية الطوخي، لم يكن متورطًا في أي عمليات تهريب.
تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"
وخلال الجلسة، تبيّن أن الشاب الذي كان برفقة أيوب داخل المركبة، ابن عمه محمد طوخي، أُفرج عنه من دون عقد جلسة للنظر في قضيته، بعد أن لم تعثر الشرطة على أي أدلة تربطه بالتهريب، وذلك خلافًا لما كانت قد ادعته خلال مداولات تمديد توقيفه في الأيام الأولى بعد الحادثة.
وأقرت الشرطة، في مرافعتها أمام المحكمة، بوجود تناقضات في روايات المشتبه بإطلاق النار، وأوضحت أنها تنسب إليه شبهات "التسبب بالوفاة نتيجة الإهمال". كما أفادت بأن الجريمة وقعت بينما كان جندي برفقة المشتبه به داخل المركبة، وأن التحقيق في إطلاق النار يُجرى من قبل طاقم تحقيق خاص مشترك من الشرطة ووحدة الشرطة العسكرية.
وادّعى مطلق النار أنه خلال مطاردته لمركبة أيوب طوخي، شاهد شخصًا يخرج من نافذة السيارة جسمًا "بدا له كقنبلة أو مسدس"، ما دفعه، وفق أقواله، إلى إطلاق النار باتجاه إطارات المركبة بدافع شعوره بـ"خطر على الحياة".
غير أن مصدرًا في الشرطة قال لصحيفة "هآرتس" إن المحققين يميلون في هذه المرحلة إلى قبول ادعائه بأنه "شعر بالخطر"، لكنهم يثيرون شكوكًا جدية حول "ضرورة إطلاق النار من الأساس".
وأضافت الشرطة، في توصيفها لسير الأحداث، أن مطلق النار والجندي الذي كان برفقته "أدخلا نفسيهما إلى وضع خطر" نتيجة قرار المطاردة، في إشارة مباشرة إلى أن سلوكهما كان عاملًا مركزيًا في تصعيد الحدث وانتهائه بمقتل الشاب.
وبحسب رواية محمد طوخي، الذي كان يجلس داخل المركبة إلى جانب القتيل، فإن إطلاق النار لم يكن تحذيريًا، بل أصابه بشكل مباشر. وتدعم هذه الرواية صورٌ للمركبة أظهرت آثار رصاص في النوافذ الجانبية، إضافة إلى تحطّم الزجاج الخلفي بالكامل، ما يتناقض مع الادعاء بأن إطلاق النار كان موجّهًا فقط إلى الإطارات.
وخلال الجلسة، قال ممثل الشرطة: "شخص يعرّف نفسه كمدرّب إطلاق نار ومدير ميادين رماية، يفترض أن يعرف تمامًا كيف يمكن لكل رصاصة يطلقها أن تُصيب"، في إشارة إلى مستوى المعرفة والمسؤولية المهنية المنسوبة لمطلق النار.
وتكشف معطيات إضافية من التحقيق أن مطلق النار يعمل في شركة مختصة بالطائرات المسيّرة، وكان قد وصل إلى المنطقة ليل الأربعاء في إطار تدريب أُجري مع قوة من الجيش الإسرائيلي. وبعد انتهاء التدريب، استقل هو والجندي مركبة دفع رباعي تعود له، وكان الجندي هو من تولّى القيادة.
وخلال القيادة في المنطقة، التي أفاد عدة مصادر بأنها منطقة عسكرية مغلقة، رصد الجندي مركبة اشتبه بأنها تعود لمهرّبين، وقرر من تلقاء نفسه ملاحقتها. ووفق رواية مطلق النار، فإنه توسّل إلى الجندي عدة مرات أن يوقف المطاردة، إلا أن الجندي واصل مطاردة المركبة.
ووفق تفاصيل التحقيق، استمرت المطاردة لدقائق طويلة، دون أن يقوم أي من الرجلين بإبلاغ أي جهة عسكرية أو أمنية بما يجري. وخلال المطاردة، أطلق مطلق النار نحو خمسة عيارات نارية من سلاحه الشخصي باتجاه إطارات المركبة، بزعم محاولة إيقافها. وبعد فشله في إصابة الإطارات، سلّمه الجندي سلاحه من نوع M4، فأطلق منه عيارين إضافيين باتجاه المركبة.
أما محمد طوخي، فقد قدّم رواية تفصيلية للأحداث، قال فيها إنهما كانا في طريقهما إلى قرية بير هداج، حيث يقيمان. وأوضح أن مركبة بيضاء، تبيّن لاحقًا أنها تعود لمطلق النار، اندمجت في الطريق، تجاوزتهما وبدأت تُبطئ السير بمحاذاتهما. وأضاف أن أيوب واصل القيادة وانحرف نحو جانب الطريق، كونه محرومًا من رخصة القيادة ولشعوره بأن أحدًا قد يحاول إيذاءهما.
وبحسب شهادته، واصل الجيب ملاحقتهما، وعندما عادا إلى الطريق بعد مسافة تقارب 400 متر، بدأ إطلاق النار. وقال عبر مترجم: "لم نكن نعرف من هم، لم يكن لديهم أي علامات تعريف. عندما عدنا إلى الطريق بدأ إطلاق النار. أُطلق علينا من الخلف ومن الجانب، عيارات كثيرة، وكانت الرصاصات تمر قرب رأسي".
وأضاف: "رأيت الشخص الذي أطلق النار، كان يجلس بجانب السائق. في كل مرة حاولنا التوقف كان يواصل إطلاق النار. حاولنا تشغيل الإشارات في السيارة ليوقف إطلاق النار، لكن ذلك لم يُجدِ".
وأوضح محمد أن المركبة لم تتوقف إلا بعد إصابة أيوب بطلق ناري. وقال: "عندما توقفت السيارة جاء إليّ والسلاح مشهر، أجبرني على الاستلقاء أرضًا، ثم غادر المكان. بعد ذلك فقط وصلت قوات عسكرية أخرى".
وأشار أيضًا إلى أن سيارة الإسعاف استغرقت قرابة نصف ساعة للوصول إلى المكان، مضيفًا: "عندما خرجت من السيارة كان لا يزال على قيد الحياة. كان بالإمكان إنقاذه".
"ليس حادثًا معزولًا، بل نتيجة سياسات عنصرية"
وفي أعقاب الحادثة، توجّهت عائلة أيوب طوخي إلى الجهات الرسمية في رسالة شددت من خلالها على أنه رغم مرور خمسة أيام على مقتل ابنها، ورغم كونها عائلة متضررة من جريمة يحق لها الحصول على المعلومات، فإن الشرطة لم تنقل لها أي تفاصيل بشأن ملابسات الحادث أو مجريات التحقيق.
وجاء في الرسالة أن هذا السلوك "يخلق شعورًا قاسيًا بالإهمال والاستخفاف لدى العائلة، ويعمّق الإحساس بالتمييز داخل المجتمع البدوي"، في ظل غياب الشفافية واستمرار التحقيق دون إطلاع ذوي الضحية على ما جرى.
وفي تصريحات سابقة، قال عضو اللجنة المحلية في قرية بئر هداج، سلمان ابن حميد، إن "أيوب الطوخي قُتل بدم بارد وعلى يد مدني، وليس على يد الشرطة أو الجيش"، مؤكدًا أن أيوب "لم يهرب ولم يسرق كما تدّعي بعض الروايات، بل كان في طريقه إلى منزله بعد تعبئة خزان الوقود".
وأضاف أن سيارة مدنية لا تحمل أي إشارة رسمية لاحقته وصديقه، وقامت بمطاردتهما، "وبعد تعرّض مركبتهما لثقب في الإطار، أوقفتهما تلك السيارة وأُطلقت عليهما النار، ما أدى إلى مقتل أيوب على الفور".
وأضاف أن العائلة واللجنة المحلية "امتنعتا في البداية عن التصريح للإعلام حتى لا تتسببان في تعطيل تسليم الجثمان من معهد الطب العدلي في أبو كبير".
وشدد على أن ما جرى "ليس حادثًا معزولًا، بل نتيجة سياسات عنصرية تُمارس بحقنا، يُقتل فيها الشاب العربي ولا يُحاسب الجاني، وهو أمر لا يمكن السكوت عنه بعد الآن".
وفي هذا السياق، أعلنت اللجنة المحلية في بئر هداج عن تنظيم مظاهرة احتجاجية عصر الثلاثاء.