بين إعلان إسرائيل في حزيران/ يونيو الماضي أنها أزالت "التهديد الوجودي" المتمثل بالصواريخ الباليستية الإيرانية، والمعطيات الميدانية التي تشير اليوم إلى بقاء آلاف الصواريخ الباليستية في الترسانة الإيرانية، تظهر فجوة بين الرواية السياسية والتقديرات العسكرية.
تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"
ووفقا للتقديرات الصادرة عن الجيش الإسرائيلي في الأيام الماضية، فإن طهران كانت تمتلك، عند اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، يوم السبت الماضي، نحو 2500 صاروخ باليستي. وهو رقم يقل بنحو 500 صاروخ فقط عن التقدير الذي ساد قبل الحرب الأخيرة.
ويفتح هذا المعطى باب التساؤل حول مدى فاعلية الحرب الإسرائيلية السابقة على إيران، التي أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، في ختامها، أن إسرائيل أزالت "تهديدًا وجوديًا فوريًا مزدوجًا" في المجالين النووي والصاروخي.
وفي 24 حزيران/ يونيو الماضي، قالت رئاسة الحكومة إن إسرائيل "حققت جميع أهداف العملية، بل وأكثر من ذلك"، وإنها أزالت "تهديدًا مزدوجًا" يتعلق بالبرنامج النووي والصواريخ الباليستية. غير أن الأيام الأولى من الحرب الحالية أظهرت أن التهديد الصاروخي لم يختفِ.
وادعى الجيش الإسرائيلي أنه قبيل شن الحرب في حزيران/ يونيو الماضي، رصدت شعبة الاستخبارات العسكرية مؤشرات على تسارع ملحوظ في وتيرة إنتاج الصواريخ لدى إيران، مع تقديرات تحدثت عن مساعٍ لإنتاج نحو 8000 صاروخ بحلول عام 2027.
وبحسب تقديرات الجيش الإسرائيلي، بلغ مخزون الصواريخ الإيراني نحو 3000 صاروخ قبل بدء الحرب في حزيران/ يونيو الماضي. وقال إن الحرب أسفرت عن تقليص مئات الصواريخ من الترسانة الإيرانية، ومنعت إنتاج ما لا يقل عن 1500 صاروخ إضافي.
لكنه أقرّ في الوقت ذاته بأن إيران كثفت منذ ذلك الحين جهودها لإعادة بناء قدراتها الإنتاجية، لتصل إلى "عشرات الصواريخ شهريًا". ويتناقض هذا التقدير مع تقارير سابقة تحدثت عن قدرة إنتاج تصل إلى مئات الصواريخ شهريًا، وهو ما نفاه خبراء تحدثوا عن عشرات الصواريخ فقط.
ونقلت صحيفة "هآرتس"، مساء الإثنين، عن القائد السابق لمنظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية، الجنرال بالاحتياط ران كوخاف، قوله إن إيران "نجحت في استعادة جزء من قدراتها واستخلاص العبر".
وأشار إلى أن الرد الإيراني في العملية الحالية جاء خلال دقائق، بعدما استغرق ساعات في الحرب السابقة، ما يدل، بحسبه، على مستوى استعداد مختلف.
وأضاف أن إيران استخدمت بداية صواريخ تعمل بالوقود الصلب، ثم انتقلت إلى صواريخ بالوقود السائل، وهو مسار يتطلب تجهيزًا أطول وقد يفرض إخراج الصواريخ من المخابئ.
في المقابل، أشار الباحث تال عنبار إلى أن إيران كانت قد تباهت سابقًا بمنشآت إطلاق تحت أرضية تسمح بالإطلاق من دون مؤشرات مسبقة، لكنه رجّح أن جزءًا من هذه القدرات تضرر في القصف الأميركي–الإسرائيلي.
وحذر كوخاف من أن "الواقع أكثر رمادية من الميل الإسرائيلي إلى تصوير الأمور إما كاحتفال أو كإخفاق". ولفت إلى أن الخطر الأكبر قد يتمثل في إعلان انتصار مبكر، قبل استكمال الأهداف المعلنة.
ونقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن مصادر في سلاح الجو الإسرائيلي، أن إيران تمكنت من التعافي خلال نحو ستة أشهر، والوصول إلى وضع "قريب جدًا" من الوضع الذي كانت عليه قبل الحرب السابقة، رغم الضربات التي طاولت قياداتها العسكرية والسياسية وعلمائها النووين.
وبحسب التقرير، يرى المسؤولون في سلاح الجو الإسرائيلي أن "غياب مسار سياسي مكمّل للإنجازات العسكرية كان أحد العوامل التي سمحت لطهران بالعودة إلى مواصلة أنشطتها النووية".
وفي المقابل، اعتبر مسؤولون في سلاح الجو أن "المواجهة الحالية تختلف من حيث السياق العملياتي، إذ لا تخوض إسرائيل قتالًا مكثفًا ومتزامنًا على عدة جبهات، ما يتيح، بحسبهم، تركيز الجهد على الساحة الإيرانية، كما أن مشاركة الجيش الأميركي في الحرب قد يغير المعادلة.
من جانبها، أشارت الباحثة أورنا مزراحي، من معهد أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب، إلى أن إسرائيل، رغم إضعافها قدرات حزب الله بنسبة كبيرة، لم تنجح في القضاء على ترسانته بالكامل، مشيرة إلى أنه لا يزال يمتلك آلاف الصواريخ والمسيّرات.
وعلى صعيد آخر، قالت تقارير إسرائيلية إن الجيش الإسرائيلي ينفذ خلال الحرب الحالية ضربات "بكثافة أعلى بكثير" مقارنة بالحرب السابقة. وبحسب المعطيات الإسرائيلية، فقد أُلقي خلال اليومين الأولين فقط من الحرب أكثر من 3000 ذخيرة على أهداف إيرانية، وهو ما يعادل نحو خمسة أضعاف من وتيرة القصف في الحرب التي استمرت 12 يومًا.