حذر مراقب الدولة الإسرائيلي، متنياهو أنغلمان، من أن إسرائيل لا تملك سياسة قومية واضحة لمواجهة محاولات التأثير الأجنبي في الفضاء الرقمي، وذلك قبل أشهر من انتخابات الكنيست الـ26، معتبرًا أن الثغرات القائمة تترك الجمهور الإسرائيلي مكشوفًا أمام حملات منظمة قد تستهدف وعيه وثقته بالمؤسسات ونتائج الانتخابات.
تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"
وبحسب تقرير صادر عن مراقب الدولة، اليوم الثلاثاء، فإن أجهزة الأمن والجهات الحكومية التي يفترض أن تتعامل مع هذا التهديد لا تعمل ضمن منظومة موحدة، ولا توجد جهة حكومية تقود الملف، رغم أن التهديد معروف في إسرائيل منذ نحو تسع سنوات.
"تهديد معروف بلا سياسة قومية"
وكتب أنغلمان أن "جهات معادية، بينها إيران، تستغل الشبكات الاجتماعية بصورة خفية وممنهجة لتعميق الانقسامات، وزرع الهلع، وهندسة تصور الواقع لدى الجمهور الإسرائيلي". وأشار التقرير إلى أن التهديد تصاعد بصورة ملحوظة بعد الحرب على غزة، مستعرضًا عدة أمثلة اعتبرها دالة على حجم الخطر.
ففي أيلول/ سبتمبر 2024، قال التقرير إن إيران وحزب الله أرسلا نحو 5 ملايين رسالة نصية قصيرة إلى مواطنين في إسرائيل، تضمنت إنذارًا كاذبًا يدعو إلى الدخول الفوري إلى الملاجئ، وذلك "بهدف إثارة الهلع في الجمهور"، بحسب نص التقرير.
كما أشار التقرير إلى حملة تأثير حملت اسم "إسناد"، قال إنها شغّلت مئات الحسابات الوهمية على الشبكات الاجتماعية للتأثير في الرأي العام الإسرائيلي ودفعه نحو إنهاء الحرب بشروط أكثر ملاءمة لحماس، وفق الرواية الإسرائيلية. وذكر كذلك "عملية تأثير إيرانية" دفعت مضامين بشأن الإبادة الجماعية في قطاع غزة بعد أربعة أيام من هجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر.
غير أن التقرير خلص إلى أن التعامل الحكومي مع هذا التهديد ظل محدودًا ومتقطعًا. وجاء فيه أن "تسلسل الأمور يدل على نمط متكرر من رفع التهديد إلى جدول الأعمال، واتخاذ مبادرات للتعامل المشترك بين الجهات المختلفة معه، غير أن هذه المبادرات أُهملت ولم تنتقل إلى مسار تنفيذ فعلي".
"خطة بقيت على طاولة نتنياهو"
وبحسب التقرير، فإن مجلس الأمن القومي الإسرائيلي حدد في عام 2017 أن إسرائيل أصبحت هدفًا لعمليات تأثير أجنبية، ووجّه إلى فحص الموضوع، لكن ذلك لم يُنفذ. وفي عام 2023، قرر رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، أن تتولى وزارة الاستخبارات معالجة الملف، غير أن الوزارة أُلغيت في آذار/ مارس 2024 من دون تعيين جهة بديلة تتولى المسؤولية.
وبعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، أعدت الهيئة القومية للأمن السيبراني خطة عمل وزارية لمواجهة التأثير الأجنبي، وأرسلتها إلى نتنياهو في أيلول/ سبتمبر 2024، متضمنة تقديرًا للميزانية المطلوبة لتنفيذها. لكن التقرير أشار إلى أن الخطة بقيت نحو عام من دون أن تُفحص من رئيس الحكومة أو من ينوب عنه.
وفي تموز/ يوليو 2025، وبعد توجه مكتب مراقب الدولة، نُقلت الخطة إلى مجلس الأمن القومي. وبعد شهر، أعلنت هيئة السايبر في مكتب رئيس الحكومة أنها ستركز من الآن فصاعدًا فقط على التأثير الأجنبي المرتبط بهجمات سايبر، فيما قرر مجلس الأمن القومي عدم دفع الخطة التي أُحيلت إليه. وخلص التقرير إلى أنه "حتى آب/ أغسطس 2025، توقف مجلس الأمن القومي وهيئة السايبر عن الانشغال بالموضوع".
انتخابات مكشوفة
وانتقد التقرير كذلك استعداد جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، المسؤول عن رصد محاولات التأثير وإحباطها. وذكر أنه حتى شباط/ فبراير 2025، واجه الجهاز "تحديات معينة في مجال الرصد والإحباط"، وأن بعضها لم يُحل حتى الآن. وحذر التقرير من أن "هناك خشية من أن محاولات التأثير الأجنبي لا تُرصد جميعها، ولذلك لا يمكن العمل على إحباطها".
وأشار التقرير إلى أن الشاباك أبلغ مراقب الدولة في تموز/ يوليو 2025 بأنه لم يبدأ بعد الاستعداد للانتخابات المقبلة، ولم يعلن إلا في كانون الثاني/ يناير 2026 أنه بدأ "نشاطًا مركزًا" بهذا الشأن.
وفي الشهر نفسه، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية والشاباك تشكيل فريق خاص لمواجهة تهديدات الذكاء الاصطناعي والتأثيرات الخارجية، في ظل تقادم قانون الدعاية الانتخابية من عام 1959 وعدم ملاءمته لعصر الذكاء الاصطناعي.
وقال أنغلمان إن "فترة المعركة الانتخابية حساسة بصورة خاصة وتشكل أرضية خصبة لنشاط خبيث من جانب لاعبين أجانب"، محذرًا من إمكان الوصول إلى "خشية من إمالة نتائج الانتخابات وتقويض ثقة الجمهور بنتائجها".
"إزالة المضامين لا تكفي"
وبحسب التقرير، فإن النشاط الحكومي الجاري في هذا المجال يتركز أساسًا في طلبات إزالة مضامين من الإنترنت. وأظهرت معطيات وزارة القضاء أن عدد طلبات إزالة المضامين التي قدمتها أجهزة أمنية ووزارات إلى قسم السايبر في النيابة ارتفع من 8,600 طلب في عام 2021 إلى أكثر من 106 آلاف طلب في عام 2024، أي بمعدل يزيد بنحو 12 ضعفًا.
لكن التقرير أوضح أن 15% إلى 25% من هذه الطلبات لم تتلق ردًا، وأن المنصات الرقمية غير ملزمة بالاستجابة، لأن المسار طوعي. وأضاف أنه "في غياب معطيات مفصلة تتعلق بطلبات الإزالة في مجال التأثير الأجنبي، لا يمكن معرفة مدى استجابة المنصات لإزالة مضامين في هذا المجال".
كما أشار التقرير إلى أن معظم شبكات التأثير التي كُشفت في إسرائيل خلال السنوات الأخيرة رصدتها منظمات مجتمع مدني وجهات بحثية، وليس أجهزة حكومية. وذكر أن الشاباك يستفيد من عمل هذه الجهات، لكنه لا يتيح لها أو للجمهور قناة رسمية للإبلاغ عن شبهات لعمليات تأثير أجنبي، وأوصى بفحص إنشاء قناة كهذه.
توصيات وتحذير قبل الانتخابات
وأوصى أنغلمان بأن يعرض مجلس الأمن القومي على رئيس الحكومة مسارًا يشكل أساسًا لقرار حكومي بشأن إقامة جسم مركزي مخصص وممول لمعالجة الملف، وأن تجعل وزارة التعليم دراسة التضليل الإعلامي مادة إلزامية في جميع التيارات التعليمية، وأن يبدأ قسم السايبر في النيابة بتصنيف معطيات طلبات إزالة المضامين وفق مجالاتها.
وكتب أنغلمان أن نتائج التقرير "تُلزم أولًا وقبل كل شيء بإصلاحها في ظل التحدي الدولتي الفوري القائم أمامنا هذا العام، وهو انتخابات في مجتمع ديمقراطي"، وأضاف: "أطلب رفع راية تحذير. إبقاء الفجوات في مجال التأثير الأجنبي في الفضاء الرقمي من دون رد يترك الجمهور الإسرائيلي مكشوفًا، ويتطلب عملًا قوميًا حازمًا".
ونُشر التقرير بصورة جزئية فقط، بعدما قررت لجنة فرعية تابعة للجنة مراقبة الدولة في الكنيست عدم وضعه كاملًا على طاولة الكنيست، بذريعة اعتبارات أمن الدولة. ولم تصدر هيئة السايبر ومجلس الأمن القومي، التابعان لمكتب رئيس الحكومة، ردًا على ما ورد فيه.
وقالت لجنة الانتخابات المركزية، في ردها، إنها أقامت "فريق عمل مخصصًا" يعمل منذ عدة أشهر لدفع الاستعداد لتهديدات التأثير الأجنبي والتضليل، ضمن صلاحياتها المتعلقة بحماية نزاهة الانتخابات وسلامة العملية الانتخابية. وأضافت أن المسؤولية عن معالجة التأثير الأجنبي تقع على أجهزة الأمن، لكنها تدرس مسارًا لتلقي معلومات من جهات مدنية متخصصة، مع الحفاظ على حرية التعبير والدعاية الانتخابية.