نتنياهو وسكرة القوة

نتنياهو وسكرة القوة
نتنياهو في الكنيست، أمس (رويترز)

يظهر رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، دائما بصورة الزعيم الذي لا يرى غير نفسه، ولا يسمع كلام آخرين من خصومه في الساحة السياسية، كما أنه يظهر كمتعجرف استعلائي تجاه الفلسطينيين والعرب عموما، وفي هذا السياق يكذب الكذبة ويصدقها ويسعى إلى إقناع الآخرين بها.

مستخدما هذه الصفات، ألقى نتنياهو خطابه في جلسة افتتاح الدورة الشتوية للكنيست، أمس الاثنين. واعتبر أنه 'في هذه السنوات تحديدا، فيما الشرق الأوسط ينهار كله من حولنا، جعلنا إسرائيل دولة عظمى. ليس دولة عظمى عليا، ولكن دفعنا مكانتنا قدما بشكل كبير كقوة عالمية في مجالات كثيرة جدا. ومفتاح الأمن والازدهار واحد، وهو قوتنا. والقوة هي الأمل والأمل نابع من القوة'.

وتابع نتنياهو أن 'لدي قناعة عميقة بأنه في الشرق الأوسط العاصف وغير المستقر، في هذا الكون، وفي هذا الواقع، ثمة سياسة واحدة فقط تضمن المستقبل والسلام والأمل، وهي إسرائيل قوية... لا بقاء للضعيف في منطقتنا، والبقاء للقوي فقط. ومع القوي يصنعون التحالفات ومع القوي يصنعون السلام، وإن استغرق ذلك وقتا. مع القوي فقط وليس مع الضعيف. ويفهم الكثيرون هذا التغيير في مكانة إسرائيل'.

بأقواله هذه يجافي نتنياهو الحقيقة والواقع. صحيح أن إسرائيل هي دولة قوية عسكريا وأمنيا، ولا أحد ينفي ذلك. لكن ليس بفضل نتنياهو ولا بفضل سياسته. وقوة إسرائيل العسكرية موجودة قبل وصول نتنياهو إلى الحكم، في العام 1996. لكن قوة إسرائيل تراجعت منذ عودة نتنياهو إلى الحكم في العام 2009، وحتى قبل ذلك بسنوات، وذلك بسبب تغيرات في المنطقة. وتراجعت بشكل كبير بعد العام 2011 بسبب التحولات الهائلة والعاصفة التي ضربت الشرق الأوسط. ولا يمكن ألا تتأثر إسرائيل بالتحولات والعواصف من حولها.

قيادة الجيش والباحثون في الشؤون الأمنية والعسكرية يؤكدون على أن ما يصفونه ب'التحديات' الماثلة أمام إسرائيل، مثيرة للقلق في الحاضر والمستقبل المنظور على الأقل. ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي، غادي آيزنكوت، يؤكد أن الردع الإسرائيلي لم يعد قائما. إذ أنه لا توجد دول عربية تهدد إسرائيل، وإنما هناك جهات غير دولتية، ميليشيات وفصائل مسلحة، تضع تحديات كبيرة أمام أمن إسرائيل. ولذلك فإن الجيش الإسرائيلي يجري تدريبات بشكل دائم استعدادا لحروب قادمة. وهنا بالإمكان القول، إنه خلافا لإسرائيل، لا توجد دول كثيرة في العالم التي تتوقع أنها مهددة طوال الوقت وأن الحرب المقبل على الأبواب.    

تحدث نتنياهو أمس عن القوة، لكن في اليوم نفسه أصيب أربعة جنود إسرائيليين بإطلاق نار، ثلاثة في الضفة الغربية وواحد عند الحدود الشمالية، جراء إطلاق النار عليهم من مسلح عربي. وهذه ليست أحداثا نادرة، وإنما تتكرر طوال الوقت. إسرائيل خائفة، بل ومرعوبة، من احتمال أسر أحد جنودها أو مواطنيها.

لذلك فإن القوة التي يتفاخر بها نتنياهو 'محدودة الضمان' إن صح التعبير. دول عظمى انهارت رغم أن الشمس لم تكن تغيب عن مستعمراتها. ومشكلة نتنياهو الحقيقية هي فقدان الأخلاق والقيم الإنسانية. إنه يتفاخر بقوة تقتل المدنيين. إنه يتفاخر بقوة الجندي القاتل، إليئور أزاريا، الذي أعدم شابا فلسطينيا جريحا ولا يقوى على الحركة.   

لكن نتنياهو لن يتراجع عن مواقفه اليمينية المتطرفة والعدوانية، بل يواصل رسم معالم طريقه في المستقبل. ولأنه يرفض قيام دولة فلسطينية بين النهر والبحر، يروج نتنياهو باستمرار في الآونة الأخيرة لفكرة تتعارض مع مفاهيم العالم، الذي يدعو إلى حل الدولتين كأساس للسلام بين إسرائيل والفلسطينيين ومن ثم بين إسرائيل والعرب. هكذا يأمل العالم على الأقل.

وأوضح نتنياهو فكرته في هذا السياق، أمس، قائلا إن 'شيئا كبيرا يحصل. يوجد كثيرون في العالم العربي الذين تعلموا التعامل باحترام وتقدير مع دولة إسرائيل. لماذا هذا يحدث؟ هل لأننا تراجعنا؟ عل لأننا انسحبنا إلى حطوط 1967؟ هل لأننا قسمنا القدس؟  لم يحدث هذا لهذه الأسباب. يحدث هذا لأننا أقوياء والعالم العربي يخوض صراعا تاريخيا من أجل مستقبله واستمرار توجهه'. أي أن نتنياهو يرى أن العالم العربي بات يحترم إسرائيل ويقدرها لأنها ما زالت دولة احتلال وتقيم المستوطنات وترفض السلام وتعتدي على المسجد الأقصى.

اقرأ/ي أيضًا | نتنياهو يجدد اعتداده بالقوة العسكرية والاستيطان ورفض الانسحاب

صحيح أن نتنياهو ليس غبيا، لكنه مصاب بنشوة القوة، وليس قوة السلاح فقط. إذ يعتبر كثيرون في إسرائيل أن نتنياهو يخدم مصالح معينة، بعضها داخلي وبعضها خارجي، وأنه إلى جانب عقيدته اليمينية المتطرفة، فإنه يحمل أيضا عقيدة اقتصادية نيو – ليبرالية متطرفة. وفي منتصف آب/أغسطس الماضي، اتهمه رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق، ايهود باراك، بأنه 'منصت أكثر مما ينبغي لجهات أجنبية، ولا أريد القول إنه تتحكم به جهات أجنبية تدعم بسخاء استمرار حكمه'، في إشارة إلى الثري الأميركي – اليهودي شيلدون أدلسون.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018