هوس نتنياهو بتطويع الإعلام

هوس نتنياهو بتطويع الإعلام
(رويترز)

ماذا يريد نتنياهو من وراء تمسكه بمنصب وزير الاتصالات؟ هل سينجح بتطويع قنوات التلفزيون بعدما طوع جزءا من مواقع الانترنت والصحف؟ ما هو تأثير 'يسرائيل هيوم'؟ هل سينجح حيث فشل بوتين، السيسي، إردوغان؟


كان لدى رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، قناعة راسخة، في يوم الانتخابات العامة، العام الماضي، بأن هناك مؤامرة عالمية، بتشجيع من الإدارة الأميركية، هدفها إسقاطه عن الحكم. وألقى نتنياهو باللائمة على وسائل الإعلام التي، برأيه، لا تتصدى لهذه المؤامرة الوهمية. وهو أراد بالأساس مهاجمة وسائل الإعلام، لأنها لا تؤيده بشكل كامل وأعمى.

لكن في الليلة التي أعقبت يوم الانتخابات، تبين أن نتنياهو الفائز الأكبر فيها، بعد أن تبين أن حزبه الليكود حصل على 30 مقعدا في الكنيست وبات أكبر حزب وأنه باق في الحكم. بعد ذلك، قرر نتنياهو أن يتولى بنفسه أمر وسائل الإعلام الإسرائيلية، ويهذبها، ويمنع نشر تقارير ضده، بواسطة استخدام كرابيجه المتنوعة، حسبما يكشف تقرير مطول ستنشره صحيفة 'هآرتس' غدا، الجمعة، وتستعرض السطور التالية المعلومات المركزية الواردة فيه.

اعتبر نتنياهو، لعد الانتخابات، أن عدوه الأول والأكبر والتهديد الداهم عليه هو ناشر صحيفة 'يديعوت أحرونوت'، نوني موزيس، الذي وضع كل 'مدفعيته الثقيلة' من أجل تغيير نتنياهو وإسقاطه عن الحكم. وكان العداء في حزب الليكود ضد موزيس بالغا، لدرجة أن هتاف الناشطين لدى معرفة نتائج الانتخابات أن موزيس فشل بتحقيق هدفه. وكان الاعتقاد السائد لدى نتنياهو أن لدى موزيس خزنة مليئة بملفات، بإمكان أي واحد منها أن يفضح وزير أو رجل أعمال، ولذلك بإمكان ناشر 'يديعوت' أن يجندهم ضد نتنياهو. وقال مقربون من نتنياهو إن لدى الأخير عقدة الارتياب من موزيس، ولذلك يصف نتنياهو 'يديعوت' بأنها 'إمبراطورية الشر'.

هذا العداء بين نتنياهو وموزيس تصاعد بشكل كبير جدا في أعقاب تأسيس الثري الأميركي، شيلدون أدلسون، صحيفة 'يسرائيل هيوم' من أجل دعم نتنياهو وسياسته. وسبب هذا العداء أن 'يسرائيل هيوم' هي صحيفة يومية توزع مجانا، وبكميات كبيرة، ولذلك أصبحت الأكثر انتشارا في إسرائيل. لكن نتنياهو يرى أن هذا الانتشار لا يعكس ولا يضاهي قوة التأثير الكامنة في 'يديعوت'.

نتنياهو رهينة بأيدي شلدون إدلسون

إدلسون (أ ف ب)

لكن نتنياهو، كما شهد بنفسه على نفسه، لا يمكنه التخلي عن 'يسرائيل هيوم' لأنه لا يمكنه التخلي عن أدلسون. ونقل عن نتنياهو أحد المقربين منه قوله 'هل تعتقدون أن بإمكاني أن أقول لهذا الرجل الأشقر (أي إدلسون) ماذا يفعل؟ إنه يدعم سياستي. وإذا غيّرتها فإن بإمكانه مثلا أن يدعم... بوغي مثلا' في إشارة إلى وزير الأمن في حينه، موشيه يعالون. وقال هذا المقرب إن الانطباع لديه بعد محادثات كثيرة جدا مع نتنياهو إن هذا الأخير هو 'رهينة بأيدي إدلسون'.

في مرحلة معينة اعتبر نتنياهو أنه عالج أمر الصحافة المكتوبة. ونقل عنه أحد معارفه قوله إنه 'عالجت أمر الصحافة المكتوبة عندما تأسست ’يسرائيل هيوم’. والآن حان وقت تغيير (قنوات) التلفزيون'.

يشار إلى أن نتنياهو يرفض بشدة تعيين وزير للاتصالات مكانه. وحتى أنه خلال المفاوضات بينه وبين رئيس 'المعسكر الصهيوني'، إسحق هرتسوغ، لانضمام الأخيرة إلى الحكومة، رفض نتنياهو طلب هرتسوغ بتعيين عضو الكنيست ايتان كابل وزيرا للاتصالات وإبقاء مقرب من نتنياهو مديرا عاما لهذه الوزارة. ويقول مقربون من رئيس الحكومة إن هوسا استحوذ على نتنياهو فيما يتعلق بوسائل الإعلام والسعي إلى تطويعها.

وفي إطار هذا الهوس، يعقد نتنياهو لقاءات ويجري محادثات كثيرة مع مدراء وسائل إعلام وناشرين وأصحاب قنوات تلفزيونية، وكثيرا ما تمتد هذه اللقاءات إلى ساعات الليل المتأخرة، وحتى أنها تكون أحيانا على حساب قضايا سياسية هامة.

ويشير التقرير فيما يتعلق بالقناة الثانية للتلفزيون الإسرائيلي، إلى أنه في أيام الجمعة، وقبيل نشرة الأخبار المسائية الطويلة والتي يشارك فيها محللو القناة، يجري نتنياهو اتصالات مع كافة المحللين من أجل تلقينهم بمعلومات وإقناعهم بعدم توجيه انتقادات له. ولا ينجح نتنياهو في ذلك دائما، لكن عندما يلتقي المحللون في المساء، قبيل النشرة الإخبارية، يعلمون جميعا أن نتنياهو اتصل بكل واحد منهم.

ويستنتج التقرير أن 'نتنياهو معني بوسائل إعلام مطيعة، لا تنشغل بتحقيقات الشرطة ضده أو بنوبات غضب زوجته على مستخدمين في المنزل الرسمي، وأن تقر وسائل الإعلام بعظمته'. ويصف نتنياهو وسائل الإعلام الإسرائيلية بأنه يسارية، لكن اما يزعجه هم أولئك الصحافيين الذين يعبرون عن مواقف يمينية أكثر تطرفا منه، ويسميهم 'بينتيين' نسبة إلى رئيس حزب 'البيت اليهودي'، نفتالي بينيت.

القناة العاشرة

ينظر نتنياهو إلى القناة التلفزيونية العاشرة على أنها عدو لدود، بل أنه سعى إلى إغلاق هذه القناة، في العام 2011، في أعقاب نشر المحلل السياسي فيها، رافيف دروكر، تقريرا كشف فيها عما بات يعرف لاحقا باسم 'قضية بيبيتورز'، وهي شبهات فساد التصقت بنتنياهو ومفادها أن رئيس الحكومة سافر هو وأفراد عائلته إلى خارج البلاد ونزلوا في أفخم الفنادق وكل ذلك بتمويل أثرياء في العالم لديهم مصالح تجارية في إسرائيل.

(أ ف ب)

ومارس نتنياهو ومقربون منه ضغوطا هائلة على القناة العاشرة من أجل منع نشر تحقيق دروكر. لكن عندما استدعى نتنياهو أحد صاحبي القناة، رجل الأعمال يوسي ميمان، اعتقد الأخير أن نتنياهو يريد التحدث معه حول صفقة تزويد إسرائيل بالغاز المصري، وكان ميمان ضالعا فيها، وكان من شأن استئناف تزويد الغاز المصري أن يحسن وضعه الاقتصادي. لكن ميمان فوجئ بأن نتنياهو يريد ممارسة ضغوط عليه من أجل منع نشر تحقيق دروكر.

كذلك حاول شريك ميمان، الملياردير رون لاودر، ممارسة ضغوط على إدارة القناة العاشرة من أجل منع نشر التحقيق الصحفي، لكنه لم ينجح بذلك، ما أدى إلى أن علاقة لاودر مع نتنياهو قد ساءت.

اقرأ/ي أيضًا | الإعلام الإسرائيلي: سقوط إمبراطوريات وصعود ممالك اليمين

في الأشهر المقبلة سيتبين ما إذا سينجح نتنياهو في تحقيق غايته وهي: وسائل إعلام لا تنتقد، وتنشر تقارير حول نجاحاته في العالم. وحلمه هو تفكيك هيئة البث العامة، وأن يدخل قناة منافسة للقناة الثانية بتمويل أحد المليارديرات من بين معارفه في العالم، وتحطيم الاستقلالية النسبية لإذاعة الجيش الإسرائيلي وتفتيت صحيفة 'هآرتس' وخاصة طبعتها باللغة الإنجليزية التي يرى أنها تضر بعلاقات إسرائيل الخارجية (واقترح في الماضي على إدلسون شراء هآرتس الإنجليزية). وهو يريد صحافة بلون 'يسرائيل هيوم' وموقع 'واللا' الالكتروني المقربين منه. 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018