بين "الخيار الأردني" و"الوطن البديل"

بين "الخيار الأردني" و"الوطن البديل"
عباس والملك عبد الله (أ.ب.)

تتعالى بين حين وآخر مقترحات وأفكار لحل الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، لكن جميعها تبدو أنها بمقاييس إسرائيلية. وأثار رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس (أبو مازن)، يوم الأحد الماضي، ضجة سياسية عندما قال خلال استقباله وفدا من حركة "سلام الآن" الإسرائيلية، إن وفد الإدارة الأميركية طرح أمامه فكرة الكونفدرالية الأردنية – الفلسطينية، وهي الفكرة المعروفة في إسرائيل بهذا الاسم وأيضا باسم "الخيار الأردني"، أي حل القضية الفلسطينية بالارتباط بين كيان فلسطيني، غير محددة طبيعته حتى اليوم، والأردن.

وقد طُرحت فكرة الكونفدرالية هذه عدة مرات في الماضي، من جانب جهات وشخصيات إسرائيلية بالأساس. وكانت تُطرح دائما بهدف تفادي قيام دولة فلسطينية مستقلة، وأيضا من خلال امتناع إسرائيل عن الانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وإبقاء سيطرتها على القدس، وقسم من الضفة الغربية تتسع مساحته كلما مرّت السنين. ورغم ذلك، فإنه ليس واضحا ما هو مطروح الآن.

وأوضح السفير الإسرائيلي الأسبق في الأردن والباحث الكبير في "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، الدكتور عوديد عيران، في مقالة نُشرت في موقع المعهد، يوم الأربعاء الماضي، أن الفدرالية هي نظام تنتظم فيه عدة وحدات جغرافية ليست دولتية في نظام واحد، تنشأ فيه صلاحيات مركزية في مجالات الاقتصاد والأمن والعلاقات الخارجية في أية سلطة فدرالية، كما هو الحال في الولايات المتحدة. أما الكونفدرالية، فهي نظام مؤلف من دولتين أو أكثر، تحافظ على استقلاليتها وسيادتها من خلال الاستعداد لإيداع قسم من رموزها بأيدي المؤسسات الكونفدرالية. لكن لا يوجد اليوم كيان يعلن عن نفسه أنه كونفدرالية. وأكد عيران أن فكرة "الخيار الأردني" طُرحت في أعقاب حرب حزيران/يونيو العام 1967 مباشرة.

"خطة ألون"

وبحسب مدير الكلية العسكرية على اسم يغئال ألون في تل حاي، أور باز عيفري، فإن يغئال ألون هو أول من طرح فكرة "الخيار الأردني"، التي عُرفت في حينه باسم "خطة ألون". وألون هو قائد ميليشيا "بلماح" الصهيونية قبل النكبة، ثم أصبح أحد أبرز ضباط الجيش الإسرائيلي، وتولى رئاسة الحكومة الإسرائيلية فعليا لمدة قصيرة جدا، وبعدها تولى منصب نائب رئيس الحكومة، في الأعوام 1966 – 1977، كما تولى منصب وزير الخارجية في الأعوام 1974 – 1977.

خريطة "خطة ألون": المناطق الخضراء ضمن سيادة الكونفدرالية

واعتبر ألون أن حدود إسرائيل إشكالية، بعد حرب العام 1948 ورغم أن إسرائيل احتلت مناطق يفترض أن تكون تحت سيادة الدولة الفلسطينية، وفق قرار التقسيم، وليس بالإمكان "الدفاع عنها" وتجعل إسرائيل في حالة "دونية عسكرية". لكن بعد حرب حزيران/ يونيو العام 1967، قال ألون إنه "الآن فقط، بعد عشرين عاما تقريبا على قيام الدولة وفيما جيشنا يقف عند نهر الأردن وقرب قناة السويس وعلى الهضبة السورية، يمكننا القول إن حرب التحرير (1948) انتهت"، بادعاء أن هذه حدود بالإمكان الدفاع عنها.

وأضاف عيفري، بمقال نشره في موقع "دافار ريشون" الالكتروني أول من أمس، الجمعة، أن ألون تطلع إلى ترجمة هذا الاحتلال من "انتصار عسكري" إلى "إنجاز سياسي"، في محاولة للتوصل إلى "اتفاقيات سلام بين إسرائيل وجيرانها"، وذلك من خلال إعادة ترسيم حدود إسرائيل ليس وفق اتفاقيات وقف إطلاق النار من العام 1949. ورأى ألون أن الضفة الغربية هي "جزء لا يتجزأ من المملكة الهاشمية"، بحسب عيفري، "واستند بذلك إلى حقيقة أن أغلبية السكان في الأردن هم فلسطينيون، وعلى خلفية مطالبة الملك حسين باستعادة السيطرة على هذه المنطقة".

وبحسب عيفري، فإنه "كان هناك توافق نادر بين إسرائيل والأردن بعدم إمكانية وجود دولة ثالثة بينهما، وبالتأكيد ليس دولة فلسطينية لا تعترف بحكم الهاشميين في الضفة الشرقية ولا بحكم إسرائيل في الضفة الغربية وفي أرض إسرائيل عموما. وقد اتخذ المجلس الوطني الفلسطيني قرارا بهذه الروح في آذار/مارس العام 1971". يشار إلى أن المجلس الوطني الفلسطيني قرر في دورته هذه المنعقدة في القاهرة: "تحرير الوطن الفلسطيني، والهدف المرحل هو حماية الثورة من أعدائها، وأن الكفاح المسلح هو الشكل الرئيسي للنضال من أجل تحرير فلسطين، وأن الحل الوحيد للقضية الفلسطينية هو تحرير التراب الفلسطيني كاملا بقوة الكفاح المسلح، وأن دولة المستقبل في فلسطين المحررة هي الدولة الفلسطينية الديمقراطية".

وقال ألون حينها "إنني أرى بحكم ذاتي مؤيد للهاشميين مخرجا استثنائيا من الوضع الشائك، من خلال اتفاق مرحلي يمكن أن يستمر لسنوات". وأوضح عيفري أن "هذه المصلحة المشتركة شكلت أساسا لعلاقة متشعبة بين الدولتين طوال السنوات التي تلت العام 1967، وهي علاقة انتشرت بالأساس بعد مجيء الملك حسين بشكل دراماتيكي إلى إسرائيل لعقد لقاء تحذيري مع رئيسة الحكومة، غولدا مئير، قبل أيام معدودة من نشوب حرب يوم الغفران (تشرين أول/أكتوبر العام 1973)، ولكنه تمحور بالأساس حول القضية الفلسطينية ومستقبل يهودا والسامرة (أي الضفة الغربية)".

واستندت "خطة ألون" إلى أربعة أسس. "المبدأ الأساسي هو استغلال نتائج حرب الأيام الستة (1967) من أجل تحقيق سلام عادل ودائم. حل عادل لا يمكنه ألا يكون حلا مبنيا على تسوية مقبولة. والأسس الأربعة هي: الحقوق التاريخية لشعب إسرائيل في أرض إسرائيل؛ احتياجات أمنية؛ الصبغة اليهودية والنظام الديمقراطي للدولة؛ واقعية سياسية".

وخريطة إسرائيل التي وضعها ألون استعرضت حدودا شرقية تستند إلى وجود مستوطنات في غور الأردن وجنوب جبل الخليل، وفي مناطق بالضفة لا توجد فيها كثافة سكانية فلسطينية ولها أهمية جيو إستراتيجية. وكتب عيفري أنه "بموجب ألون، باقي المنطقة وسكانها ستعود إلى السيادة الأردنية، في إطار اتفاق سلام".

اتفاق بيرس – الملك حسين

كذلك كتب عيران أنه منذ أن انتهت حرب حزيران/يونيو، "بدأت جهات مختلفة في إسرائيل والأردن ببحث مسألة كيفية إعادة الحكم الأردني إلى المنطقة التي احتلتها إسرائيل (الضفة الغربية)، باستثناء القدس. وفي المحادثات السرية التي أجراها الملك حسين مع المبعوثين الرسميين الإسرائيليين بعد الحرب، جرى بحث إمكانيات العودة التدريجية للمناطق، مثل منطقة أريحا، إلى حكم الأردن. وأحداث ’أيلول الأسود’، في العام 1970، إصرار حكومة إسرائيل على اتخاذ قرار بشأن انسحاب جزئي من المناطق التي احتلت في العام 1967 في شبه جزيرة سيناء والضفة الغربية، ولاحقا حرب يوم الغفران في العام 1973، أنهت هذا الفصل من الاتصالات بين الأردن وإسرائيل من دون أي تغيير في الوضع".

القدس المحتلة ليست ضمن الكونفدرالية (أ.ف.ب.)

وأضاف عيران أن صعود حزب الليكود، بزعامة مناحيم بيغن، إلى الحكم في إسرائيل شكل "موت إمكانية أن يلعب الأردن في المستقبل دورا في إدارة هذه المناطق". لكن حزب "المعراخ" (العمل حاليا) عاد إلى محاولة دفع "الخيار الأردني"، في إطار حكومة الوحدة الإسرائيلية، التي تشكلت من حزبي المعراخ والليكود، في الأعوام 1984 – 1988. في النصف الأول لهذه الولاية تولى شمعون بيرس رئاسة الحكومة، وفي النصف الثاني تولى المنصب يتسحاق شمير، فيما الآخر كان وزيرا للخارجية. وأجرى بيرس، كوزير خارجية، محادثات سرية مع الملك حسين حول "الخيار الأردني. لكن رئيس الحكومة شمير رفض التفاهمات التي جرى التوصل إليها في هذه المحادثات، في العام 1987. بعد ذلك، أعلن الملك حسين، في العام 1988، عن فك ارتباط بين الأردن والضفة الغربية".

لكن "الخيار الأردني" عاد إلى الحياة في إسرائيل بعد توقيع اتفاقيات أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. وأيد معارضون ومؤيدون للانسحاب من الضفة الغربية "الخيار الأردني". وكتب عيران أن "الليبراليين بين مؤيدي الحفاظ على يهودا والسامرة، رأوا بالأردن، التي توجد فيه أغلبية سكانية من أصول فلسطينية، بديلا لدولة فلسطينية مستقلة في مناطق يهودا والسامرة. ومن خلال الإدراك أن السكان في هذه المناطق لن يهاجروا طواعية، ورغبة بالامتناع عن نشوء سكان يفتقرون لحقوق سياسية كاملة تحت حكم إسرائيل، أطلقت هذه الأوسط فكرة، بموجبها يكون بإمكان السكان الفلسطينيين في يهودا والسامرة التصويت في الانتخابات في الأردن والترشح فيها".

وأضاف عيران أن "الفشل بالتوصل إلى حل كامل ومتفق حول المستقبل السياسي ليهودا والسامرة في مفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين دفع مؤيدي انفصال إسرائيل عن هذه المناطق إلى البحث عن بدائل. وهؤلاء الإسرائيليون وغيرهم، أمِلوا أن يوفر الأردن بديلا لدولة فلسطينية أو أن يشكل الدولة التي تتوقف فيها مطالب الفلسطينيين في يهودا والسامرة".

"نقل صلاحيات الحكم للبرلمان الأردني"

بعض الجهات السياسية في إسرائيل لا تخفي، وآخرون يخفون، أجندتهم الرافضة للتوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين، وعدم إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وفي المقابل يراهنون على "الوطن البديل"، أي أن الأردن هو الدولة الفلسطينية. وكتب عيران أن "التخوف من زيادة نسبة الفلسطينيين في الأردن، وإمكانية تعالي مطالب للحصول على تعبير سياسي – دستوري لهذه الأغلبية، تقض مضجع الملوك الهاشميين للأردن".

وألمح عيران إلى أنه ربما تقف إسرائيل وراء الاقتراح الأميركي الأخير على عباس بشأن الكونفدرالية الأردنية – الفلسطينية. "ليس بالإمكان من التقرير (حول تصريحات عباس) أن نفهم ما إذا درس الفلسطينيون إمكانية أن فكرة الكونفدرالية ’غُرست’ لدى أفراد الطاقم الأميركي بأيدي الجانب الإسرائيلي، رغبة بالالتفاف على مسألة السيادة".

من جانبه، اعتبر عيفري أن "عداء الملك حسين للفلسطينيين استبدل بتعامل أكثر اعتدالا لدى نجله الملك عبد الله، فيما ولي العهد الأمير حسين نفسه هو حفيد للاجئين فلسطينيين من طولكرم، الأمر الذي من شأنه أن يقربه أكثر من موقف المسؤولية في هذا الموضوع. وإلى جانب التهديدات على العرش الهاشمي، فإن البديل بانتقال الحكم تدريجيا على مدار جيل من الملك إلى البرلمان، الذي يأوي أغلبية تمثل السكان الفلسطينيين، وسيتعزز ذلك في حال انضمام سكان يهودا والسامرة، هو ليس أمرا غير منطقي. وفي واقع تحتفظ فيه العائلة المالكة بكافة التشريفات ولكنها تسلم صلاحيات الحكم شيئا فشيئا للبرلمان هو واقع ليس خياليا".

وخلص عيفري إلى الادعاء أنه "عدا اعتبارات الملوك الهاشميين، فإن الأمر الأساسي في هذه الخطوة، بنظر يغئال ألون، هو أن من شأنها أن تدفع واقعا عادلا بالنسبة لأغلبية الفلسطينيين في كلا جانبي نهر الأردن. وذلك لأنها تشكل ثغرة لدفع تطبيق حقهم في تقرير المصير في إطار دولة وطنية ديمقراطية، حتى لو ترأسها في المستقبل بصورة رمزية ملك هاشمي".

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018