INSS: إسرائيل فشلت بتحييد تأثير حماس على الضفة

INSS: إسرائيل فشلت بتحييد تأثير حماس على الضفة
مؤيدون لحماس يتظاهرون قبالة قوات الأمن الفلسطينية بالخليل، آب/أغسطس 2014 (أرشيف - أ.ف.ب.)

عاد كبار الباحثين في "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب إلى تكرار رؤيتهم لإدارة الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، خاصة في الضفة الغربية على ضوء التصعيد الأمني، الأسبوع الماضي. وبالإمكان وصف رؤية المعهد، الذي يُعتبر الأهم في إسرائيل كونه متخصصا في الأمن القومي، بأنها رؤية ملتوية وتحاول الالتفاف على الحل المطروح دوليا للصراع، أي حل الدولتين، والذي يقبله الفلسطينيون شريطة أن تشمل الدولة الفلسطينية كلا من الضفة وقطاع غزة والقدس الشرقية. وهي رؤية ملتوية أيضا كونها تتملق موقف اليمين الإسرائيلي الحاكم على ضوء رفضه المطلق لقيام دولة فلسطينية في فلسطين التاريخية.  

وقالت دراسة صادرة عن المعهد يوم، الثلاثاء، وأعدها القائم بأعمال رئيس المعهد أودي ديكل والدكتور كوبي ميخائيل وهو باحث كبير في المعهد، إنه حتى لو نجح الجيش الإسرائيلي في قمع "تفجر الإرهاب" في الضفة الغربية، فإن الأحداث الأخيرة تشكل "أضواء حمراء" للحكومة الإسرائيلية بشأن "الحاجة إلى تغيير النموذج القائم الذي يغيب عنه العمل السياسي ويُسمى ’ستاتيكو’ (الوضع القائم)، الذي على ما يبدو استنفذ نفسه"، وأنه ثمة حاجة إلى "نموذج معدّل".

واعتبر الباحثان أنه بطرحهما "النموذج المعدّل"، فإنهما يطرحان "خريطة طريق إستراتيجية" ينبغي أن تستند إلى أربعة أرجل: "الحفاظ على حرية العمل الأمني (الإسرائيلي) في المنطقة كلها، من خلال تقليص ملموس لاحتمال الاحتكاك مع السكان الفلسطينيين؛ استمرار التعاون (التنسيق) الأمني مع أجهزة الأمن الفلسطينية والمساعدة على تحسين قدرة السلطة الفلسطينية على الحكم؛ طرح أفق سياسي، (من خلال) الاستعداد للدخول إلى مفاوضات مع السلطة الفلسطينية حول تسويات مرحلية والبدء في قضايا قابلة للحل وتطبيق فوري لتفاهمات؛ مساعدة إسرائيلية لجهود دولية وإقليمية لإعادة إعمار قطاع غزة، شريطة أن يُنفذ من خلال السلطة الفلسطينية مع استئناف سيطرتها في القطاع".    

ومقابل مئات الشهداء الفلسطينيين الذين سقطوا خلال العام الحالي، فإن ما دفع الباحثان إلى الدعوة إلى اتباع "نموذج معدّل" هو أنه في أعقاب العمليات التي وقعت في الضفة مؤخرا، ارتفع عدد القتلى الإسرائيليين، بين جنود ومستوطنين، إلى 13 قتيلا هذا العام.

واعتبر الباحثان أن "هذه العمليات تعكس سلم أفضليات حماس في الفترة الراهنة: تنفيذ عمليات في الضفة الغربية والحفاظ على تهدئة في القطاع. وصرّح قائد حماس في قطاع غزة، يحيى السنوار، في أعقاب بلورة التفاهمات حول وقف إطلاق النار في القطاع، في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، أن هذه التفاهمات لا تسري على الضفة".

وأضافا أن "نجاح حماس في تنفيذ العمليات في منطقة رام الله، المركز والرمز السلطوي للسلطة الفلسطينية، بهدف التسبب بإطلاق عملية عسكرية لقوات الجيش الإسرائيلي قرب مراكز الحكم، تهدف إلى إذلال السلطة الفلسطينية وتقويض مكانتها، وهذه غاية مهمة بالنسبة لحماس في إطار مجهودها للسيطرة على الضفة الغربية". ويُذكر أن قوات الاحتلال فرضت طوقا على رام الله، الأسبوع الماضي، ونفذت عمليات عسكرية فيها، واستباحت قوات الاحتلال المدينة.  

وبحسب هذه الدراسة، فإن الأحداث الأخيرة في الضفة وضعت إسرائيل أمام امتحان "إدارة صراع في جبهتين مختلفتين في الحلبة الفلسطينية"، وذلك لأول مرة منذ "انتفاضة السكاكين" التي اندلعت في تشرين الأول/أكتوبر 2015.

"تقديس" إسرائيل للتهدئة بدون فعل سياسي

رأى الباحثان أن هذه الأحداث واحتمال التصعيد الكامن فيها "تلقي ظلا حقيقيا على فاعلية ’تقديس’ التهدئة الأمنية من دون فعل سياسي، والاستناد إلى ’ستاتيكو’ متخيّل، يجري تحت رعايته دفع توسيع المستوطنات، وشرعنة الشروط القانونية لضم مناطق في الضفة الغربية وسد خيار دفع تسوية الدولتين. وفي الوقت نفسه يتسارع ضعف المؤسسة السلطوية للسلطة الفلسطينية، لدرجة خطر تفككها".

وانتقد الباحثان سياسة رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، بخصوص ترسيخ الانقسام الفلسطيني والفصل بين الضفة والقطاع، وقالا إن هذه السياسة إلى جانب "التقدير بوجود قدرة على تحييد تأثير حماس على الضفة الغربية، لم تنجح في امتحان أحداث الأسبوع الماضي".   

ولفت الباحثان إلى أن "الفكرة الإستراتيجية التي توجه سياسة إسرائيل تعتبر أنه بالإمكان تحقيق تهدئة في الضفة الغربية بواسطة تحسين نسيج حياة السكان الفلسطينيين وتسهيل تنقلهم. والاستقرار النسبي هناك لفترة ما عزز هذا الاعتقاد". لكنهما شددا في المقابل على أنه "في قطاع غزة، وخاصة في أعقاب جولة المواجهة الأخيرة بين إسرائيل وحماس، جرى تسجيل تراجع في الردع الإسرائيلي، بعد أن اعتبرت إسرائيل كمن استسلمت لابتزاز حماس من أجل التوصل إلى تهدئة أمنية ملائمة تسمح بتسهيلات في المستوى الإنساني وتزويد احتياجات حياتية في القطاع، بما في ذلك بواسطة مال قطري".

إلا أنه خلافا لهذه السياسة الإسرائيلية، أكد الباحثان على أنه "ليس بالإمكان إلغاء العلاقة بين الضفة والقطاع. والتسهيلات التي مُنحت للقطاع عبرت عمليا عن تقبل (إسرائيل) حكم حماس في المنطقة، من خلال إجراء مفاوضات معها، وإن كانت غير مباشرة. وذلك، إلى جانب استمرار الطريق السياسي المسدود مقابل السلطة الفلسطينية، الذي يضعفها ويؤدي إلى تآكل مكانتها وشرعيتها الجماهيرية، التي تخضع أصلا لانتقادات جماهيرية واسعة".    

واقع الدولة الواحدة

رأى الباحثان أنه لا يمكن تنفيذ إعادة إعمار قطاع غزة طالما أن الانقسام الفلسطيني قائم، وأن "أحداث الأشهر الأخيرة تثبت أنه ليس بالإمكان تحريك عملية دولية واسعة وهامة كإعادة إعمار قطاع غزة من دون ضلوع السلطة الفلسطينية". وأضافا أن السؤال الأهم هو "هل ستقبل إسرائيل بتآكل الردع مقابل حماس، بينما ’تتمتع’ الحركة من ثمار التهدئة في القطاع، وفي المقابل تبادر إلى عمليات إرهابية في الضفة الغربية... وبالتفاهمات مع حماس، التي تبلورت في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، أشارت إسرائيل إلى أنها تفضل ’إغلاق عينيها’ تجاه الجهة التي تمارس القوة ضدها".

وتطرق الباحثان إلى العلاقة، بالنسبة لإسرائيل، بين الجبهتين الفلسطينية والشمالية. "بموجب تعريف الحكومة الإسرائيل، فإن الجبهة الشمالية هي الأساسية بالنسبة لجهاز الأمن، بينما الجبهة الفلسطينية ثانوية، ولذلك تفرض إسرائيل على نفسها قيودا في ممارسة القوة في هذه الجبهة. وإيران وحزب الله، من جانبهما، تحث الجهات الإرهابية في الجبهة الفلسطينية إلى تصعيد الأحداث ضد إسرائيل، باعتبار أن تقويض الاستقرار في هذه الجبهة يصعّب على إسرائيل العمل في الجبهة الشمالية. وتسهم إيران في تعزيز قاعدة حماس العسكرية بالمال والخبرات، كما تساعد صلاح العاروري، قائد حماس الذي يفعّل خلايا حماس في الضفة من تركيا ولبنان"، بحسب الباحثين.

وحذر الباحثان من أن "الفراغ السياسي يسمح لقادة المستوطنين بممارسة ضغوط على الحكومة من أجل تنفيذ خطوات، مسرّعة للضم، وتمس بنسيج حياة معقول للسكان الفلسطينيين في المنطقة وبنوعية التنسيق مع أجهزة الأمن في السلطة الفلسطينية". وأشار إلى أن "إسهام الأجهزة في الاستقرار النسبي لفترة طويلة ليس محل شك وحتى أنه ثبتت نجاعتها الفائقة في الأيام الأخيرة، عندما قمعت مظاهرات تأييد عنيفة لحماس جرت في مدن الضفة".

وخلص الباحثان إلى أنه "بنظرة إستراتيجية، ليس من الصواب التمسك بسياسة رد الفعل وتفضيلها على المبادرة لبلورة واقع مستقر أكثر بالنسبة لإسرائيل. وثمة أهمية لفهم أنه حتى في ظل غياب إعلان إسرائيلي رسمي بشأن تفضيل حل الدولة الواحدة وبغياب خطوات حقيقية لضم مناطق في الضفة الغربية، فإن الواقع المتبلور هو واقع الدولة الواحدة".