دراسة إسرائيلية: تزامن الأزمة الاقتصادية و"صفقة القرن" سيفجر الضفة

دراسة إسرائيلية: تزامن الأزمة الاقتصادية و"صفقة القرن" سيفجر الضفة
رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، يرأس اجتماع الحكومة، أمس (أ.ب.)

في الوقت الذي تواصل فيه الحكومات الإسرائيلية الأخيرة، برئاسة بنيامين نتنياهو، تعنتها برفض التقدم نحو حل الصراع مع الفلسطينيين، والاستمرار في فرض وقائع على الأرض تمنع قيام دولة فلسطينية، تتعالى في الآونة الأخيرة، من جانب أجهزة الأمن ومراكز أبحاث ومحللين في وسائل الإعلام في إسرائيل، تحذيرات من عواقب هذه السياسة واحتمال تفكك السلطة الفلسطينية، على خلفية تدهور الوضع الاقتصادي لديها.

ولفتت المراسلة السياسية لصحيفة "هآرتس"، نوعا لانداو، في مقال اليوم، الثلاثاء، إلى أنه "منذ أن التزمت إسرائيل في الملاحق الاقتصادية لاتفاقيات أوسلو، بأن تجبي وتحوّل للسلطة الفلسطينية أموال الضرائب التي يسددها سكانها، تقوم بتجميدها أو تقليصها دون توقف، بصورة أحادية الجانب، كخطوة عقابية. ويتغير تعريف خطايا رام الله باستمرار، ويكون التسويغ دعم الإرهاب مرة، بينما يكون التسويغ معاكسا في مرات أخرى، مثل الاحتجاج على التوجه إلى الحلبة الدولية عبر قنوات دبلوماسية، لكن العقوبات تبقى متشابهة دائما".

وأضافت لانداو أنه على الرغم من أن قيادة السلطة الفلسطينية تحذر مرة تلو الأخرى من انهيار السلطة ويهددون بإلغاء الاتفاقيات مع إسرائيل، إلا أن الخطاب الإسرائيلي يستخف بهذه التحذيرات والتهديدات، "ويستند غالبا إلى أن اعتبار أن أموال الفلسطينيين يمكن أن يكون ’رهينة’، وتحويلها إلى أصحابها منوط بـ’السلوك الحسن’".  

من جانبه، أشار المسؤول السابق في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، والرئيس الحالي لقسم الدراسات الفلسطينية في مركز موشيه ديان في جامعة تل أبيب، ميخائيل ميلشطاين، في دراسة نشرها "معهد أبحاث الأمن القومي" في الجامعة نفسها، أن "المفهوم الإستراتيجي الإسرائيلي للحفاظ على الاستقرار والتهدئة الأمنية في مناطق الضفة الغربية يستند، منذ أكثر من عقد، إلى تحسين دائم للوضع الاقتصادي ونسيج حياة السكان الفلسطينيين، إلى جانب تعاون أمني وثيق مع السلطة الفلسطينية. ويرى الكثيرون في إسرائيل أن هذا التوجه هو وسيلة لتطبيق ’سلام اقتصادي’، بمعنى ضمان استقرار أمني حتى من دون مفاوضات أو اتفاقيات سياسية، ومن خلال العزل بين الحكومة الفلسطينية وبين معظم الجمهور في المنطقة".  

وأضاف ميلشطاين أن "جهات إسرائيلية مختلفة تحذر، منذ قرابة عقد، من تغيير إستراتيجي سلبي يتوقع حدوثه في الحلبة الفلسطينية عامة وفي الضفة الغربية خاصة. وفي مركز هذا التحذير توجد سيناريوهات رعب حول انتفاضة ثالثة، موجات إرهابية وتفكك السلطة الفلسطينية. والادعاء المركزي الذي يستند إليه هذا التحذير هو أن الجمود السياسي على مدار سنين طويلة وابتعاد الفلسطينيين المتواصل عن غاية الدولة المستقلة من شأنه التشجيع على التنازل عن مشروع الحكم الذاتي، والأخطر من ذلك العودة إلى طريق النضال العنيف".  

احتجاج على الوضع الاقتصادي المتردي (أرشيف)

ورغم أنه كانت هناك فرص سانحة لحدوث تطورات كهذه في الحلبة الفلسطينية، في السنوات الماضية، إلا أنها لم تتحقق. وأشار ميلشطاين إلى أن "الهدوء النسبي في الضفة الغربية ليس دليلا على تبدد الهوية والتطلعات القومية للفلسطينيين، وإنما يشكل انعكاسا لصياغة جديدة للغايات الجماعية وملاءمة للتغيرات في البعد الجيو إستراتيجي، والتحولات الحاصلة في صورة المجتمع الفلسطيني".

وعزا ميلشطاين "الهدوء النسبي" في الضفة إلى خمسة "أسس مندمجة ببعضها": "ذاكرة جماعية صادمة لدى غالبية الجمهور الفلسطيني من سنوات المواجهة مع إسرائيل، منذ العام 2000، والارتداع من احتمال استئنافها؛ وضع الفلسطينيين أفضل نسبيا من الوضع في العالم العربي؛ نسيج حياة مستقر نسبيا، ويبرز ثمن الخسارة الكامن بالتوجه إلى مواجهة؛ صعود جيل جديد يولي أهمية للتقدم الشخصي ومستقبل مهني شخصي، ويظهر اغترابا تجاه القيادة الوطنية وتعبا من الشعارات الأيديولوجية التي حركت الحلبة الفلسطينية في الماضي؛ سعي قيادة السلطة الفلسطينية إلى منع تدهور ميداني للحفاظ على مكانتها السياسية وتحسبا من تكرار سابقة سيطرة حماس على قطاع غزة في الضفة الغربية".

إسرائيل أمام خيارين: سيئ وأسوأ

لكن ميلشطاين حذر من أن "معادلة الاستقرار في الضفة الغربية تقف أمام تحد بالغ، في الأشهر الأخيرة، ويتمثل بأزمة اقتصادية آخذة بالاستفحال". واعتبر أن "السبب الرئيسي لنشوئها هو قرار السلطة الفلسطينية بالتوقف عن تلقي أموال الضرائب، التي تشكل نصف ميزانيتها – 9 مليارات شيكل من أصل 18 مليار شيكل في العام 2018، وذلك كتحدٍ لقرار إسرائيل بتقليص من أموال الضرائب المبلغ الذي يمنحه الفلسطينيون لعائلات الأسرى".

وأضاف ميلشطاين أن "الأزمة الاقتصادية المتصاعدة تبرر في الوقت الراهن التحذير من تغيير إستراتيجي محتمل في الجانب الفلسطيني. واستمرار الأزمة لفترة طويلة، وبحال استفحالها أكثر، من شأنه أن يؤدي إلى تطور تهديدات بالنسبة لإسرائيل: اتساع دائرة الفلسطينيين الضالعين في خطوات عنيفة وخاصة أعمال شغب وعمليات؛ صعوبات لدى السلطة الفلسطينية في تأدية مهامها في المستوى المدني، الذي سيحدث فراغات ستضطر إسرائيل إلى إشغالها؛ حماس ’ترفع رأسها’ مقابل القيود على السلطة الفلسطينية؛ المس بالتنسيق الأمني، جراء تضرر رجال أمن اقتصاديا؛ ترجمة الأزمة في الضفة الغربية إلى تقليص شديد بالدعم الاقتصادي لقطاع غزة، الأمر الذي يتوقع أن يؤدي إلى تفاقم سوء الوضع الإنساني في القطاع، وتقويض الواقع الأمني في المنطقة".

مخيم البريج في غزة، شهر رمضان الماضي (أ.ب.)

ورأى ميلشطاين أنه توجد علاقة بين هذه الأزمة الاقتصادية و"صفقة القرن"، "ومن شأن ارتباط هذين الأمرين في الفترة نفسها قد يجعل الوضع قابلا للاشتعال... ومن شأن طرح الخطة الأميركية، في الوقت الذي تسود فيه أزمة اقتصادية في الجانب كله، يصعّد التوتر العام وتكتل الجمهور والقيادة حول شعور بوجود تهديد مشترك. وحتى أن السلطة الفلسطينية قد تغذي الغليان الشعبي لدى نشر المبادرة الأميركية، وذلك من أجل التأكيد على التحديات الداخلية التي تقف أمامها".     

وادعى ميلشطاين أنه "يبدو أن القيادة الفلسطينية تحاول إدارة أزمة شديدة ولكن بالإمكان السيطرة عليها، وهدفها وقف العقوبات التي فرضتها إسرائيل والولايات المتحدة على الفلسطينيين، وفي المقابل إحباط ’صفقة القرن’. لكن الحراك المتبلور، وفي مركزه الغليان الشعبي الذي يتوقع أن يتعاظم إثر استمرار الأزمة الاقتصادية، قد يكون أشد من قدرة التخطيط والسيطرة للسلطة الفلسطينية ونقل الجانب الفلسطيني كله إلى مواجهة ليس بالإمكان السيطرة عليها".

وأضاف أنه على الرغم من أنه "لا يوجد الآن تعبير كبير عن غليان في الشارع وأن الجمهور الفلسطيني في حالة صدمة أو في مرحلة استيعاب الوضع الجديد، لكن الإحباط والغضب المتراكمين قد ينفجر من دون سابق إنذار. وقد يتم التعبير عن الانفجار بعدة أشكال تتحقق في وقت واحد وتدريجيا: احتكاك شعبي واسع النطاق مع إسرائيل؛ تصاعد الإرهاب – ’العفوي’ أو الممأسس؛ واحتجاج شعبي ضد السلطة الفلسطينية".  

وبحسب ميلشطاين، فإن "إسرائيل والسلطة الفلسطينية لم تصلا بعد إلى نقطة اللا عودة"، معتبرا أن من شأن التوصل إلى تسوية في قضية الأموال المخصصة لعائلات الأسرى والشهداء أن تشكل "مفتاح حل الأزمة الحالية، بصورة تسمح بإعادة ضخ أموال الضرائب إلى الخزينة الفلسطينية".

وختم ميلشطاين بأن "حكومة إسرائيل مطالبة بالاعتراف بأنها تقف أمام خيارين: سيء وأسوأ، وعليها التعامل مع السلطة الفلسطينية بالليونة البراغماتية نفسها التي تبديها هذه الأيام في تعاملها مع التهدئة في قطاع غزة، رغم أن هذه لا تزال تهدئة هشة. وكما هو الحال في قطاع غزة، فإنه في الضفة الغربية أيضا، الحديث يدور عن تنازل مقابل ضمان استقرار إستراتيجي ومنع تصعيد ذي تبعات خطيرة من الناحيتين الأمنية والسياسية. وتوجد أهمية حاسمة للعامل الزمني في هذا السياق. وكلما كان العثور على الحل أسرع، سيتراجع احتمال التصعيد، وكلما تأخرت التسوية، يتعزز التهديد بمواجهة لا يمكن السيطرة عليها".