لم تنجح إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حتى الآن في تشكيل قوة الاستقرار الدولية في غزة، التي في مركز خطة ترامب لإنهاء الحرب. ولم تشارك دول عديدة مرشحة للمشاركة في هذه القوة في الاجتماع الذي عقدته إدارة ترامب في قطر، الأربعاء، لكن هذا لا يعني أن الدول التي شاركت في الاجتماع ستوافق على إرسال قوات إلى غزة، وذلك بسبب تخوف الدول من تكليفها بنزع سلاح حركة حماس.
ووافقت إسرائيل على خطة ترامب، التي تضمنت تبادل أسرى ووقف إطلاق نار بينها وبين حماس، بينما أعلن ترامب عن إنهاء الحرب. وأفرجت حماس عن جميع الأسرى الإسرائيليين الأحياء والأموات، باستثناء جثة أسير واحد يجري البحث عنها، كما أفرجت إسرائيل عن حوالي 2000 أسير فلسطيني وجثامين شهداء. لكن إسرائيل لم توقف إطلاق النار منذ بدء سريانه، في 11 تشرين الأول/أكتوبر، مثلما لم توقف إطلاق النار في لبنان منذ سريانه قبل أكثر من سنة.
وتهدد إسرائيل، حتى الآن، باستئناف الحرب على غزة، بذريعة نزع سلاح حماس، وتدعي أن جيشها فقط بإمكانه تنفيذ هذه المهمة، رغم أن الجيش الإسرائيلي لم ينتصر في الحرب على غزة، ويعتبر أن انتصارًا كهذا سيكون بهزيمة حماس ونزع سلاحها. لكن إسرائيل تعترف أيضًا أن حماس تعمل، الآن، على إعادة بناء قوتها وتعزيزها، وأن الحركة تسيطر على المنطقة التي انسحب منها الجيش الإسرائيلي وتشكل نصف مساحة القطاع تقريبًا ويتجمع فيها جميع السكان الغزيين.
وأعلنت حماس أنها توافق على خطة ترامب لكنها ترفض إلقاء سلاحها بأي حال. وتُطرح في هذه الأثناء حلول لقضية سلاح حماس، مثل أن تسلم الحركة سلاحها الهجومي، مثل صواريخ وقذائف صاروخية إلى طرف ثالث وأن تحتفظ بسلاحها الدفاعي، مثل البنادق والمسدسات والقذائف المضادة للمدرعات. وتلمح إدارة ترامب إلى أنها قد توافق على حل كهذا، لكن إسرائيل لا توافق على ذلك بأي شكل وتطالب بنزع هذا السلاح وأي سلاح آخر في القطاع.
ليس متوقعًا أن توافق حماس، وكذلك حزب الله في لبنان، على أي صيغة بشأن تسليم السلاح أو نزعه، ويتعزز ذلك في ظل استمرار العدوانية الإسرائيلية وعدم وجود أي أفق لوقف هذه العدوانية، ولذلك فإنه لا يبدو أنه ستكون هناك انفراجة في المستقبل القريب. وليس متوقعًا أن يرفع الفلسطينيون راية بيضاء وهم يُذبحون. دول مستقلة قد تستسلم في الحروب، لكن حركات مقاومة لا تستسلم طواعية إلا في حال وقف العدوان على شعبها ووجود حل سياسي، وهناك أمثلة كثيرة في العالم على مر التاريخ الحديث.
عدا عن ذلك، فإن القناعة لدى الفلسطينيين هي أن الاستسلام لا يوقف جرائم إسرائيل بحقهم، حتى لو تحولوا إلى "حمل وديع". والتاريخ الفلسطيني يؤكد على ذلك.
حسب مصادر أميركية، فإن القوة الدولية ستنتشر بداية الشهر المقبل، لكنها لن تسعى إلى الدخول في مواجهة ضد حماس، فيما تعبر الحركة عن موافقتها على انتشار القوة الدولية عند حدود القطاع، وليس داخله، كقوات فصل بين القطاع وإسرائيل.
وذكرت وسائل إعلام إسرائيلية، مؤخرًا، أنه يوجد خلاف بين إسرائيل وإدارة ترامب حول مسألة السلاح، وأن الأخيرة توافق على أن تسلم حماس سلاحها الهجومي إلى طرف ثالث وأن تحتفظ بسلاحها الدفاعي، وأن ترامب يعارض بقاء الجيش الإسرائيلي عند "الخط الأصفر" ويطالبه بانسحاب آخر. وترافق ذلك مع تقارير إسرائيلية أفادت بأن إدارة ترامب كانت غاضبة على نتنياهو في أعقاب اغتيال القيادي في حماس، رائد سعد، بينما قال ترامب لصحافيين في البيت الأبيض إن إدارته تتحقق مما إذا كانت إسرائيل قد خرقت اتفاق وقف إطلاق النار عندما نفذت هذا الاغتيال.
سياسة إسرائيل العدوانية ضد الفلسطينيين ليست محصورة بحكومة نتنياهو فقط، وإنما يوجد إجماع عليها في الأحزاب الصهيونية في صفوف المعارضة أيضًا، التي تضم أحزابًا يمينية بامتياز، مثل حزبي نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان. وهذه السياسة العدوانية يؤيدها باقي أحزاب المعارضة التي يرأسها يائير لبيد وبيني غانتس ويائير غولان وغادي آيزنكوت.
اليمين الفاشي كشماعات لنتنياهو
استمرار الاحتلال وتكثيف الاستيطان والنزعات العدوانية الإسرائيلية تلقى إجماعًا إسرائيليًا واسعًا تتشارك فيه أحزاب الائتلاف والمعارضة على حد سواء. والسردية التي يحاول محللون إسرائيليون تسويقها، بأن سياسة نتنياهو، باستمرار الحرب على غزة أو تكثيف الاستيطان في الضفة الغربية، سببها ضغوط يمارسها الحزبان الفاشيان برئاسة إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، ليس لها صلة مع الواقع. وعمليًا لم يوافق أي رئيس حكومة في تاريخ إسرائيل على إنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان أو على سلام مع الفلسطينيين.
إذ أفادت دراسات وتقارير إسرائيلية بأنه في أعقاب توقيع اتفاق أوسلو، في العام 1993، ضاعفت حكومة يتسحاق رابين الاستيطان، قياسًا بالفترة التي سبقت هذا الاتفاق. وإسرائيل لا تتمسك باتفاق أوسلو سوى لسببين اثنين فقط، هما التخلص من "عبء" تكلفة الاحتلال ومن مسؤوليتها عن الفلسطينيين كقوة احتلال، والسبب الثاني هو الفائدة من التنسيق الأمني مع أجهزة أمن السلطة الفلسطينية.
كثفت حكومة نتنياهو المخططات الاستيطانية والمصادقة عليها ومشاريع البناء الاستيطانية، مع تعيين سموتريتش وزيرًا في وزارة الأمن ومسؤولًا عن الاستيطان، وكانت أجندة سموتريتش الاستيطانية واضحة لنتنياهو، وسموتريتش مثله مثل باقي المستوطنين هو ذراع استيطاني بالنسبة لنتنياهو إلى جانب كونه داعمًا لنتنياهو في التهرب من محاكمته، وشماعة يعلق عليها نتنياهو خطواته وخاصة استمرار الحرب على غزة، مثل شماعات أخرى في ائتلافه.
وأكد ضابط في الجيش الإسرائيلي، هذا الأسبوع، أن الجيش يتعاون مع المستوطنين في إقامة بؤر استيطانية عشوائية في الضفة الغربية، منذ تعيين الجنرال آفي بلوط قائدًا للقيادة الوسطى للجيش. لكن هذا ليس مجرد تعاون مع المستوطنين، وإنما تعاون مع حركات المستوطنين المتطرفين، الذين ينفذون اعتداءات إرهابية ضد الفلسطينيين. فهذه البؤر الاستيطانية لا تُقام بموجب قرار حكومي وإنما بالاستيلاء على أراضٍ بملكية فلسطينية في أحيان كثيرة، ولذلك توصف هذه البؤر بأنها غير قانونية.
بعد ذلك تشرعن الحكومة الإسرائيلية هذه البؤر الاستيطانية وتوسعها لتصبح مستوطنات والادعاء أنها قانونية. لكن شرعنتها، من خلال ما تصفها إسرائيل بأنها "تسوية" البؤر الاستيطانية بمعنى قوننتها، ليس قرارًا اتخذته حكومة نتنياهو الحالية، التي يشارك فيها سموتريتش وبن غفير، وإنما بموجب قانون سنّه الكنيست في العام 2020، بتأييد أعضاء كنيست من حزب غانتس، الذي كان يتولى منصب وزير الأمن.
ونص قانون شرعنة البؤر الاستيطانية على إلزام مختلف الوزارات ذات الصلة بتزويد جميع البؤر الاستيطانية بخدمات البنى التحتية، من كهرباء وطرقات ومياه واتصالات ومواصلات، وذلك بموجب قرار اتخذته حكومة نتنياهو، في العام 2017، وكان يشارك فيها حزبا بينيت وليبرمان.
يافا مثل القدس...
كشف اعتداء ثلاثة مستوطنين من تنظيم "شبيبة التلال" الإرهابي على سيدة حامل من يافا، حجم العنصرية الإسرائيلية ضد المواطنين العرب، ليس بسبب المستوطنين المعتدين فقط، وإنما وبالأساس بسبب الممارسات الإسرائيلية في أعقابه. فالشرطة لم تعتقل المستوطنين إلا بعد أيام من الاعتداء رغم أنهم معروفون لها، بينما اعتقلت أكثر من عشرة مواطنين من سكان يافا لأنهم احتجوا سلميا على هذا الاعتداء، ثم أطلقت المحكمة سراحهم لاحقًا، وعوقب أحد أئمة مساجد يافا بإقالته بسبب هذه الاحتجاجات.
نتنياهو لم يصرح حول هذا الاعتداء ولم يندد، بينما وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، حاول الادعاء بأن المستوطنين هم الذين تعرضوا لاعتداء. وألمح ضابط شرطة لرئيس الهيئة الإسلامية في يافا، عبد أبو شحادة، أن توقيفه تم "بأوامر عليا".
لكن هذا الاعتداء لم يكن الاعتداء الوحيد، وتؤكد مصادر في يافا أن الاعتداءات والتنكيل بالسكان العرب في المدينة، على خلفية عنصرية، متواصل منذ فترة طويلة، من جانب مستوطنين وغير مستوطنين. ويافا، مثل القدس المحتلة، تستحق دعم المجتمع العربي وقيادته خصوصًا.