تدخل الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران أسبوعها الثالث غدًا، السبت. وخلال الأسبوعين الماضيين اتسعت إلى حرب إقليمية، تشمل لبنان بعد قرار حزب الله الانضمام إليها، ودول الخليج التي بادرت إيران إلى استهداف أراضيها بصواريخ وطائرات مسيّرة بعد تعرضها لهجمات إسرائيلية – أميركية شديدة للغاية.
الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يلمّح كأن الغارات الجوية في إيران قد استنفدت، وأنه لم تعد هناك أهداف تقريبًا بالإمكان ضربها، ويقول إن الحرب تتقدم أسرع من التوقعات وأنها قد تنتهي قريبًا من دون تحديد موعد لإنهائها، ما يعني أنها قد تمتد لأيام، أو ربما أسابيع. ومثلما لم يكن هناك وضوح حول بدء الحرب قبل شنها، فإنه ليس واضحًا الآن متى تنتهي.
لا يبدو أن إسرائيل تريد حاليًا إنهاء الحرب، وإنما مواصلة الهجمات على إيران بهدف إلحاق خسائر إستراتيجية بإيران ونظامها. وإسرائيل لم تعلن بشكل واضح ورسمي أن هدف الحرب هو إسقاط النظام الإيراني، رغم أنها تلمّح إلى هذا الهدف.
حدد رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، أهداف الحرب على إيران في يومها الأول، في 28 شباط/فبراير الفائت. وقال في تصريح رسمي إن هدفها "إزالة الخطر الوجودي على إسرائيل من جانب نظام آيات الله في إيران"، رغم أنه قال في نهاية الحرب السابقة على إيران، في حزيران/يونيو الماضي، إنه "أزلنا خطرًا وجوديًا على إسرائيل".
واعتبر نتنياهو في تصريحه أن "هذه الحرب ستقود إلى سلام. سلام حقيقي"، وأضاف أنه يُحظر على النظام الإيراني أن "يتسلح بسلاح نووي يسمح له بتهديد وجودنا، وبتهديد سلامة البشرية كلها. وقد خرجنا إلى المعركة من أجل تغيير هذا الوضع من أساسه، ووضع نهاية للخطر. وسنغير وجه الشرق الأوسط". نتنياهو كرر بذلك تصريحاته التي أطلقها في الحرب السابقة، قبل ثمانية أشهر ونصف الشهر.
في إسرائيل يعتقدون أن أقوال ترامب حول نهاية الحرب سببها المعارضة الواسعة للحرب في الولايات المتحدة والتكلفة الاقتصادية، وخاصة ارتفاع أسعار النفط التي يتوقع أن ترتفع أكثر وترفع أسعار كافة السلع الأخرى. لكن أقوال ترامب لن تخفض الأسعار. فإيران تسعى إلى إغلاق مضيق هرمز ومنع تصدير النفط من الخليج إلى العالم، وقد تقدم على استهداف منشآت نفطية في دول الخليج، ومن شأن ذلك أن يرفع الأسعار إلى مستويات قياسية ويؤدي إلى أزمة عالمية.
تبدو الدول العربية في الخليج أنها نقطة الضعف الأميركية – الإسرائيلية في هذه الحرب. وإطلاق إيران صواريخ ومسيّرات على أراضي هذه الدول يُلحق خسائر اقتصادية كبيرة، وخسائر بشرية مهما كانت صغيرة، بسبب احتياطي النفط والغاز فيها، بينما إطلاق الصواريخ على إسرائيل، حسب محللين إسرائيليين، يتسبب بإزعاج مواطنيها الذين يضطرون إلى الدخول إلى الملاجئ عدة مرات يوميًا، ولا يُلحق خسائر كتلك التي يتكبدونها في الخليج والعالم.
رغم أن السؤال الذي أشغل العالم، في الأسبوعين الأخيرين، وبقي دون إجابة: ما هو سبب الحرب على إيران وما هو هدفها؟ يتحول الآن إلى: لماذا تتوقف الحرب، وما الذي حققته إسرائيل والولايات المتحدة فيها؟ وعلى هذا السؤال توجد إجابة وفقًا لوضع الحرب حتى الآن.
الحرب ألحقت خسائر بإيران، وأولها مقتل قياديين إيرانيين وفي مقدمتهم زعيمها الأعلى، علي خامنئي، كما استهدفت موارد إيرانية ثمينة وتسببت بخسائر بشرية ليست قليلة. لكن هذه الحرب لم تزعزع النظام، ولم تستهدف برنامجه النووي، ومخزون 440 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% لا يزال في إيران، وتفيد تقارير بأن الوصول إليه صعب للغاية. كما أنه ليس واضحًا حجم الضرر الذي لحق بالصواريخ البالستية وبمنشآت إنتاجها في إيران. وتقول إسرائيل إن نصف الصواريخ التي أطلقتها إيران في الحرب الحالية هي صواريخ انشطارية أكثر تطورًا من تلك التي أطلقتها في الحرب السابقة.
فيما طالب نتنياهو ترامب قبل الحرب بأن مفاوضات مع إيران يجب أن تشمل وقف دعمها لأذرعها في المنطقة، أي حزب الله والحوثيين والميليشيات المسلحة في العراق، فإن هذه الأذرع لا تزال تعمل، بل تبين حسب الإسرائيليين أن حزب الله رمم وأعاد بناء قدراته حسبما اتضح بعد انضمامه إلى الحرب، ويطلق الصواريخ والمسيّرات على إسرائيل بوتيرة عالية، وحتى أن صواريخه استهدفت منطقة تل أبيب البعيدة نسبيًا وليس مناطق قريبة من الحدود اللبنانية فقط.
معركة وليس حربًا
الحرب الإسرائيلية – الأميركية حققت قتلاً ودمارًا وجعلت وضع إيران صعبًا جدًا، لكنها لم تحقق أهداف الحرب التي تحدث نتنياهو عنها في يومها الأول. لكن هذا لا يؤكد أن الحرب على إيران لن تتوقف من دون تحقيق أهدافها. فإسرائيل تعتبر أن الحربين الحالية والسابقة هما معركتان في حرب طويلة، وإذا توقفت الحرب قريبًا فإن حربًا أخرى ستنشب لاحقًا، ويجب أن تدور قبل نهاية ولاية ترامب، حسب الإسرائيليين الذين يتحدثون عن حرب على وجودهم.
في هذه الأثناء يتصاعد ويشتد القتال بين إسرائيل وحزب الله. ويبدو الوضع كأنه تبادل ضربات، قصف صاروخي على إسرائيل مقابل غارات جوية وقصف مدفعي على لبنان، لكن الواقع والمعطيات حتى الآن يظهران صورة أخرى مختلفة. فقد قُتل حتى أمس أكثر من 685 لبنانيًا بالغارات الإسرائيلية على الجنوب والبقاع وبيروت، ونزح أكثر من 800 ألف لبناني من المناطق التي تستهدفها إسرائيل، كما أن الدمار في لبنان هائل.
إسرائيل استولت على مناطق في جنوب لبنان، والمواقع الخمسة التي احتلها الجيش في الأراضي اللبنانية القريبة من الحدود أصبح عددها يزيد على 15 موقعًا، كما أن الجيش الإسرائيلي يعلن أنه سينفذ قريبًا اجتياحًا بريًا في جنوب لبنان كله، وربما أوسع من ذلك، ويطالب بإخلاء جميع السكان في الضاحية الجنوبية لبيروت مع استمرار قصفها من الجو. ويدور حديث أن إسرائيل ستحول الجنوب إلى منطقة عازلة خالية من السكان، بين حدودها وبين منطقة شمال نهر الليطاني.
يقول ضباط ومسؤولون أمنيون إسرائيليون إن حزب الله طوّر قدراته منذ وقف إطلاق النار المزعوم، في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وأن قوات الرضوان تنتشر في جنوب لبنان ووحدة إطلاق المسيّرات تعمل بكل قوة. ويدعون أن هذا الوضع لم يكن معروفًا للاستخبارات العسكرية قبل انضمام حزب الله إلى الحرب الحالية.
في موازاة ذلك، تتعالى مطالب في وسائل الإعلام الإسرائيلية بنقل تركيز قسم من القدرات العسكرية، الطيران والاستخبارات خصوصًا، إلى جبهة لبنان، كما يدور الحديث عن استدعاء واسع لقوات الاحتياط تمهيدًا لتنفيذ اجتياح بري. يعني ذلك أن إسرائيل تستعد لحرب طويلة على لبنان، حتى لو توقفت الحرب على إيران حاليًا.
وزير الأمن الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، قال أمس إنه ونتنياهو أوعزا للجيش الإسرائيلي "بالاستعداد لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، وإعادة الهدوء والأمن إلى بلدات الشمال"، وأضاف مهددًا باحتلال مناطق لبنانية بأنه "حذرت الرئيس اللبناني من أنه إذا لم تتمكن الحكومة اللبنانية من السيطرة على المنطقة ومنع حزب الله من تهديد بلدات الشمال وإطلاق النار على إسرائيل، فإننا سنأخذ هذه المنطقة وننفذ ذلك بأنفسنا. لقد تعهدنا بالهدوء والأمن لسكان الشمال وهكذا سنفعل بالضبط".
إسرائيل تريد نزع سلاح حزب الله، وربما تعتقد أنه توجد "فرصة" الآن لتنفيذ ذلك، لكن المؤكد هو أنها لا تنجح في نزع هذا السلاح، ويعترف مسؤولون إسرائيليون بذلك، لكن هذا يعني أن حربًا ضد لبنان يمكن أن تطول وتؤدي إلى دمار هائل في لبنان، وليس مستبعدًا أن تنسخ إسرائيل مخططات الإبادة والتدمير من غزة إلى مناطق في لبنان دون أن يمنعها أحد.
الأمر اللافت في الإستراتيجية الحربية الإسرائيلية، منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، أن إسرائيل تواصل الحرب رغم أنها تتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار. فقد توصلت إلى اتفاقات وقف إطلاق نار في غزة، منذ تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وفي لبنان منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2024، لكنها استمرت في حربها على غزة ولبنان دون توقف. وربما تنفذ هذه الإستراتيجية في إيران في حال التوصل إلى وقف إطلاق نار معها أيضًا. من سيمنعها؟
بحربها المشتركة مع الولايات المتحدة على إيران، منعت إسرائيل تنفيذ المرحلة الثانية في خطة ترامب في غزة، التي تقضي بانسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة. ولم تدخل قوة الاستقرار الدولية إلى القطاع، وإعادة الإعمار لم تبدأ، و"مجلس السلام" الذي يرأسه ترامب بلا قيمة. وإسرائيل تريد استئناف الحرب على غزة بكل قوة بادعاء نزع سلاح حماس رغم أنها لم تتمكن من ذلك طوال سنتين ونصف السنة.