تحليل: هِبات ضريبة الدخل في خدمة الاستيطان

الائتلاف الإسرائيلي يدفع مجددًا نحو توسيع الامتيازات الضريبية للمستوطنات في الضفة الغربية، عبر مشروع قانون مدعوم من وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، رغم اعتراضات مهنية وقانونية تعتبره خطوة ذات دوافع انتخابية وأيديولوجية تخدم تعميق الاستيطان وتثقل كلفة الخزينة العامة.

تحليل: هِبات ضريبة الدخل في خدمة الاستيطان

فلسطيني يتجه بمركبته نحو قرية أم الخير المحاطة بمستوطنة "كرمل" في الضفة الغربية، وأعلام إسرائيلية معلقة على جانبي الطريق (Getty Images)

تستخدم إسرائيل أداة التسهيلات في ضريبة الدخل في البلدات الحدودية كإحدى الأدوات المركزية لتشجيع الهجرة إليها، وكذلك للحد من الهجرة العكسية منها، بما يضمن بقاء السكان في مناطق نائية جغرافيًا واقتصاديًا تفتقر إلى أسواق عمل متطورة قادرة على توفير مستويات دخل مرتفعة.

تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"

ووفقًا لقائمة البلدات المستفيدة من تخفيضات ضريبة الدخل الصادرة عن وزارة المالية لعام 2024، فإن نحو 500 بلدة تحصل على هذه التسهيلات، بنسب تتراوح بين 7% و20%. وتشمل هذه البلدات في معظمها مناطق حدودية أو مناطق طرفية، مثل الشمال والجنوب، بالإضافة إلى مستوطنات في الضفة الغربية المحتلة.

ويتمثل التبرير الرسمي لهذه التسهيلات عادةً في تشجيع الاستيطان في مناطق الأطراف، إلى جانب اعتبارات أمنية، وتعزيز المناطق ذات الأولوية الوطنية. وبذلك، يمكن النظر إلى التسهيلات في ضريبة الدخل بوصفها شكلًا من أشكال الدعم غير المباشر الذي تقدّمه ميزانية الدولة لهذه البلدات.

تسهيلات ضريبية عقائدية

يحاول الائتلاف الحالي توظيف أداة التسهيلات الضريبية لتحقيق جملة من الأهداف في آنٍ واحد، تشمل أهدافًا عقائدية–أيديولوجية وأخرى سياسية، ومع اقتراب موعد الانتخابات يمكن إضافة بُعد انتخابي واضح، لا سيّما لدى حزب الصهيونية الدينية، الذي تشير غالبية استطلاعات الرأي إلى أنه قد لا يتجاوز نسبة الحسم في الانتخابات المقبلة.

وفي هذا السياق، يسعى عضو الكنيست تسفي سوكوت من الصهيونية الدينية، منذ أواخر عام 2025، إلى سنّ قانون يمنح تسهيلات كبيرة في ضريبة الدخل للمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، علمًا بأن سوكوت نفسه يقيم في مستوطنة "يتسهار".

وبحسب مشروع القانون الذي قدّمه سوكوت، والذي اجتاز بالفعل القراءة التمهيدية في نهاية عام 2025، فإن البلدات التي تُعرَّف على أنها "بلدات مهدَّدة" (أي المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية) ستحصل على امتياز ضريبي يعادل 100 نقطة استحقاق في ضريبة الدخل (خصم بنسبة 25%)، بقيمة تقديرية تصل إلى نحو 132 ألف شيكل سنويًا لكل مستفيد يقيم في "بلدة مهدَّدة" في الضفة الغربية.

يسعى سوكوت إلى إضافة معيار للتهديد الأمني، على غرار المعيار المعتمد لسكان ما يُعرف ببلدات خط المواجهة والبلدات القريبة من السياج في محيط غزة ولبنان، وذلك كمبرر لمنح التسهيلات في ضريبة الدخل لمستوطنات الضفة الغربية. غير أن الاقتراح لم يوضح الجهة التي ستتولى تحديد هذه المعايير، ولا الآلية التي سيتقرر بموجبها تصنيف البلدة على أنها "مهدَّدة أمنيًا".

وقد واجه الاقتراح حينها معارضة من قِبَل المستوى المهني في وزارة المالية، وكذلك من المستشارين القانونيين في الكنيست. إذ يقترح القانون أن تحصل المستوطنات على امتياز ضريبي بسبب كونها "بلدات مهدَّدة"، وذلك وفق ما يحدده الجيش (قائد المنطقة الوسطى). عارضت وزارة القضاء والمستشارون القانونيون في الكنيست ذلك، بحجة أن التعريفات الأمنية التي يعتمدها الجيش ليست شفافة ولا واضحة، وأنه في جميع الأحوال توجد بلدات مهددة أيضًا داخل حدود دولة إسرائيل، وليس فقط في الأراضي الفلسطينية المحتلة. بالإضافة إلى ذلك، رفضت وزارة الأمن إصدار رأي مهني يحدد أن البلدات في الأراضي الفلسطينية المحتلة أكثر تعرضًا للتهديد مقارنة ببلدات أخرى في البلاد.

كما عارض الطاقم المهني في وزارة المالية المشروع، لأن المستوطنات التي تستوفي المعايير القائمة للحصول على الامتيازات الضريبية تستفيد منها بالفعل. إذ إن 35 بلدة، معظمها على طول الحدود الشرقية للضفة الغربية (غور الأردن)، تحصل اليوم على هذه الامتيازات. كما أشار الطاقم المهني إلى أن باقي المستوطنات تقع في مركز البلاد وتتمتع بطلب مرتفع على السكن والانتقال إليها، ولذلك لا يوجد أي مبرر اقتصادي لمنح سكانها امتيازات ضريبية. فالغرض من الامتيازات الضريبية هو دعم البلدات الضعيفة التي تعاني من هجرة سلبية وجذب سكان أقوى إليها.

أفادت حركة "السلام الآن" حينها بأن اقتراح سوكوت لمنح امتيازات ضريبية للمستوطنات يُعدّ "ببساطة وقاحة وجشعًا من قبل قادة المستوطنين"، مشيرةً إلى أنه لا يوجد قطاع في الدولة يستفيد من الامتيازات والاستثمارات من الأموال العامة أكثر من المستوطنين، ولا يوجد أي مبرر لإضافة امتيازات ضريبية من شأنها فقط استنزاف الخزينة العامة لصالح أقلية صغيرة من القاعدة السياسية الداعمة للائتلاف الحكومي.

كما أوضحت الحركة أن المستوطنات تحصل بالفعل على امتيازات اقتصادية ومالية واسعة جدًا، فقد أظهر فحص أجرته أن هذه المستوطنات تستفيد من استثمار حكومي فائض في معظم المجالات. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تحصل المستوطنات على منح من وزارة الداخلية تعادل 2.5 ضعف حصتها النسبية من السكان، كما تتلقى استثمارًا حكوميًا في ميزانيات السلطات المحلية يزيد بنحو 50% عن المعدل في البلاد (أي ما يعادل 1.5 ضعف). وفي مجال التعليم، تحصل المستوطنات أيضًا على ميزانيات أعلى بنحو 30% من المعدل العام في البلاد.

محاولة جديدة

أدّت معارضة الجهات المهنية لمشروع القانون إلى تعطيل استكمال إجراءات التشريع منذ نهاية عام 2025، غير أن عضو الكنيست تسفي سوكوت أعاد طرح المشروع على جدول أعمال لجنة المالية في الكنيست، بعد إدخال عدة تعديلات على صيغته، وهذه المرة بدعم واضح من وزير المالية بتسلئيل سموتريتش. ويبدو أن اقتراب موعد الانتخابات قد حفّز كلًّا من سوكوت وسموتريتش لمحاولة تمرير هذا القانون، الذي يُنظر إليه، إلى جانب بُعده العقائدي، كأداة ذات طابع انتخابي موجّهة لقاعدة الصهيونية الدينية والمستوطنين. وفي هذه الجولة، قُدِّمت إلى لجنة المالية صيغة معدّلة من مشروع القانون.

ووفقًا للصحافية ميراف أرلوزوروف ("ذي ماركر"، 12 أيار/ مايو)، فإن النص المعدّل يختلف بشكل جوهري عن النص الأصلي. وقد جرت صياغة مشروع قانون جديد كليًا بالتعاون مع المستشارة القانونية للكنيستـ وطاقم مكتب وزير المالية بتسلئيل سموتريتش. كما كانت سلطة الضرائب على اطلاع على الصيغة الجديدة ولم تعارضها، فيما سحب المستشار القانوني للجنة المالية في الكنيست اعتراضه على المشروع.

ووفقًا لمشروع القانون المعدّل، سيُمنح امتياز ضريبي بقيمة عشرات آلاف الشواقل سنويًا لسكان المستوطنات التي تقع على بُعد كيلومترين أو أكثر خارج الخط الأخضر، والتي لا تصل إليها وسائل النقل العام إلا عبر مركبات محصّنة، والتي تقع ضمن مؤشر اجتماعي-اقتصادي تحت مستوى 6 في التدريج الاجتماعي-الاقتصادي.

وبذلك، ستُعتبر جميع المستوطنات التي لا تقع بمحاذاة جدار الفصل مؤهلة للحصول على هذه الامتيازات الضريبية، حتى وإن كانت قريبة من مركز البلاد، وحتى لو لم يكن مستوى الخطر فيها مختلفًا بشكل جوهري عن مستواه في بلدات المركز.

يُبقي هذا التعريف "معاليه أدوميم" و"أريئيل"، خارج نطاق الامتيازات الضريبية. ويعود ذلك إلى أن إدراج هاتين المدينتين-المستوطنتين سيؤدي إلى زيادة كبيرة في تكلفة هذه الامتيازات على ميزانية الحكومة، ما قد يصعب من تمرير الاقتراح بسبب القيود الميزانية. كما أن هاتين المدينتين لا تُعدّان جزءًا من القاعدة الانتخابية لحزب الصهيونية الدينية.

وبذلك، فإن اقتراح القانون المعدّل عمل على تجاوز معارضة المستشارين القانونيين في الكنيست والمستوى المهني في وزارة المالية، في محاولة لتسريع سنّه قبل حلّ الكنيست. ومن المتوقع أن ينجح سوكوت في تمرير المشروع في لجنة المالية، ثم في الهيئة العامة للكنيست قبل حلّها. ويأتي ذلك رغم أن المشروع يستهدف أساسًا قاعدة حزب واحد فقط، وهو حزب وزير المالية نفسه، وذلك قبل بضعة أشهر من موعد الانتخابات.

وحتى الآن، لا تزال التكلفة المالية لهذا المشروع غير واضحة، كما لا يُعرف ما إذا كان له مصدر تمويل، خاصة أنه يُطرح بعد نحو شهرين فقط من مصادقة الكنيست على ميزانية عام 2026، من دون أن تشمل هذا المشروع. المهم أن يخدم اقتراح القانون الحملة الانتخابية لحزب الصهيونية الدينية، وأن يعمّق الاستيطان في الضفة الغربية في الوقت ذاته.